ماذا تعني لنا عشر سنوات من ميلاد الدولة  .. بقلم: ماد قبريال 

تساءلتُ كثيرا في الأسبوعين الأخيرين عن معاني الذكرى العاشرة، لنا كجيلٍ شهد لحظة الميلاد بعد مسيرة طويلة من النضال الوطني، امتدت لأكثر من قرنٍ من المقاومة الباسلة. إجابات عدة تَزَاحَمْت في ذهني وسط انشغالي بمواضيع بحثية، أعكف على إنجازها في القريب العاجل. ولكن، لأهمية هذه المناسبة، كان لابد لي من التعليق خصوصًا في ظل اختلاط الأمر للأجيال الناشئة، ومحاولة السلطة استغلال هذا الواقع، لِتَغْلِيب سرديتها على حقائق تاريخنا الحديث والمعاصر. الحقيقية المؤكدة أن نضالنا الوطني لم يبتدئ بميلاد التنظيم الحاكم في مايو من عام 83، كما يزعمون، بل الأصح هو أن التاريخ المشار إليه، كان استمرارًا لمحاولاتٍ سابقة جرت قبل هذا التاريخ. صحيح أن الحركة الشعبية قادت الشطر الأكبر منه – نحن بهذا الرأي لا نبخس من كفاحها – بل أننا نثمن تضحياتها، بيد أن واقع اليوم من بؤسٍ وشقاء، في ظل سيطرتها التامة على السلطة لأكثر من عقدٍ ونصف، يدعونا جميعًا إلى طرح التساؤلات، واحدة منها، ماذا تعني لنا عشر سنوات حكمها؟
عشر سنوات…. من الوحدة إلى التجزئة
كانت حرب ديسمبر 2013، قمة المأساة التي شهدتها بلادنا في تاريخها السياسي القصير. قُتل وعذب وطرد فيه الناس من ديارهم داخل الوطن وخارجه، لأسسٍ إثنية/ قبلية، نتيجة اختلاف قيادات الحزب الحاكم، وفشلهم في الارتقاء نحو تطلعات المرحلة، والتحوّل لحركةٍ سياسية تمارس الديمقراطية الداخلية، وتخضع للنقد البناءة من كواردها، على خلاف نهج إدارة حرب العصابات(Guerrilla warfare)، والتي تكون فيه الكلمة والهرمية العسكرية فوق الاعتبارات الديمقراطية. بعبارة أخرى، كان على أعضاء الحركة تطويرها لتخرج من عباءة “الزعيم المعصوم” من أي خطأ! أو التخلص من عادة الأعضاء (الصامتون) الذين لا رأي لهم سوى التوقيع على القرارات! بالتالي، لم تكن هذه الحرب بلا مقدمات سابقة، وإنما كانت الشواهد تدل على وقوعها قبل حدوثها بوقتٍ طويل.
كُتب كثير من المقالات والأبحاث والدراسات والتحليلات عن هذا الإخفاق، منذ اندلاع الحرب الأهلية، تباينت في طروحاتها وتفسيراتها للعجز الراهن، منها من أشار دون مواربة إلى عطب فكر النخبة الحاكمة، وعدم تعلّمها من أخطاء التجارب السابقة، إضافة إلى أخذ العبر مما شهدته الدول الأخرى، والقصد هنا الحالة الارتيرية – نموذج الأول لاستقلال الدولة في القارة ما بعد الكولونيالية – لما تطرحه من تشابهه كبير فيما آلت إليه الاستبداد في سياق ما بعد حرب التحرير. لا أقصد بهذه الإحالة مقارنة أسباب الأزمة في الدولتين، بقدر ما أسعى لتنويه القارئ إلى مسألة مركزية تحتل المشهد السياسي في العاصمتين، جوبا وأسمرا، وهي سيطرة خطاب الشرعية لقادة النظامين، للحد من أي مطالبٍ بالإصلاح والحرية والحوكمة الرشيدة للمؤسسات العامة. يلاحظ كذلك ميل قادة الدولتين للتغاضي عن الاعتراف بالأخطاء ولوم الآخرين – الهروب إلى الأمام – على سبيل المثال، اللقاء الأخير الذي بث على قناة كينيا TV، والذي أشار الرئيس إلى الأسباب التي أدت إلى الفشل الراهن، منها الحرب الأهلية، العقوبات، والنخبة المنافسة له، متجاوزًا النقد الذاتي. هذه المقارنة السريعة تلخص شيئًا واحدًا، هو غياب ثقافة الإقرار بالفشل، ورمي الآخرين بالتهم، دونما الاعتراف بخطل الممارسة، بشكل أو آخر. هذه الظاهرة تتكرر باستمرار عند قادة الحركات التحريرية، أطلق عليها البروفيسور كريستوفر كلافام بـ “لعنة التحرير”، كما عرضتها في مقالٍ سابق.
سردية الشرعية ….. نموذج خطاب “وُجدت لتبقى”
تقوم شرعية السلطة الراهنة على تمجيد سردية تاريخها النضالي، وهي تعني ذلك باختصارٍ شديد، تبرير الاستحواذ السلطة المادية وغير المادية، بالتالي لهم حق التصرف كما يشاؤون، بذريعة أنهم المحررين (The Liberator). إن مثل هذا الخطاب السائد لدى أنصار الحزب وقياداته يمكن تلمسه في التعبير المستخدم بأن الحركة الشعبية “وُجدت لتبقى”. نعم، يٌقَال هذا الخطاب في الفضاء العام، فضلا عن الفضاء الخاص بهم، التي تتردّد على ألسنتهم، وحواريهم، بل بلغ التباهي ببعضهم التفاخر بأنهم سيحكمون البلاد لمئة عامٍ قادمة! دون التأني في التفكير ولو قليلًا، والتساؤل عما سببه تحكمهم في السلطة، من عذباتٍ لعموم المواطنين والمواطنات، الذين تضرروا من وراء هذا الاستبداد.
لك أن تتخيل عزيزي القارئ هذه السطور، خطل هذا النوع من التفكير، وماذا يعنيه من خرابِ بلادنا، لمئة عامٍ أخرى في حال استمرار مثل هذه العقلية الفقيرة مَعْرِفِيًّا وَإِدْرَاكِيًّا. لا أدري من أين يتملكون مثل هذه الشجاعة في التبجح بالفشل، هل هو الولاء التنظيمي الذي يعمي التفكير الناقد، أم هي من باب أهواء المصلحة الذاتية، أو هي في الأساس حالة نفسية للذين يقفون بتفكيرهم عند عتبة الماضي، دون القدرة على رؤية المثالية، وتجاوز حالة النوستالجيا هذه، والدعوة للتفكير النقدي وللتأمل في تجربتنا الوطنية التي لا تسر سوى المنتفعين.
ما أود الإشارة إليه بشكل صريح، هو أننا يجب أن نبتعد عن النظرة التمجيدية المثالية التي يراد لنا أن نحفظها وننشدها عن ظهر قلبٍ، فهي ليست الحقيقة المطلقة، فعشر سنوات من السلطة، وقبلها خمس سنوات انتقالية، كفيلة بتقييم ونقد وتجريم تجربة النظام.
في معنى السيادة (Sovereignty) وحدود المسؤولية
إن مفهوم السيادة الذي يصدع به مناصري النظام رؤوسنا به، لم يعد هو ذلك المفهوم الذي نادي به الفيلسوف الفرنسي جان بودان – أحد أبرز مفكري عصر النهضة الأوروبي- بأن السيادة تعني “السلطة العليا التي يخضع لها جميع الرعايا وجميع المواطنين ولا تتقيد بالقوانين”. في معناه أن السيادة تقع تحت مشيئة الحاكم وحده الذي يملك هذا الحق. وهو المفهوم الذي اكتسب موقعا متقدمًا في السياسة الدولية، منذ نشوء الدولة الحديثة، حيث صارت الدول والحكومات تضع مسألة السيادة كَخَطّ أحمر في كثير من سياساتها الداخلية والخارجية، ليستمر بذلك الجدل حول ماهية هذه السيادة، وما هي حدودها، وهل السيادة في ممارستها تكون مطلقة أم يتقد الحكام بحدود معلومة ومرسومة لا يمكنهم تجاوزها. عمومًا ما يزال الجدل مستمرا حتى وقتنا هذا، حيث يثأر الجدل مجددًا وتكرارًا، عند مفكري العلوم السياسية وفقهاء القانون الدولي والدستوري وناشطي حقوق الإنسان.
نقول لهؤلاء بأن هذا التعريف المبسط للسيادة، قد، عفا الدهر عليه، فلسنا في أزمان الآراء التي كانت تؤيد سابقًا، نظرية الحق الإلهي أو السلطة المطلقة سواء للحاكم أو الكنسية في تلك المرحلة التاريخية من الفكر والتجربة الأوروبية، أو في عهود الملكيات والإمبراطوريات والإقطاع. بل أضحت المطالبة بتقييد معنى السيادة بربطه بالمسؤولية، مطلبا عالميا، بغض النظر عن مراميه، إن الحكام والحكومات ما عادت كسلطة مطلقة في عالم اليوم، بل هي مقيدة بشروط وواجبات، وإذا فشلت في تحقيق التزاماتها جاز للمجتمع الدولي التدخل لإنهاء الانتهاكات ضد المواطنين، في إطار ما يُعرف بمسؤولية الحماية (Responsibility to protect)، والتي ينص على أن مفهوم السيادة ليست حَقًا مطلقًا، وإنما تتبعه واجبات والتزامات تقع على عاتق الدولة، وفي حال فشل الأخيرة عن القيام بهذه المسؤولية، على المجتمع الدولي تخطى سيادة الدولة المعنية وفشلها من حماية المدنيين أو امتناعها عن قصد، مثلما جرى في الحالة الليبية 2011 بتدخل حلف الناتو والحلفاء تحت مبدأ مسؤولية الحماية، وهي الحالة الأولى بعد إقرار هذا المبدأ عام 2005، الذي إعادة تعريف السيادة.
عليه، لا معنى من سيادة جوفاء وغالبية مواطني البلاد يرزحون تحت خط الفقر، ويعتمدون على المنظمات الدولية والإنسانية في تلقي المساعدات الإغاثية أو في الحصول على الوظائف التي أضحت موضع صراعات قبلية وعشائرية بدعم خفي من ذات السلطة الفاسدة! إن السيادة الحقيقية في معنى السيادة اليوم، تتمثل في التزام الحكومة بواجباتها تجاه مواطنيها، وليس اختزالها في مراسم بروتوكولية لا تفيد شعبنا في شيء.
الدروس والعبر
كانت لحظة الميلاد شبيه بأساطير التاريخ، كأي حلمٍ ينظر إليه بإعجاب، ولكن بعد عشر سنوات، لم يعد هذا الحلم ممكنًا، بالعكس، أضحى كابوسًا يطارد الأحياء والأموات، والقلة التي ما تزال تتمسك بمبادئ النضال. ذكرت في مواضع كثيرة، بأن بداية انهيار الحلم، حدثت عندما بدا وأد مخرجات مؤتمر كل الأحزاب الذي انتظمت فيه القوى السياسية في عام 2010، للتمهيد لمرحلة ما بعد الاستفتاء، ومحاولة خلق إجماعٍ وطنيًا حِزْبِيًّا وَشَعْبِيًّا، وقيادة وطن لا يُظلم أو يُقتل فيه أحد بناءً على سحنته أو جنسه أو قبيلته. هذا الحلم الذي داعب مخيلتنا منذ بزوغ بذرة الوعي القومي في الثلث الأخير من القرن العشرين، وصولا إلى لحظة الانعتاق بميلاد الدولة بعد نصف قرن من النضال السلمي والمسلح. أما السانحة الثانية فكانت في اتفاقية سلام أغسطس 2015، والتي تم أفشالها أيضًا بتواطؤ شهده الكل. بيد أن ذات النخبة ما تزال تستعمل نفس النهج القديم، وإضاعة بنود الإصلاح الواردة في اتفاقية سلام سبتمبر 2018، دون امتلاك إرادة حقيقية للتغيير.
لا نطلق أحكامًا من أجل لا شيء أو نتاج موقف مسبقا لنا، بل، نطلق من أرضية نقدية هي ذات الأرضية التي كنا ننتقد بها الحكومات الوطنية التي تعاقبت على السلطة المركزية أو الإقليمية في السودان الكبير (القديم)، يوم كنا نقول الحقائق كما هي، قبل أن يصاب بعضها بأمراض السلطة وهوس الجاه وعوالم الماديات، مقابل الصمت الأبدي، بل أن بعض مدعي الاستنارة لبيع الأوهام للمستضعفين من أبناء وبنات بلادنا، فيما هم منشغلين بتقاسم الموائد، وللأسف، لا يبتعدون كثيرا عمن حاربوهم في الماضي!
قضايا المصالحة والعدالة الانتقالية
في وقتٍ سابق، قال وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة الانتقالية في أعقاب جلسة روتينية لمجلس الوزراء بأن الحكومة قررت إنشاء المحكمة الهجينة (Hybrid Court) تنفيذا لبند العدالة الانتقالية والمصالحة المنصوصة عليها في الفصل الخامس من اتفاقية السلام المنشطة سبتمبر 2018. مؤكدًا بإن الهدف من هذا القرار هو إعمال مبدأ القانون بغرض محاكمة الأشخاص الذين تورطوا في ارتكاب جرائم حربٍ وانتهاكات ضد حقوق الإنسان خلال المواجهات العسكرية التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر 2013.
.
لم يقدم الوزير في التصريح المذكور، أي تفاصيل أخرى عن مساعي حكومته في تطبيق بنود المصالحة الوطنية، كما لم يحدد أي سقفٍ زمني لإنفاذ تعهداتها. في الواقع، نقول إن القرار في حد ذاته يعد انتصارًا لضحايا الحرب وذويهم من الآسر التي فقدت كل شيء. غير أن جدية الحكومة في هذا الشأن محل تساؤل، لعلمنا بخطوات عديدة قامت بها الحكومة لعرقلة الاتحاد الافريقي من إنشاء المحكمة المختلطة للنظر في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد. وسبق للحكومة ذاتها دفع مبالغ مالية لشركات علاقات عامة أمريكية لحث دوائر القرار في واشنطن استبعاد هذا البند من التنفيذ.
يشير هذا إلى أن تصريح الناطق الرسمي ما هو سوى حيلة جديدة، تضاف إلى سابقاتها للمحاولة استجداء المجتمع المحلي والدولي لدعمهم، وبالفعل جد الإعلان الحكومي ترحيبًا محليًا ودوليًا، إذ صدرت عدة بيانات مشيدة لهذا الاتجاه. لابد للقول هنا، بأن عملية المصالحة والعدالة الانتقالية، يجب ألا تخضع للمناورات السياسية الضيقة، لأنها إن خضعت لها، لم تؤدى حتمًا مراميها، برتق النسيج الاجتماعي الوطني، بل ستكون نتائجها مثل مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، أَثَراً بَعدَ عَيِن. غنى عن القول، أننا فعلا بحاجة إلى المصالحة والعدالة من أجل تعافي الوطن. ولكن عن أي مصالحة وأي عدالة نتحدث، هذا هو سؤال المليون دولار.
m.gatwech55@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً