لمناقشة “خطل الفكرة” مبارك الكوده يتساءل في مراجعاته: أيهما أصح قال الله أم قال فلان؟

 

يقول مالك بن نبي أن الأفكار التي يخونها أصحابها تنتقم لنفسها مِنهم. والأفكار كما هو معلوم لها واقعها وسننها وثقافتها ولها ما تحبه وتكرهه مثلها مثل الكائنات الحية. والإنتقام كما معلوم هو السعي لإيقاع الضَّرر بحقدٍ شديد للأخذ بثأر، وهذا بالضبط مانراه الآن بأعيننا في مستوي الدمار والخراب الذي أحدثته الفكرة وتأثر به الناس في حياتهم الدنيا في أخلاقهم ومعاشهم عندما خانها أصحابها بالفهم الخاطيء أولاً وبعدم الاعتراف به ثانياً وبالتمادي فيه ثالثاً.

صحيح أن الإسلام هو الحل، ولكن أيّ إسلامٍ نُريد بهذا المقولة؟
في تقديري أن الفهم الخاطيء للإسلام في واقع الْيَوْمَ يمثل مشكلةً وليس حلاً ولنتجاوز هذا الواقع الذي هو بما كسبت أيدينا وجب علينا أن نبحث عن حقيقة الإسلام الحل وعن مراد الله خارج نطاق المصطلحات وكتب التراث وأقوال الرجال ونجعل من القران الكريم فرقاناً لنا وفيصلاً (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).. وبالرجوع الي هذه الآية الكريمة والتي يعيها كل مكلفٍ عاقلٍ ومخاطب بهذا القران نجد أن الله أنزل الكتاب بالحق ليحكم بين الناس (فيما اختلفوا فيه) مع ملاحظة أن الذين اختلفوا فيه هم (الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات) فهولاء هم الجماعات التي تدّعي العصمة في الفكر وكلٌ بما لديه فرح، وسبب الإختلاف كما أوضحت الآية الكريمة أنه (بغياً بينهم) وهذه الآية الجامعة تتحدث عن (الناس) الذين خلقهم الله إبتداءً كأُمَّةً وآحدة ولا تتحدث عن اليهود والنصاري كما يجتهد البعض، وتتحدث كذلك عن النبيين الذين أرسلهم رب العزة مبشرين ومنذرين ولا تتحدث عن نبيٍ بعينه كما هو واضح. فكيف لي أن اتبع بعد قراءة هذه الآية الميسرة في الفهم من به شبهة الذين اختلفوا وشبهة الباغين من الناس بعد أن هداني الله بهذه الآية والتي لا تحتاج لأي شرح لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد، وتأملوا معي كذلك ما قاله نبي الله نوح عليه السلام لقومه في هذه الآية التي هي محجة بيضاء لا يزيغ عنها الّا هالك (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ). لقد كان نوحٌ كما تُذَكِرُنا الآية (علي بينة من ربه) وآتَاه الله رحمة من عنده ولكنها (عُميت) علي قومه، فماذا قال لهم نوح عليه السلام (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) إنها قمة إحترام إنسانية الآخر، فكيف تلزمني بما أنا له كاره؟ رغم أن صاحب القول نبي ويعلم علم اليقين أنه الحق من ربه ولكنه يقول: (أنلزمكموها).. اليست هذه الآية دليل وبرهان آخر علي أنه لا أكراه في الدين؟!
ما يسمي بالدولة الاسلامية إنما هو مشروع مقنن للإكراه ولمخالفة سنة الله في خلقه وهو القائل(ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين).
هل هنالك أي حرج شرعي في أن أقول لا تقفوا بين عقلي والقران الكريم؟
وهل هنالك دليل شرعي يجبرني أن افهم الدين بذات الفهم الذي فهمته انت أو غيرهم ممن تظنهم علماء؟
يقول جل من قائل (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚإِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فلماذا يُرِيد البعض أن يؤلف بين قلوبنا والله يقول لن يحدث ذلك مهما فعلنا؟ إن تأليف القلوب لا يتم بالإكراه، إنما يتم بسنن الله الاجتماعية دون تدخل من أحد، فإنها كيمياء كما وصفها أبو حامد الغزالي وليست الزام، فالذي يجعلني أحب الانسان ليس القانون ولا النص ولكنه مفهوم النص (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ ).
اللهم اهدنا لأحسن القول.
مبارك الكوده، امدرمان،
الثورة الحارة ٢٠- ١٤/ ٧/ ٢٠١٨

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً