مأساة “دينكا نقوك” .. بقلم: منصور الصويم
22 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
صدمني التحقيق الصحفي الجرئ والمتميز الذي أجرته الزميلة أجوك عوض ونشر على صفحات صحيفتنا “الأخبار”، وتناول المآسي التي يواجهها أبناء “دينكا نقوك” الذين يفكرون بالسفر من منطقة أبيي إلى العاصمة الخرطوم، لدواعي العلاج أو التعليم أو غيرها من متطلبات الحياة.
فالقصص التي أوردها التحقيق تقدم وجها كالحا وغير إنساني بالمرة يطالعه أبناء دينكا نقوك بمجرد شروعهم في إجراءات السفر الأولية، فإلى جانب حالة الاستنزاف والابتزاز المالي التي تجابههم في كل مراحل الرحلة بكل تبدلاتها الدرامية المحزنة، فإنهم يواجهون أيضا معاملة أقل ما توصف به إنها استعلائية حادة العنصرية.
يكشف التحقيق عن وضعية ملتبسة وغير واضحة بالنسبة لـ “دينكا نقوك”، فهل هم مواطنون سودانيون؟ أم يعاملون معاملة الأجنبي؟ أم أن هناك اتفاقيات خاصة بين الدولتين – السودان وجنوب السودان- تحفظ لهم كرامتهم ويتحقق من خلالها التكييف القانوني لأوضاعهم ووجودوهم على الأرض؟
ولمن لم يقرأ تفاصيل هذه القضية المهمة أنقل له باختصار شديد بعضها حتى تتضح له الصورة تماما. التحقيق يشتغل على وجه من وجوه المعاناة التي تواجه دينكا نقوك، وهي السفر من أبيي إلى الخرطوم، وبلغة التحقيق نفسها فإن هذه الرحلة وبالطريقة التي تدار بها لا تختلف كثيرا عن أساليب “تهريب البشر” التي تحدث في ليبيا وغيرها من دول البحر المتوسط، فالاستغلال البشع، والمخاطرة بالنفس، والمعاملة اللانسانية، والخداع والمكر، بمثلما تطبق هناك – شريط الهجرة غير الشرعية – نجدها تطبق هنا، وبواسطة مواطنين سودانيين يمارسونها على مواطنين سودانيين أيضا تضرب جذورهم في هذه الأرض.
ولتقريب الصورة أنقل هذه الفقرة عن التحقيق على لسان إحدى الضحايا: “تم تهريبنا الى الفولة التي وصلناها الساعة الخامسة مساء وأدخلنا داخل “حوش” كبير وجدنا بداخله عدداً كبيراً من النساء والأطفال والشيوخ ينتمون لدينكا نقوك ولم نكن بحاجة وقت لنفهم بأن ذلك “الحوش” نقطة لتجميع من يودون السفر الى الخرطوم من “دينكا نقوك” توطئة لمواصلة عملية التهريب وعلى امتداد “الحوش” مستغل أسرَّة مفروشة ونساء يقمن بتقديم خدمات تجارية لمن يجلبهم تجار التهريب؛ استفهمناهم عن الخطوة التالية ومتى نتوجه الى الأبيض؟ أجابوا بأننا سنتوجه الى الأبيض في أي وقت، لأنهم قاموا باللازم واتصلوا للتو بصاحب العربة التي ستقلنا الى الأبيض وبالفعل وصلت العربات المعنية” بص بافلو وأتوس” في الثامنة مساء وقاموا بتسجيلنا وأخبرونا بأن تذكرة نقل الفرد الواحد (2,950) واستنكرنا ذلك المبلغ الكبير فأوضحوا لنا أن مبلغ الـ(ـ2000) جنيه عبارة عن رسوم نقل العربة ومبلغ الـ(950) جنيه عبارة عن رسوم البوابات التسعة التي سنمر بها في طريقنا”. هذا مع العلم أن الضحية كانت في طريقها إلى الخرطوم بهدف العلاج، وقد جمعت مبلغ تكاليف “علاجها” بصعوبة، إلا أنه ضاع بين أيدي سماسرة الترحيل وتجار البشر!
من الصور اللافتة أيضا التي وردت بالتحقيق ما ترويه ذات المرأة الضحية، وفيه تتكشف النظرة العنصرية العدائية التي يتعامل بها هؤلاء المجرمون مع البسطاء من أبناء دينكا نقوك، فبرفقة هذا المرأة كانت هناك امرأة أخرى تحمل طفلة صغيرة، لونها يختلف عن لون أمها، فخاطبهم الرجل المسؤول عن المسافرين بقوله: “سنعتمد تلك الطفلة ونسمح لكم بالسفر لأنها صفراء بدلًا عن تصريح العميد فرح” وأضاف “وإنتو البت دي جبتوها من وين؟ نسمح لكم بالسفر عشان البت بتنا وراجعة لينا”. والتصريح المذكور بين ثنايا هذا الخطاب العنصري البغيض يقصد به تصريح سفر يستخرجه أبناء دينكا نقوك من “لجنة المراقبة العسكرية المشتركة”، لكنهم يكتشفون لاحقا أنه بلا جدوى.
تنتهي رحلة الضحية أعلاه على مشارف أم درمان حين يتركهم سائق اللوري في مكان خلاء ويخبرهم أنهم وصلوا ولن يستطيع أن يقدم لهم شيئا آخر وليواجهوا مصيرهم، وهم مجموعة صغيرة من النساء وكبار السن.
mnsooyem@gmail.com