بكل ما جاء في خطاب رئيس الوزراء الحكومة الانتقالية الثلاثاء الماضي الدكتور عبد الله حمدوك أو بما أسماه بالمبادرة أو (آلية حماية الانتقال) من معالجات مقترحة لحل مشكلات البلاد بعد أن تفاقمت أزماتها وتداعت أحداثها السياسية، وازدادت مهدداتها الأمنية، إلا أن لعباراته المستغيثة في خطابه بأن حجم المشكلات ومهدداتها يتجاوز كل الملفات وتحدياتها، فقد حذر من حجم خطورتها التي ستعصف – ما لم يتدارك الأمر- بالسودان بين أن يكون أولا يكون! وللمفارقة تحملنا هذه العبارة نفسها والموقف الذي يبعث على التشاؤم إلى التعبير الشهير في رائعة الكاتب الإنكليزي وليم شكسبير على لسان هاملت في مناجاة الشعرية المأثورة (To be or to be, that is the question) نكون أولا نكون، ذلك هو السؤال، أو تلك هي المسألة على تفاوت ترجمات المقطع إلى العربية. وبعيداً عن عوالم شكسبير وتراجيدياته المسرحية في القرن السابع عشر نعود إلى مأساة وطن في القرن الحادي والعشرين بين ان يكون أو لا يكون وليس ذلك هو السؤال وإنما الخوف من السؤال نفسه، ولم يتعمد رئيس الوزراء وليس وارداً ظناً يكون قد استلهم مستشهداً بالمقطع الشعري وهو الاقتصادي المخطط وليس السياسي الذي لم يؤثر عنه الاستشهاد أو الاقتباس في خطبه بأي لغة مما يجيد ويتحدث.
وعلى اية حال، فإن رئيس الوزراء قد قدَّم مبادرته (مرافعته) على نحو عبرت عنه نبرته الجادة على غير المعتاد منه مما يعكس هول الأمر وما وصل إليه حال البلاد بعد عامين من ثورة ديسمبر تحت قيادة حكومية انتقالية تخلَّقت مكوناتها الحاكمة من هجين مدني وعسكري وشبه عسكري حملت معها بذور شقاقها إن لم يكن فناءها بشكل لا قد يثير عجباً فيما افرزته من نتائج على أرض الواقع قياساً على مبدأ منطقي بسيط النتائج مرهونة بالمقدمات. أو كما قال في معرض حديثه أفرزت انتقالاً معقدا ولم تستطع حكومته مواجهة ما يتعلق بمحاكمة فلول النظام السابق بصورة عادلة، وتفكيك نظام الإنقاذ كما ينبغي، ومحاكمة رموزه مما فصله في محور العدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب وهو ملف شائك لكنه على ما يبدو لا يحتمل جر الشوك على تعبير الأمام الراحل الصادق المهدي!
خاطب حمدوك محذراً جماهير الشعب السوداني بما أسماه من مخاطر تهدد وحدة البلاد، وهي في مجملها مهددات لم تأتِ من الخارج بل كما أشار بنص خطابه إلى عوامل داخلية في التشظي والتناحر بين الأحزاب السياسية ومكوناتها شبه السياسية مما كاد أن ينحرف بالثورة عن أهدافها فيما نادت به من شعارات في الحرية والسلام والعدالة. وكانت الإشارة مسددة بوضوح إلى مراكز الصراع حيث المكون العسكري (المنتفد) والمدني (الخاضع) ومن ورائه تجمع المهنيين وهي شراكة كما صورها حمدوك تقدم نموذجاُ فريداً في الديمقراطية للعالم، وهو يعلم أن المكون القابض متجذر بعمق في تربة النظام البائد، وجزء منه يستميت في استعادة نموذج ما نعرفه من ديمقراطية! وبالطبع لم تكن أولوية المشكلات الاقتصادية ومعاناة المواطنين في المعاش تغيب سواء بالإشارة أو الأرقام التي عادة لا تعكس واقع الحال على أرض الواقع كما يقال، كما لم تغن الأرقام ولا تحليلاتها من ضائقة العيش شيئا طوال عمر الحلول الاقتصادية. وما أنجزته – حكومته- من رفع للعقوبات والعودة إلى مسارات العلاقات الدولية كلها لم تنعكس خيراً عميماً كما يؤمل الناس في واقع حياتهم المعيشي. وقد استندت مبادرته كما فصل حمدوك في خطابه على دعوة كافة قطاعات الشعب السوداني بالتوافق على اجماع حول محاور مبادرته، وقطاعات الشعب بالتعبير السياسي تعني من يمثلون بالحق أو الباطل قطاعات الشعب المغيبة.
ومما يلحظ في مبادرة دولة رئيس الوزراء قد عزى الإخفاق والتقصير إلى أداء حكومته وعجزها عن إدارة الدولة قبل شعارات الثورة، وأشار إلى تداخلات السلطات وتعدد مراكز القرار خاصة في السياسة الخارجية وكلها أمور تدخل في باب غياب هيبة الدولة. والشاهد أن الواقع الذي يعقب ثورات السودان الشعبية تتسم عادة بهذه الهشاشة ومن ثم يقفز من يقفز على ظهر دبابات الانقلابات ويتلو بيانها الأول الذي يتضمن أول ما يتضمن غياب هيبة الدولة وسلطة القانون.
وتجيء هذه المبادرة التي يرى اغلب المراقبين بتأخرها في التوقيت وقد وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه، ولكن أن تأتي هذه المبادرة (التحذيرية) أي يكن توقيتها، فإن قراءتها قياساً على واقع الحال ومسار الأمور وتدبير شئون السياسية في تاريخ البلاد لا يعني إلا واحداً من أثنين فأما أن نشهد تحولاً نحو بناء وطني طموح وفقاً لرؤية المبادرة، وأما اعترافاً بفشل سياسي واقتصادي شامل يبرر لما يكون عليه الشأن في مرحلة قادمة انقلابا أو تغييرا أو ثورة أو أي من مسميات تغيير أنظمة الحكم السياسية السودانية. وقد خلصت المبادرة إلى محاور تفتح الباب واسعاً كما يرغب رئيس الوزراء لتشمل عموميات الخطاب السياسي وإن شُّدَّد عليها لتكون محور يلزم (إنقاذ) الوطن بالتوافق حولها لمزيد من المشاورات.
ومحاور المبادرة لا تمثل حلولاً أو خطة عمل تتضح معالمها بما يمكن أن يترجم تطبيقاً على برامج محددة وإنما جاءت صياغتها على طريقة خارطة الطريق Roadmap يتعذر التوافق حولها ليس من باب التشاؤم ولكن لتداخلها المقعد مع محاور أخرى فاعلة في الساحة الداخلية والخارجية تعيق أي محاولة للإصلاح. فإذا كانت تفاصيل المبادرة قد تضمنت ما أعلنته المبادرة من محاور: توحيد الكتلة السياسية، واصطلاح القطاع الأمني والعسكري، وتوحيد مراكز القرار في السياسة الخارجية، اتفاق السلام الشامل، وتحدي الترتيبات الأمنية، وقضية العدالة وعدم الإفلات من العقاب، العدالة الانتقالية، والتوافق على البرامج الاقتصادية، تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، تكوين المجلس التشريعي الانتقالي بأعجل ما يمكن، فإن هذه المحاور عينها هي التحديات العالقة وتتفاوت درجة أهميتها في سلم أولويات الدولة والمواطن ما بين برامج المعالجات الاقتصادية كأولوية قصوى وتحقيق عدالة انتقالية تتصل ملفاتها بضحايا ومطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية و كلها مسارات تترصدها تحركات أطراف ذات مصلحة في الداخل والخارج.
وبدا من طرح المبادرة بهذه التفاصيل بأن كل التحوطات التي ابداها رئيس الوزراء لحماية المرحلة الانتقالية سابقاً بما فيها طلبه إلى الأمم المتحدة من أجل الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس، ما بات يعرف بالبعثة الأممية في السودان (اليونيتامس). وغيرها من تدابير داخلية لم تفلح في خلق استقرار منشود أو سلام مأمول تجنباً لانهيار وشيك ولكن يبدوا أن سياسينا وصانعي القرار لدينا لا سيتبنون النصح إلا في ضحى الغد. فالمخاطر المحدقة كما درجنا في التعبير ليست كوارث طبيعية تصعب على أجهزة الرصد التبوء بمواقيت انفجارها لبعدها عن مراكز الرصد؛ ولكن في عناد اشخاص تلهيهم المماحكات السياسية بما اصابهم من تصلب في الفهم ومجافاة لحقائق الواقع ومؤشرات التحليل ورجاحة العقل والحس الوجداني، وفقر في الخيال السياسي. فالعبور الذي لطالما بشر به رئيس الوزراء انتهى الى قراءة مبهمة لطالع مستقبل مرغوب أكثر منه مشروع مخطط له. فمتى تداعى من دعوا إلى المشاركة في تفعيل بنود المبادرة يصبح التوافق ممكناً ومن ثَّم سيكون السودان الوطن الواحد ما قد كان وما سيكون، على قول شاعر الشعب الراحل محجوب شريف.
anassira@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم