محلية الخرطوم وحكم القانون .. بقلم: د. حيدر ابراهيم علي

ssc_sudan@yahoo.com

اقتحم مكتبي صباح الاثنين الماضي شخص متجهم وخلفه شابان، وبادر أحد الضيوف الجالسين معي بالسؤال:- انت مدير المركز؟ فسارعت بالقول:- لا أنا المدير. فنظر الي الشابين ،وخاطبني:- عندنا أمر قبض ليك انت. وسألت:- خير،ما الجريمة؟ فرد قائلا:- عدم دفع رسوم الخدمات. وجاءت الي ذهني مباشرة رواية فرانز كافكا "المحاكمة". ففي الرواية يستيقظ"جوزيف ك." من نومه وقبل أن يبدأ في طقوس الصباح يدخل عليع شخصان ليقولا له أنه مطلوب للتحقيق.ويذهبان به الي غرفة مجاورة،حيث يجد شخصا يعرف أنه المتحري،ويقول له :أنه فعلا متهم وعليه أن يحضر الي المحكمة كل يوم أحد أي يوم عطلته. ويظل يحضر كل يوم أحد دون أن يعرف جريمته ،بل في البداية لم يكن يعرف موقع المحكمة.ثم كانت مشكلته بعد ذلك أنه ظل يتوه في ردهات المحكمة كل مرة وكأنها المرة الاولي.وهكذا تستمر الرواية في جو كابوسي محير،وذلك ببساطة لان القانون خفي ولا يعرفه أحد.وحمدت للانقاذ عبقريتها في انجازات القمع والاذلال بحيث يمكن ان ندخل السجن عشوائيا ولاسباب غير سياسية.ولكن النظام يحكم بقانون غياب القانون.ويتحول المواطن – كما سوف ابين لاحقا –مجرد رقم أو كائن غامض غير محدد.

كان الشخص المتجهم موظف يمثل المحلية يحمل أمر قبض مكتوب عليه: مركز الدراسات السودانية. واعطيته العذر علي اساس أنه ممثل هذه الشخصية الاعتبارية.ولكن لم أقف امام محكمة أو متحر قبل هذه اللحظة السابقة لأمر القبض ،وهذا الموظف المشتكي والمكلف بالتنفيذ لا يعرفني ولم يخاصمني امام متحر أو قاض،والدليل علي ذلك أنه سأل احد الضيوف هل هو مدير المركز؟.وما ادهشني اكثر ان الامر يحمل توقيع المتحري ووكيل النيابة(احتفظ بالاسمين لاجراءات اخري).فالمتحري لم ير أي مخالفة في "التحري" مع المدعي بدون متهم.وهكذا يعطي موظف المحلية سلطات تفوق صلاحيات المدعي العام في محكمة عسكرية غير قابلة للاستئناف، خاصة وأن  وكيل النيابة اصدر امر القبض بناءا علي بينات أومعلومات ادلي بها الموظف.ووكيل النيابة لم يوجه الامر باسم محدد.وحين قلت هذه النقطة للموظف والشرطيين، قالوا : الاسم غير مهم في امر القبض لان القبض يكون عن طريق الارشاد أي أن الموظف يشير الي الشخص الذي يقصده وهم ينفذون!وكان يمكن القبض علي الضيف لو  حاولنا ان نمزح ونقول له أنه مدير المركز.حقيقة لا ادري ما هو القانون أو ألامر المؤقت الذي يفوض موظف عادي كل هذه السلطات المطلقة؟ مثل هذا لا يحدث في دولة القانون والتي يهمها عدم ظلم المواطن واحترام انسانيته وصون حقوقه الاولية،والأهم من كل ذلك حفظ المعادلة بين الحقوق والواجبات.ولكن نعيش تحت ظل نظام قمعي يهمه اذلال مواطنيه لكي يضمن الخضوع وليس الاحترام والرضى.لذلك يوزع وسائل القمع والاذلال علي كثير من المؤسسات والمصالح الحكومية.فنظام المحاكم الخاصة لا معني لها في أي نظام قضائي متقدم وعادل لان في ذلك اخلال بهيبة وقيمة العدالة.

رغم كل الانتهاكات التي سببها سلوك محلية الخرطوم،قمت بدفع ما تمناه الموظف ومحليته،كاملا دون أي تفاوض لاحتفظ بحقي في كتابة هذا المقال ولكي أقوم بمقاضاة المحلية لو وجد في الدستور أو القانون سبيل لذلك. وفي نفس قلت:- أمر القبض هين ،فقد يفكر مستقبلا أحد عباقرة التشريع للمحليات في تأصيل وسائل اجبار المواطنين علي الدفع.ويقرر العودة الي السلف الصالح من الاتراك واحياء طرائقهم الفعالة في جمع الضرائب.ويقدم مقترحا  حول كيف نعيد طريقة وضع القطط داخل السراويل وربطها،أو استعمال الخازوق،أوالعودة الي الكرباج فهو أصدق انباء من سياط النظام العام الحنكوشية.قلت استبق أي تطوير وتأصيل ممكن لوسائل الجباية قد تفرضها الازمة الاقتصادية – خاصة والسنة علي ابواب النهاية – ولابد من تدبير مرتبات امثال الموظف المتجهم والذي عليه الا يكن أي احترام للسن أو الظرف،ففي الذوق ضعف قد يفضي الي تفريط في اموال الدولة.      

يظن الكثيرون ان الديقراطية هي الانتخابات  والبرلمان والتعددية الحزبية ،كل هذه شروط ضرورية للديقراطية ولكن ليست كافية لتطور واستدامة الديمقراطية.فالاساس لأي ديمقراطية هو دولة القانون حيث تحدد الحقوق والواجبات دون لبس.ففي الحالة التي نكتب عنها تنسي المحلية أن واجبي والزامي قانونيا بدفع الضرائب تقابله حقوق تتمثل في خدمات ملموسة.ولكن تتراكم امام باب  المركز اوساخ وبقايا يحملها أي نسيم الي    الداخل ،وقدمنا العديد من الشكاوى دون جدوي.ورغم موقع المركز داخل المدينة التي تشرف عليها هذه المحلية،وليس قربنا أي حواشات،الا أننا في معركة مع فئران لها هواية غريبة. وهي"لحس" الصمغ الذي يثبت اغلفة الكتب .وما يحيرني كيف وأين تعلمت هذه الفئران هذا "اللحس" المتقن؟ وأريد أن أبعد عن نظرية المؤامرة ولن أنسب  للمحلية أي دور في هذه المهارة.وبالاضافة الي الاوساخ والفئران فهناك مستوطنات الذباب وخلال الامسيات تبدأ دورية الباعوض لاقلاق حضور الندوة وافساد فرحتهم بقيام الندوة رغم العقبات العديدة.الا يستحق كل هؤلاء الاعداء أمر قبض وحتي إبادة مقابل الاموال التي يجب فرضها بالحق وليس بالباطل.وهنا تصبح معادلة الحقوق والواجبات صحيحة وتكون الدولة التي سلطت علي مواطنيها المحليات قد خطت في طريق الحق والعدل.

وتتميز البلاد الديمقراطية بقدرة المواطنين علي الشكوي ومقاضاة الدولة وكل أجهزة الدولة ،والمسؤولين، دون الاختباء وراء الحصانات والاستثناءات.ولك لاسباب عديدة يتهيب السودانيون استخدام هذا الحق البسيط.وأخشي أن يكون من الاسباب عدم الثقة لدي البعض خاصة المعارضين للنظام، في الجهاز القضائي. وفي هذه الحالة يصبح من واجب الدولة اعادة ثقة المواطنين في جهازهم القضائي،وذلك من خلال  التوعية والتعريف بالاجراءات واللوائح،وتسهيل التعقيدات ،وازالة الخوف من طول الاجراءات واللعب بها.ومن هنا كان القول بأن القانون حمار اذ يحمل الكثير ودون فهم احيانا.وهذا عمل رسمي وشعبي(المجتمع المدني)يتمثل في تمليك المعرفة بالدستور والقانون للناس العاديين وتشجيعهم علي الدفاع عن تأسيس دولة القانون ونشرها.وهذا يتم بأن تكون الدولة وكل مؤسستها وبالذات محلياتها واتصالاتها خاضعة للدستور ثم القانون.وهذه هي ابجديات الديمقراطية ويأتي بعد ذلك التسجيل للانتخابات أو الاستفتاء أوقانون جهاز الأمن.قصدت أنه بدون دولة القانون تصبح كل هذه القضايا شكليات وموضوعات للجدل والثرثرة الانيقة امام اجهزة الاعلام.                      

ولأنني لا أريد أفصل بين الكلام والممارسة"وكبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"،لذلك أريد ممارسة تمرين في الدفاع عن دولة القانون.وبالتالي مقاضاة محلية الخرطوم بسبب الحادثة المذكورة في هذا المقال.وليس المقصود المحلية ولكن وقف الاستخدام الخاطئ لقوانين لا تمتلك غطاءا دستوريا كافيا.وهذا الموقف يمكن ان يمتد الي أجهزة اخري ولكن لنبدأ تمرين مقاضاة اجهزة الدولة بحالة فيها بينات انتهاك واضحة.وهذه دعوة لمحام أو محامين للمساعدة في الجوانب الدستورية والقانونية اي شكل الدعوي.والتزم بتغطية كل التكاليف في سبيل تدشين حملة تمكين المواطنين لمقاومة خصخصة القانون من جهة.ثم ايقاظ الحس عند المواطنين ان الدولة خادمة لهم وليس العكس.كما ان القانون ملك لهم ويمكن ان يستخدموه ضد اجهزة الدولة حين تتخطي الدستور.وعلينا أن نجعل من مثل هذه القضايا التي تبدو  خاصة قضايا عامة تخدم تطوير الديمقراطية وممارستها فعليا كسلوك يومي وثقافة مستمرة.

عن د. حيدر إبراهيم

د. حيدر إبراهيم

شاهد أيضاً

“تجليات السلطة المُستبدّة في السودان: قتل، فساد، وأمل متجدّد”

في قفلة من تاريخ السودان الحديث، بزغ نجمُ ما يدعى “حميدتي” الذى تجمّعت في يده …

اترك تعليقاً