مناظير الجمعة 9 اكتوبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- “من الخطأ فهم تصريحات السياسيين من كلماتها الظاهرة”، كما يُمكن ان نفهم من كتاب «لعبة الأمم» لمايلز كوبلاند، أحد الأعضاء المؤسسين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأبرز رجالها الذين عملوا في الشرق الأوسط.
- يتناول كوبلاند في الكتاب السياسة الدولية باعتبارها شبكة من المصالح والرسائل والحسابات، وليس مجرد تصريحات رسمية، ولذلك لا يكفي أن نقرأ او نسمع ما تقوله الحكومات لفهم المقصود من الحديث، وإنما ينبغي النظر إلى التوقيت، والظروف، ومناسبة الحديث والجهة أو الجهات المستهدفة به.
- إستعدت ما قرأته في “لعبة الأمم” وأنا أتابع زيارة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، لمدينة العلمين المصرية، ومشاركته في مأدبة غداء أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكان البرهان حاضرا فيها، وقالت بعض أجهزة الاعلام إنهما عقدا اجتماعا بشأن السودان، إلا أن مصادر سودانية نفت حدوث الاجتماع، قالت إن وجودهما في مأدبة واحدة لا يعني أنهما إلتقيا أو تحدثا مباشرة.
- السؤال الذي خطر ببالي بعد هذا النفى: لماذا جاء بولس إلى مصر، هل جاء لتناول الغداء، لحدوث مجاعة في الولايات المتحدة حتى يقطع كل هذه المسافة من واشنطن ليتغدى في العلمين، أم انه يعشق الأكل المصري؟!
- من المرجح أن بولس سافر الى مصر لمناقشة ملف السودان والاجتماع بالبرهان، خاصة مع الضغط الشديد الذي تمارسه الولايات المتحدة هذه الايام من أجل وقف الحرب والانتقال إلى مسار سياسي، وليس مُهما مكان الاجتماع، سواء في غرفة قصية أو في إطار حفل الغداء الذي أقامه السيسي.
- لم تكتفِ السلطة الانقلابية بنفى حدوث اللقاء فقط، بل اعلن البرهان بعد عودته الى السودان أن الحرب لن تتوقف إلا بالقضاء على الدعم السريع، وهو ما نفس ما اعلنه بعد زيارات سابقة للقاهرة. حدث ذلك في أغسطس 2023 في أول زيارة خارجية له بعد اندلاع الحرب، ثم في نوفمبر 2024 ، عندما قال انه يتوقع انتهاء الحرب في وقت قريب على أيدي الشعب السوداني والقوات المسلحة.
- كما انه ادلى بتصريحات مشابهة بعد زيارة الى السعودية في يوليو 2024 وفي مارس 2025 ، قال فيها أن الحرب لن تنتهي قبل القضاء على الدعم السريع في كل أنحاء السودان، وهو ما يدعونا للتساؤل: لماذا كلما ذهب البرهان الى القاهرة والسعودية عاد أكثر إصرارا على مواصلة الحرب ؟!
- لا يعني ذلك أن مصر والسعودية تحرضان البرهان على مواصلة الحرب، فالبيانات الرسمية للدولتين تقول العكس، ولكن ماذا يُقال للبرهان في اللقاءات المغلقة، وهل تختلف الرسائل التي يسمعها عن التصريحات التي تعلنها الحكومات، وهل يحصل على تقديرات أو ضمانات أو مواقف لا تظهر في البيانات الرسمية، فيأتي الى السودان مشحونا بما سمعه ويعلن استمرار الحرب؟!
- لا نملك بالطبع إجابات مؤكدة عما يدور في الغرف المغلقة، ولكن هنالك تسلسل في اللقاءات والتصريحات والمواقف، ولدينا الآن مسعد بولس في العلمين، والبرهان إلى جواره، ثم نفي سوداني لاجتماعهما!
- لماذا هذا النفى، هل هو خوف مِن الذين يأمرون ويحرضون البرهان على الحرب، سواء كانوا الكيزان أو حلفاء الخارج، أم ان البرهان يحس بالحرج من اعلان لقائه ببولس بعد الطعنة الامريكية القاتلة بمنعه من دخول الولايات المتحدة، أم أن “لعبة الأمم” تحتم علينا عدم فهم التصريحات من مظهرها الخارجي لسبب لا نعرف ما هو حتى الآن ؟!
