مأزق الدولة السودانية وآفاق الحل .. بقلم: عثمان محمد صالح


osmanmsalih@hotmail.com

    لاسبيل لصيانة وحدة ماتبقى من حدود السودان القديم مادامت سلطة ” الانقاذ” قائمة فينا بمنهجها العقيم في معالجة ظاهرة التمرد المسلح في أطراف الدولة بأسلوب الترهيب والترغيب.

    هو سيناريو يعيد نفسه : تتناوش الجماعات المسلحة جيش الدولة، فيشن عليها الأخير حملات عسكرية، فينحصر السكان المدنيون العزل بين نيران الجيشين، فمنهم من يذهب ضحية للنيران، ومنهم من ينجو من الموت فيجد نفسه في أحد معسكرات النزوح. ثم يتدخل الوسطاء فتخمد النيران حينا ويبرم اتفاق للسلام يصير بموجبه قادة الجماعة المسلحة جزء من الصفوة الحاكمة.

    فمادام منهج السلطة هوهو: محاربة التمرد ثم مكافأة المتمردين من بعد حربهم بالوظائف المرموقة والامتيازات بدلا من النفاذ إلى أصل المشكل ومعالجة قضايا التنمية غير المتوازنة بين أقاليم السودان ومحاولة تجفيف منابع الفقر والبطالة واليأس وانسداد الأفق الذي يدفع الشباب للانخراط في صفوف المتمردين، فلن ينطفيء التمرد المسلح في الأطراف الا ليلتهب من جديد.

    ان الدولة في مأزق خوضها لحروب استنزاف متصلة ليس لها نهاية تشنها جماعات مسلحة لاتضع السلاح جانباً وتفاوض الحكومة الا وتحل محلها جماعة أخرى تشهر السلاح..إننا سائرون بخطى حثيثة باتجاه قيام أربع دويلات : دويلة للجنوب، ودويلة للنيل الأزرق، ودويلة لدارفور ، ودويلة لماتبقى من السودان تمتد من كردفان الى بورتسودان فوادي حلفا في أقصى الشمال في موضع السودان الحالي، هذا إذا أمكن تنجنب المصير الأسوأ من الانقسام وهو الانهيار الكامل للدولة. ولاسبيل لتجنّب الانهيار إلا بالتخلي عن الوحدة القائمة بين أجزاء السودان وهي وحدة هشة مفروضة وعرضة للتداعي، وقد بدأ بالفعل انفراط العقد بانفصال الجنوب.

    ليُترك لسكان المناطق المضطربة التي اشهر فيها سلاح التمرد على الدولة المركزية حقهم في الانفصال بسلام، فيرتب كل منفصل شئون بيته الخاص منفرداً بغير إحساس من وصاية أو تدخل أو إملاء من دولة مركزية أبتها الأنفس في الأطراف، وصار موظفوها رمزاً للاستعمار الداخلي، وجيشها كريهاً مقوتاً يُنظَرُ إليه كقوة أجنبية محتلة، وصار التجار الشماليون جلّابة يرمزون لمصاصي دماء. لقد ضاقت أطراف السودان ذرعاً بهذه الدولة المركزية، دولة الجباية والقمع الطبقي التي تهمل رعاياها إهمالاً، وتتركهم يغوصون في الفقر والاملاق، وتقمع طموحاتهم المشروعة في حياة أفضل قوامها الحرية والتقدم الاجتماعي.

    من الخير للجميع أن يُعجَّل بالفراق قبل أن تنحطّ الدولة إلى حالة حرب الكلّ ضد الكلّ فذاك درك ليس أسفله درك.فراق بالحسنى خير من طلب الإنفصال بالقوّة ووقوع مالايحمد عقباه.

    .لامناص من الاعتراف بأن صورة الشمال في الأطراف المضطربة قبيحة. ويصعب الدفاع عن صورتنا نحن الشماليين في نظر أهالي المناطق التي نكِبتْ في الماضي بجعلها مسارح وحشية لاصطياد البشر بغرض استرقاقهم، مانحن عند هؤلاء الناس سوى أغراب أشرار . لسنا في ذاكرتهم المشحونة بمشاهد ماض غارق في الظلمات سوى أنسال للزبير باشا أشهر تجار الرقيق في تلك الازمنة المظلمة، ازمنة حملات الرقيق. ومهما فعلنا نحن أبناء الأزمنة الحديثة، ومهما نطقنا فلسنا في نظر أولئك الناس إلّا ذرية للزبير باشا نحمل في جيناتنا لعنة الاضطهاد العرقي والديني. فمن العبث إذاً ان نردّد على أسماع من اصموا اذانهم عن قولنا وانغلقوا في ذكرياتهم ملتفين في صدفة الجراح النفسية التي ما ان توشك على الاندمال حتى ينكأها غلاة العنصريين في الشمال يطاعنون المجروحين بغليظ القول المحطّ بكرامة الانسان ، أقول لن يجدي والحال كماهو موصوف تتكرار ما ألقاه الشهيد عبد الخالق محجوب من درر الكلام الحكيم من على منصة مؤتمر المائدة المستديرة سنة 1965 الخاص بمشكلة الجنوب. فهم ليسوا بمصدقينا مهما أغلظنا لهم في الايمان طلباً للبراءة مما اقترفت يدا ذلك الجدّ خرب الدواخل الذي استعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.كانت تلك أزمنة قاتمة صيد فيها الناس صيد الوحوش منتزعين من بيئاتهم الطبيعية ومجرّدين من أكناف ذويهم سيقوا إلى مصير مجهول موسوم بالذلّ والهوان في شقاء العمل العبودي غير المأجور. (البروليتاريا هم عبيد الأزمنة الحديثة ورثة الأرقاء والأقنان. البروليتاريا عبيد الطبقة الرأسمالية لكنهم مأجورون). لن يصدقونا حتى لو قطّرنا العسل الشهد في أفواههم تقطيراً ذلك إنهم معتقلون في ذكريات الماضي الأسيف شأنهم شأن أولئك الشماليين المعتقلين في ذكريات سيادة غابرة ولّت. كلا الطرفين رجعي وسلفي لكونهما يشدّان قماشة التعايش بين الأعراق حتى تتهرّأ وتتمزق. وكلما سعى الوحدويون من الطرفين للفكاك من ربقة ذلك الماضي، و بذلوا من الجهد مافي وسعهم للانعتاق من سطوة أشباحه المرعبة والتطلّع بعيون صافية من الغبائن والضغائن والغطرسة والتعالي العِرقي والديني نحو مستقبل مشترك، قام الطرفان الرجعيان لعجزهما عن السير قدماً بتصفيد الجميع وسحبهم إلى غياهب الماضي.فأحد الطرفين مصاب بعمى الألوان لايبصر تنوع الشماليين الذين هم عنده جلابة وأحفاد للزبير، وبالمقابل فإن المنتفخي الأوداج بأبهة السيادة الزائفة من الشماليين مصابون بعصاب يُلمّ ببعض الرؤساء الذين يطاح بهم فلايريدون أن يتصالحوا مع حقائق الوضع الجديد، حيث ولّاهم الزمان ظهره وغذّ مبتعداً في المسير.

    برغم كل ماعانوه من ضيم وهوان وشقاء تنوء بحمله الجبال، إلا أن أرقاء السودان وأنسالهم كانوا أكرم وأنبل من سادتهم عندما نالوا أوراق الحرية إذ خلت قلوبهم من رغبات الانتقام. فلم أقرأ او أسمع عن أي محاولات إعتداء قام بها الأرقاء السابقون ضد سادتهم السابقين.

    ان قضية العبودية التي وسمت جزءً من تاريخنا هي الجرح المتقيّح في الأفئدة. ولهذا فلامناص للسلطة المنتخبة فيمابعد ذهاب” الانقاذ” من أن تتخذ حيال الأحياء من الأرقاء السابقين وذرياتهم إجراءين : أن تتقدّم لهم باعتذار عن كلّ مالحقهم في سنين العبودية. وأن تتكفل بمعاشهم وتعليم ذرياتهم مجاناً حتى المستوى الجامعي لمدّة ثلاثة أجيال متتالية (تسعون عاماً ) من تاريخ اعلان الاعتذار حتى ينفتح أمامهم سبيل الصعود الاجتماعي.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً