نزار عثمان السمندل
مدينة تتآكل من أطرافها كلما طال الغياب. بيوت صامتة تحمل أسماء أصحابها، ثم تستيقظ على أسماء أخرى كُتبت بحبرٍ مريب. هكذا يعود السودانيون إلى عواصم ومدن تغيّرت خرائطها الاجتماعية من دون أن تتبدل شوارعها. كابوس يتسلل إلى الغائبين قبل العائدين: منزل تركوه على عجل صار فجأة غنيمة في سوق خفي، تُدار فيه الصفقات بأوراق تشبه الحقيقة وتخونها في التفاصيل.
سنوات الحرب لم تكتفِ بإزاحة البشر، فقد عبثت بذاكرة المكان أيضا. سجلات الأراضي، تلك التي تحفظ نسب الملكية كما تحفظ العائلات أنسابها، احترقت أو تلاشت في بعض المكاتب. فراغٌ إداري تمدد سريعاً، فدخلت منه شبكات تتقن فن التزوير، وتعرف كيف تصوغ وثيقة تمنح الوهم صفة القانون. تحت ضجيج المعارك، نشأت سوق موازية تُباع فيها البيوت كما تُباع السلع المنهوبة.
حكايات العائدين تتشابه حدّ القسوة. بابٌ يُفتح فيجد صاحبه وجهاً غريباً يعلن ملكيته، أو عقداً جديداً يحمل توقيعاً لم يُكتب. أوراق اختفت مع نهب المحتويات، ثم عادت في هيئة مستندات تُستخدم لإتمام بيعٍ كامل. مع كل قصة، يتكرّس شعور بأن الملكية لم تعد حقاً مستقراً، وإنما احتمالاً معلقاً على مزاج الفوضى.
شبكات التزوير لم تولد من فراغ. سماسرة، ومحامون، ووسطاء يجيدون التسلل في الثغرات، التقت مصالحهم في لحظة انهيار الدولة. التوكيلات القانونية تحولت إلى أداة حادة؛ وثيقة واحدة قادرة على نقل ملكية كاملة إذا ما صيغت بمهارة.
غياب التدقيق في الهوية، وانعدام البصمة البيومترية، يمنحان المحتال مساحة واسعة للمناورة. وفي الخلفية، جهاز إداري مثقل بالورق، بطيء في الحركة، عاجز عن اللحاق بإيقاع الجريمة.
القانون نفسه يدخل الامتحان مثقلاً بتاريخه. نظام الأراضي في السودان يقوم على تدرجات بين المسجل وغير المسجل، بين الحيازة التقليدية وملكية الدولة. هذه الطبقات، التي كانت قابلة للإدارة في زمن الاستقرار، تحولت إلى حقل ألغام مع تفكك المؤسسات. عقود متعددة لقطعة أرض واحدة، شهود غابوا أو رحلوا، أرشيف تلاشى، ومحاكم تنتظر زمناً طويلاً لتقول كلمتها.
أفق ما بعد الحرب لا يبدو أقل تعقيداً. موجة نزاعات قضائية تلوح، قادرة على استنزاف سنوات طويلة. إعادة الإعمار تحتاج وضوح الملكية، والاستثمار يبحث عن أرض لا ينازعها أحد. في غياب ذلك، يتباطأ التعافي، ويظل الاقتصاد أسير نزاعات لا تنتهي.
أزمة الأراضي تتجاوز كونها ملفاً عقارياً؛ تمس فكرة الدولة نفسها، وقدرتها على حماية حق أساسي هو الملكية.
الجذور أعمق من مشهد الحرب الراهن. منذ انقلاب 1989 وصعود نظام الطاغية البشير، تغيّرت نظرة السلطة إلى الأرض. تحوّلت من خدمة إلى سلعة نادرة، ودخلت رؤوس أموال ضخمة إلى هذا السوق، فارتفعت الأسعار وتبدلت القيم.
مع الزمن، تسللت أموال مشبوهة، ونشأت شبكات تستثمر في الفوضى والفساد. ما يحدث اليوم يبدو امتداداً لذلك المسار، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد، وتُعاد صياغة الملكية وفق ميزان القوة لا وفق نص القانون.
الفساد الإداري يضيف مستوى آخر من التعقيد. قطاع الأراضي صار مصدراً سريعاً للثراء، ومع عودة عناصر مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع مؤثرة، تمددت ممارسات قديمة بثوب جديد. بين موظف يقبل رشوة، ووسيط يسهل معاملة، تضيع الحدود بين الخطأ والجريمة، وتصبح الدولة جزءاً من المشكلة التي يُفترض أن تعالجها.
استعادة الحقوق تظل ممكنة على الورق. مسار طويل يبدأ بإثبات الملكية عبر أي دليل متاح: صورة قديمة، إيصال، شهادة جار. ثم قرار قضائي يمنع التصرف بالعقار، قبل الدخول في معركة قد تمتد سنوات. الزمن يعمل هناك لصالح المعتدي، الذي قد يعيد بيع العقار أو يغيّر وضعه القانوني، بينما ينتظر المالك الأصلي حكم العدالة.
الحلول المطروحة تدور حول إعادة بناء الثقة قبل إعادة بناء الجدران. رقمنة السجل العقاري، إنشاء محاكم متخصصة، لجان تسوية تجمع بين القانون والأعراف، وتجميد مؤقت لعمليات البيع حتى تتضح الصورة.
خطوات تبدو بديهية، لكنها تحتاج إرادة سياسية وقدرة تنفيذية في بلد أنهكته الحرب.
مشهد البيوت المنهوبة لا يختصر المأساة. خلف كل باب قصة عائلة، وذاكرة مدينة، وفكرة وطن تتآكل كلما عجز أبناؤه عن إثبات أن ما يملكونه كان يوماً لهم.
هنا، لا تُختبر العدالة في نصوصها، وإنما في قدرتها على انتزاع الحق من بين أنياب الفوضى. فإن عجزت، لم تضِع البيوت وحدها… بل ضاع معها المعنى الأخير للدولة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم