يكمن سر “غبينتنا” وجوهرها على كارل ماركس في ثلاث مقولات، أو قل ثلاثة ادعاءات تنطلق نيرانها من ثلاث جهات أو منصَّات، إحداها نيران عدوّة، والثانية نيران صديقة، والثالثة نيران تأتي من جهة محايدة ، لا ناقها لها ولا جمل في هذه الحرب الثنائية الأبعاد، ولكن حتى تكتمل سخرية التاريخ، لتصبح الصورة ثلاثية الأبعاد، كان لابد أن تنخرط الفرقة الثالثة المحايدة في هذه الحرب، بل وأن تكون أعنفها كثافة نيران على ماركس والماركسية.
وإذا أردنا أن نأخذ كل واحدة من هذه الفرق المتحالفة – مع اختلاف دوافع ومنطلقات كل واحدة منها عن الأخرى – فإننا سنعكس الترتيب الذي أوردناها به للتو. لنبدأ بـ”النيران المحايدة” أولاً، ثم بـ”النيران الصديقة” ونختم بالعدو/ الحقيقي الأصيل بالضرورة الحتمية و”نيرانه العدوة”.
وقبل أن نخوض في تفاصيل ما حدث لـ”شيطنة” كارل ماركس والشيوعية في العقل الجمعي، وليس العقل السياسي فقط، على يد الإسلام السياسي والقوى الامبريالية الغربية الأورأمريكي، دعنا نلقي نظرة خاطفة على اللوحة التاريخية العامة على المسارات التاريخية التي اتخذتها هذه العملية المعقدة.
باختصار – لا أعلم إلى أي مدى غير مخل – بدأت القصة قبل مائة عام من إطلاق المبادرة السرية من جانب المسئولين في حكومة ريجان الموجهة لآية الله الخميني في إيران، وبالتحديد في عام 1885م، وقبل قرن من إنفاق أمريكا مليارات الدولارات لدعم الجهاد الأفغاني بقيادة المجاهدين المتطرفين ضد الاتحاد السوفيتي السابق، حين التقى ناشط أفغاني إيراني في لندن مع المخابرات البريطانية والمسئولين في الخارجية لوضع فكرة مثيرة للجدل. تمثلت الفكرة في تساؤل الناشط عن مدى اهتمام بريطانيا بإقامة جامعة إسلامية تضم مصر وتركيا وإيران وأفغانستان ضد روسيا القيصرية. كان هذا هو عصر اللعبة الكبرى الي اتسم بالصراع الاستعماري الطويل بين روسيا وبريطانيا للسيطرة على وسط آسيا. وكان من اقترح فكرة الجامعة الإسلامية عام 1885 هو جمال الدين الأفغاني.
ومنذ سبعينات القرن التاسع عشر إلى تسعينياته أيدت المملكة المتحدة الأفغاني أو كما يوضح التاريخ على الأقل مرة واحدة في عام 1882م في الهند وفق ما جاء في السجل السري لمخابرات الحكومة الهندية فقد عرض الأفغاني رسميّاً أن يذهب إلى مصر في صورة عميل للمخابرات البريطانية.
وإذا اعتبرنا بناء على ذلك أن الأفغاني يُعتبر مؤسس الجامعة الإسلامية والجد الأعلى لأسامة بن لادن، ليس من الناحية الفعلية وإنما من الناحية الإيديولوجية. فإن الأمور سارت بعده على النحو التالي:
* الأفغاني (1838- 1897) يُلهم محمد عبده (1849 – 1905) وهو ناشط مصري يؤيد الجامعة الإسلامية وكان تلميذ الأفغاني الأول وساهم في نشر رسالته. وعبده يُلهم محمد رشيد رضا (1865 – 1935) وهو تلميذه السوري النجيب الذي انتقل إلى مصر وأسس مجلة “المنار” للدفاع عن أفكار محمد عبده في إنشاء الجامعة الإسلامية. وألهم رشيد رضا تلميذه حسن البنا (1906 – 1949) الذي تبنى السلفية الإسلامية من خلال مجلة “المنار” وأسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر في عام 1928. وتتلمذ العديدون على يد البنا ومن بينهم أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان وهي أول حزب سياسي اسلامي قام بناءاً على أفكار البنا. وأنشأ تلاميذ البنا الآخرون فروعاً للإخوان المسلمين في مختلف الدول العربية والأروربية والولايات المتحدة ذاتها.
وخلال الفترة التي امتدت لنصف قرن من 1875 وحتى 1925 تراصت لبنات بناء اليمين الاسلامي بمساعدة الإمبراطورية البريطانية. وأنشأ الأفغاني وتلميذه محمد عبده البناء الفكري للجامعة الإسلامية تحت رعاية بريطانية ودعم من المستشرقين البريطانيين أمثال (أي جي براون) الحركة السلفية بمساعدة القنصل المصري في لندن ولورد ايفلين بارينج واللورد كرومر.
(2)
وقد تلخص مشروع هذا التيار – على رغم ما يشتمل عليه من اختلافات بين تفرعاته الداخلية – في هدفين، يمثلان مرتكز الاتفاق بين فصائله المتنوعة:
* أن الإسلام هو الحل لتجاوز “الصدمة” الحضارية، أو “الجرح النرجسي” كما يفضِّل علي أومليل تسميتها، والتي كشفت عمق الهوة بين العالم الغربي والمجتمعات والدول العربية والإسلامية، سواء بتأثير من غزو نابليون بونابارت لمصر، أو بتأثير من الاتصال المباشر بالغرب في عقر داره على نحو ما نجد أثره في كتابات رفاعة الطهطاوي. ويرى هذا التيار بأن اللحاق بركب الحضارة التي تجاوزتنا عرباتها لن يكون إلا بـ”العودة إلى ما صلح به ماضي هذه الأمة”. ويظهر هنا الاختلاف بين من يرى بأن الابتعاد عن هذا الماضي هو سبب التخلف، وبين من يرى بأن المسلمين لهم قصب السبق وبأنهم هم رواد هذه الحضارة الغربية ذاتها، ولعل هذا ما دفع محمد عبده للقول بأنه وجد الإسلام في الغرب ولم يجد المسلمين ووجد في الشرق المسلمون ولم يجد الاسلام. وعلى كلٍّ يمكنك أن تتفهم دوافع وبواعث هذا الهروب من الواقع إلى فراديس الماضي.
إلا أن هذه المحاولات الاصلاحية، كما درج أغلب المؤرخون العرب على تسميتها، – وهي في حقيقتها كانت مجرد تساؤلات – أدت في نهاياتها إلى محطة البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر 1928 وانتشارها بدعم صريح من الانتداب البريطاني، والملك، والقوى الاقطاعية الرجعية، إلى جانب دور عدد من شيوخ الأزهر الموالين للملك والطبقة الحاكمة والانجليز، وفي مقدمتهم الشيخ محمد رشيد رضا الذي يعتبر الأب الروحي المؤسس لجماعة حسن البنا، وهو الذي قام بصياغة أهداف الجماعة التي تبناها حسن البنا آنذاك، وتتلخص في: العودة إلى أصول الإسلام الأولى، ومجابهة المد الوطني لحزب الوفد ومناهضة أفكاره الليبرالية، ومقاومة الفكر الشيوعي، ودعم شرعية الملك ومقاومة الفكر التنويري والديمقراطية وقطع كل محاولة للوصول إلى منابع الحضارة الحديثة.
* وهنا، يلتقي ويلتف حول هذا الهدف الأخير تحديداً، التيار السلفي، مع الأهداف الرأسمالية الامبريالية، في حلف تبلور هدفه المشترك، بين الحربين العالميتين، على محاربة الاشتراكية والفكر الماركسي كنقيض يهدد كامل المنظومة الرأسمالية فكرياً وسياسياً واجتماعياً، دولاً ومجتمعات وأفراد.
أصبحت الحرب “المقدسة” على ماركس والماركسية تأخذ طابعاً أكثر شراسة ووضوحاً بعد الحربين العالميتين، ثم أصبحت أكثر مباشرة ووقاحة في عريها أثناء الحرب الباردة، التي استمرت طيلة الفترة الزمنية بعد الحرب العالمية الثانية إلى التسعينات وسقوط الامبراطورية الحمراء وتفتت منظومة دول المحور الاشتراكي.
ومع البنا والإخوان المسلمين حدث تغير جوهري في المشهد الفكري والسياسي، تمثل أولاً في تفريغ الخطاب الديني الإسلامي من مضامينه الاصلاحية التي كانت تتحرك بقوة دفع أسئلة التنوير التي طرحها منذ القرن التاسع عشر “الشيخ” رفاعة الطهطاوي من موقعه الاجتماعي الثقافي. كما طرحها منذ أوائل القرن العشرين، بعض المثقفين العقلانيين العرب، الذين أدركوا أهمية استيعاب مفاهيم الحداثة والنهضة على طريق التحرر والديمقراطية، وقاموا بمراجعة الأفكار الرجعية السائدة آنذاك ، ومن ثم صياغة الأفكار والرؤى التنويرية الديمقراطية والعلمانية، الليبرالية والمادية، إلى جانب قيامهم بترجمة وتأليف العديد من الكتب التي قدمت أفكاراً فلسفية وتنويرية متميزة في تلك المرحلة من النهوض العربي التي امتدت منذ اواخر القرن التاسع عشر، حتى ثلاثينات القرن العشرين وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر 1928.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم