مذاهب الفكر السوداني المعاصر : قراءة منهجية

د. صبري محمد خليل /أستاذ فلسفة القيم الإسلامية
جامعة الخرطوم

تمهيد: هذه الدراسة هي قراءة منهجية، لمذاهب الفكر السوداني المعاصر، وتتضمن المذاهب التالية:
أولا : التراث الفكري لأبي القاسم حاج حمد” العالمية الثانية وإسلامية المعرفة”.
ثانيا: منهج التحليل الفاعلي في النقد الأدبي عند الشيخ محمد الشيخ.
ثالثا: المنظور الإحتباطي للأحلام عند سيد إدريس.
رابعا : قراءة نقدية للمذهب الجمهوري عند محمود محمد طه.
خامسا: الخطاب التجديدي عند د. الترابي” قراءة نقدية إسلامية لمفاهيمه”.
سادسا : الطرح التبشيري الثوري للإسلام عند الأستاذ بابكر كرار.
سابعا: الإستخلاف كنسق معرفي إسلامى معاصر : إنساني- روحي مستنير “رؤية كاتب الدراسة”.

أولاً: التراث الفكري لأبي القاسم حاج حمد.
الموقف الصحيح من التراث الفكري للمفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد: يتجاوز موقفي الرفض او القبول المطلقين، إلى موقف تقويمي “نقدي”، على المستويين الديني والفلسفي، بإعتباره يمثل فلسفة دينية معاصرة.

  1. المستوى الديني:يقوم الموقف النقدي هنا ، على فحص مدى اتساق مفاهيم هذا التراث الفكرى، مع أصول الدين “النصوص القطعية”. وتخلص هذه القراءة إلى وجود مفاهيم متسقة، وأخرى متعارضة،.
    ومن أبرز أوجه التعارض:
    الجهاد: تقييده بمرحلة زمنية معينة، يتعارض مع إطلاق النصوص الشرعية له ” الجهاد ماضى الى يوم القيامة” .
    السنة النبوية: إنكار حجيتها يخالف إجماع أهل السنة.
    وعد الآخرة: تفسيره بأحداث معاصرة تفسير غير صحيح.
    معجزات الرسول ﷺ: إنكارها “عدا القرآن” مخالف لإجماع العلماء.
    العقوبات: عدم التمييز بين الحدود والتعزير.
    إسلامية المعرفة: التذبذب بين رد الأصل إلى الفرع والعكس.
    نظرية التطور: القبول بها مع تأويل النصوص لتتفق معها.
    زيّ المرأة: مخالفة إجماع الفقهاء في مسألة الستر والحجاب.
    نقد نظرية التطور التىايدها حاج حمد :
    علمياً: تظل نظرية ظنية وليست قانوناً علمياً قطعياً.
    دينياً: تقوم على تصور مادي يتعارض مع الرؤية الإسلامية للوجود .
  2. المستوى الفلسفي:

أ. النقد الداخلي:وجود بعض التناقضات الداخلية فى تراثه الفكرى ، مثل:

  • الجمع بين القول بعلمانية الدولة، وعدم الفصل بين الدين والدنيا.
  • رفض السنة ثم الاستشهاد بها.
  • التذبذب بين إطلاق النص القرآني وتقييده.

ب. النقد الخارجي:
الوسطية: حصرها في معنى جغرافي بدل كونها قيمة معرفية.
الجدل: استخدام خاص يخالف الدلالة الفلسفية العامة.
الوضعية: تعميم غير دقيق على الفكر الغربي.

ثانياً: منهج التحليل الفاعلي عند الشيخ محمد الشيخ

تعريف منهجه:التحليل الفاعلي هو منهج يكشف عن فاعلية الإنسان والنص والمجتمع، ويركز على الإبداع والإيثار.

أهم مرتكزاته:
*مبدأ التتام بدل الهوية
*مفهوم الفاعلية بدل المادية
*مبدأ زيادة الفاعلية
بنيات العقل الثلاث:
١. بنية الوعى التناسلي
٢. بنية الوعى البرجوازي
٣. بنية الوعى الخلاق

نقد المنهج:
*محاولة لتجاوز الثنائية المادية/المثالية.
*يقارب مناهج غربية معاصرة ( اريك فروم، البنيوية التكوينية عند لوسيان جولدمان).
*لم ينطلق بالكامل من الواقع المحلي ” الوطنى والقومى” .
*يؤدي منطقياً إلى علاقة توالٍ لا توازٍ بين بنيات الوعي.

ثالثاً: المنظور الإحباطي للأحلام عند سيد إدريس

التصور العام:يرى أن الأحلام تعبير عن ألم نفسي،ووظيفتها إحداث الاستيقاظ.

خصائص الحلم:

  • إنبعاث نفسي إحباطي
    بلا فاعل مباشر
  • يؤدي إلى الاستيقاظ

نقد:
*تجاوز التفسير الفرويدي الأحادي
*لكنه حصر الحلم في التعبير عن المشكلة دون الحل.

رابعاً: قراءه نقدية للمذهب الجمهورى عند محمود محمد طه:

أولا:المستوى النظري للمذهب:

ا/ البعد الديني:
مفهوم ” وحده الوجود” : تشير الكثير من نصوص المذهب الجمهوري ، إلى إستناده إلى مفهوم وحدة الوجود، القائم على أن للخالق وحده وجود حقيقي، أما المخلوقات فوجودها وهمي، يقول محمود محمد طه (ويومئذ لا يكون العبد مسيَّراً ، إنما هو مخيَّر قد أطاع الله حتى أطاعه الله معاوضة لفعله ، فيكون حياً حياة الله، وقادراً قدرة الله، ومريداً إرادة الله، ويكون الله…)(الرسالة الثانية، ص90 ) .

نقد: مفهوم وحده الوجود يتناقض – في ذاته وفى ما يلزم منطقيا منه – مع التصور الاسلامى الصحيح للعلاقة بين الوجود الالهى والوجود الكوني الطبيعي، والمستند إلى مفهومي التنزيه و التوحيد، فمضمون مفهوم التنزيه أن وجوده تعالى غير محدود بالحركة خلال الزمان، أو الوجود في المكان، ولا تتوافر للإنسان إمكانية إدراكه بحواسه وعقله، وبالتالي يترتب عليه عدم جواز الخلط والدمج بين الوجوديين الالهى والطبيعي بخلاف هذا المفهوم. كما أن مضمون مفهوم التوحيد إفراد الوجود المطلق – وليس إفراد الوجود- لله تعالى.

تعريف المذهب للأصول والفروع: كما يعرف المذهب الجمهوري الأصول بأنها القران المكي ، و الفروع بأنها القران المدني، وهو ما يخالف تعريف الأصول والفروع ، الذي أجمع عليه علماء الإسلام، وهو أن الأصول هي الأحكام والمفاهيم التي مصدرها النصوص اليقينية الورود ( من عند الله تعالى أو الرسول “صلى الله عليه وسلم”) ، القطعية الدلالة ( لا تحتمل التأويل) ، والتي لا يجوز الإجتهاد فيها ،و الفروع هي الأحكام والمفاهيم التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة ، والتي يجوز فيها الإجتهاد.
نقد: كما اشرنا فإن تعريف المذهب للأصول والفروع مخالف لإجماع العلماء ، فضلا عن انه ترتب عليه إنكار كثير من الأصول كالجهاد والزكاة ….
الديموقراطيه و الاشتراكية من الأصول: إعتبر المذهب الجمهوري ان الديموقراطية و الاشتراكية من أصول الإسلام ، الممثل في القران المكي ،والذي يرى انه يتضمن آيات توجب الديموقراطيه كقوله تعالى(فذكِّر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )، كما يتضمن آيات توجب الإشتراكية- بل الشيوعية- كقوله تعالى (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، حيث يرى أن هذه الآيه هي آيه الذكاه الأصليه، ولكن المذهب الجمهوري يرى أن كل هذا منسوخ- مؤقتا – في فروع الإسلام- القران المكي-حيث يتضمن الأخير حكم الفرد الرشيد ،وليس الديموقراطيه ويستدل على ذلك بتفسيره الخاص للأيه(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله)، كما يتضمن الراسماليه- رغم أن الراسماليه نظام إقتصادي ظهر في أوربا بعد العديد من القرون من ظهور الإسلام-
نقد: أن كل من الديموقراطية والاشتراكية مفاهيم محدثه، أنتجتها تجارب بشرية تمت في أزمنة وأمكنة معينة ، والموقف الصحيح منها هو تجاوز موقفي القبول المطلق والرفض المطلق إلى موقف تقويمى “نقدي” مضمونه التمييز بين الدلالات المتعددة للمفهومين ، وقبول ما لا يتناقض مع أصول الدين النصيه الثابتة من هذه الدلالات ، ورفض ما يتناقض معها منها. وبالتالي فإن أقصى ما يمكن تقريره هو إعتبارها جزء من فروع الدين الاجتهادية المتغيرة- بعد اتخاذ الموقف النقدى بالمضمون المذكور اعلاه منها-

المستوى الفلسفى:

المذهب الجمهوري والفلسفة الغربية: إن المضمون الأساسي للمذهب الجمهوري هو محاوله تطوير نظرية وحدة الوجود (عند إبن عربي-طبقا لقراءة وتفسير محمود محمد طه لها – بصورة أساسية) . و بالإستناد إلى الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة (الفلسفة الهيجلية- طبقا لقراءة وتفسير محمود محمد طه لها- بصوره أساسيه)، لذا فقد أخذ الفكر الجمهوري الكثير من المفاهيم من الفلسفة الغربية .

  • فقد أخذ من هيجل مفاهيم الجدل اى التطور من خلال صراع المتناقضات، والمثالية الموضوعية اى القول بأولوية الفكر أو الروح على المادة.
  • كما اخذ من الوجودية عده مفاهيم منها القول بالحرية الفردية المطلقة…
    كما اخذ من الليبرالية مفاهيم الديمقراطية والفردية…
  • كما أخذ من الماركسية عده مفاهيم منها الاشتراكية، الشيوعية، الصراع الطبقي…
  • وأيضا اخذ من الداروينية مفاهيم التطور العضوي والصراع من اجل البقاء…
  • أما الفرويدية فقد اخذ منها مفاهيم العقل الظاهر العقل الباطن والكبت…
    نقد: غير أن هذا الأخذ كان على مستوى الأصول ، وليس على مستوى الفروع – لذا يمكن ان نصف الفكر الجمهوري بأنه شكل من أشكال التجديد “المقلوب” – كما انه تم في كثير من الأحيان دون اتخاذ موقف نقدي من هذه المفاهيم ، يتضمن بيان مدى اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين، فضلا عن مدى صحتها.

المستوى العملى للمذهب:

مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي : ويرتب المذهب الجمهوري على إقرار علاقة الانتماء الإسلاميه ” ذات المضمون الديني- الحضاري” ، إلغاء علاقة الانتماء العربية ” ذات المضمون اللساني – غير العرقي” – الحضاري”، ورد في رسالة (خطاب إلى جمال)( أن تنفض يدك فوراً من الدعوة الباطلة ـ دعوة القومية العربية ـ وأن ترجع بشعبك إلى الإسلام رجوعا واعياً، وأن تحاول بعث المعاني الإنسانية الرفيعة التي يذخر بها القرآن، وأن تصلح بها قومك أولاً) ، وهذا يعنى ان المذهب الجمهوري يستند الى “مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي”، والقائم على افتراض “خاطئ” مضمونه أن الإسلام كدين ينكر وحدات التكوين الاجتماعي المتعددة، وعلاقات الانتماء إليها .
نقد: هذا المذهب يتعارض مع حقيقة إقرار الإسلام كدين لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى :

  • الأسرة كما في قوله تعالى ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ”
  • والعشيرة كما فى قوله تعالى ” وانذر عشيرتك الأقربين” .
  • والقبيلة والشعب كما فى قوله تعالى ” وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا
  • وأمة التكوين”الطور القومى” التي مناط الانتماء اليها :
    اولا: اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)” ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي”، ثانيا : الأرض الخاصه أو الديار بالمصطلح القرانى ” أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ” ( الممتحنة:9) .
    كما أن هذا المذهب يتعارض مع إقرار الإسلام كدين لعلاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي (كعلاقات الانتماء : الاسريه، والعشائرية والقبلية والوطنية والقومية …) ، ما لم تقم على التعصب أو يترتب على الإقرار بها إثم، ومن أدله ذلك فى السنة النبوية ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال ( لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) ( رواه أبن ماجه والإمام أحمد).

المذهب شكل من اشكال الشعوبية المعاصرة : وترتب على استناد المذهب الى هذا المذهب تحوله الى مذهب شعوبى. ومضمون الشعوبية محاولة – فاشلة – للارتداد بالشعوب ، التي أصبحت جزء من أمه ، إلى الطور الشعوبي السابق على الطور القومي ( طور الأمة “التكوينية” ) . و هى تقوم في الأمة العربية المسلمة بشعوبها المتعددة –ومنها الشعب السودانى- على إنكار علاقة الانتماء العربية،كعلاقة انتماء قومية إلى أمه معينة هي الأمة العربية، التي أوجدها الإسلام كأمة واحده، بعد أن كانت قبله قبائل وشعوب متفرقة، وهى علاقة انتماء ذات مضمون حضاري لساني” لغوى” – وليس عرقي –.
كما تقوم الشعوبية في الامه العربية المسلمة على الدعوة إلى إلغاء أربعه عشر قرنا من التاريخ، أوجد فيه الإسلام للعرب أمة، ليعودوا إلى الشعوب السابقة على دخول الإسلام ، فهي مناهضة للإسلام – موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصارها.

التفسير اللاهوتي لطبيعة القضية الفلسطينية والدعوة للتطبيع مع الكيان الصهيونى: يتبنى المذهب الجمهوري التفسير اللاهوتي لطبيعة القضية الفلسطينيه، وهو تفسير قائم على أن الصراع الذي تثيره مشكلة فلسطين قائم بين المسلمين من جهة واليهود من جهة أخرى لمجرد أنهم يهود، فهي مشكله صراع بين الأديان. حين سُئِلَ محمود محمد طه عن مفهومه في قول الرسول “إنه سيأتي يوم سنقاتل فيه اليهود وسينطق الحجر ويقول للمسلم أنَّ ورائي يهوديًا فاقتله”، قال: . لا. نحن لن نقاتل اليهود لأن اليهود سيصبحون مسلمين! حلُّ المشكلة هو أن اليهود وكل الملل سيصبحون مسلمين. إسرائيل ستصبح دولة مسلمة). واخذ المذهب الجمهوري بهذا التفسير يفسر لنا ان الجمهوريين كانوا من أوائل الجماعات التي جاهرت بالدعوة إلى الاعتراف بالكيان الصهيونى والتطبيع معه .

نقد: قال بهذا التفسير الكنيسة الكاثوليكية في أوربا في العصور الوسطى خلال فترة الحملات الصليبية. كما يمكن اعتبار التفسير الصهيوني للمشكله شكل من أشكال هذا التفسير. لكنه لا يمثل الفهم الاسلامى الصحيح لمشكلة فلسطين وطبيعة الصراع التي تثيره ، لان الإسلام لم يأذن للمسلمين بقتال غير المسلمين إلا في حالتي إكراههم على الردة أو إخراجهم من ديارهم، فالإسلام يحرم الاعتداء ولو كان من مسلم ويوجب قتاله ﴿ وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾. كما ترتب علي الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه الإقرار بمشروعية اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين ،ونفى وجود اى حقوق وطنيه او قوميه أو دينيه للشعب الفلسطيني –لذا انه بعد عقود من اعتراف الفلسطينيين واغلب العرب بإسرائيل لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه ولم تحل القضية الفلسطينية .

نقد عام للمذهب : طبقا لهذه قراءه النقدية لمذهب الجمهوري ، فإننا نعرفه الجمهوري بأنه مذهب معاصر فى التصوف الحلولى “البدعي” ، الذى ينطلق من مفاهيم أجنيبه “كالحلول والإتحاد ووحدة الوجود وسقوط التكاليف..”- والمفارق للتصوف السني، القائم على مفاهيم أهل السنة بمذاهبهم المتعددة – والذى اطلق عليه البعض” خطا ” اسم التصوف الفلسفي – على المستوى النظري- وما يلزم من هذا المذهب من نتائج تطبيقية “مواقف سياسيه، اقتصاديه ،اجتماعيه…”- على المستوى العملي-
واستنادا إلى هذا التعريف فإن هذه القراءة تتخذ موقف نقدي من هذا المذهب على المستويين النظري” المتضمن لبعدين: ديني وفلسفي ” والعملي .
ومضمون هذا الموقف النقدي – على المستوى الأول ” النظري ” طبقا لبعده الديني– تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، التى مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم الفكر الجمهوري تتسق مع هذه الأصول،فان بعضها الآخر يتناقض معها (وأهمها مفهوم وحده الوجود وما يلزم منه “من امكانية الاتحاد بالذات الالهيه، وسقوط التكاليف “…).
أما الموقف النقدي من المذهب الجمهوري – على المستوى النظرى طبقا لبعده الفلسفي – فينقسم إلى:

أولا: نقد داخلي: مضمونه تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث اتساقها أو تناقضها مع بعضها البعض، وهنا تخلص هذه القراء إلى انه هناك اتساق بين بعض هذه المفاهيم (وحده الوجود، ووحدة الأديان…)،كما انه هناك تناقض بين بعضها الآخر( بين الفردية المطلقة والجماعية المطلقة، وبين الليبرالية والماركسية، وبين الذاتية والموضوعية…).

ثانيا: نقد خارجي: مضمونه تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث صدقها الواقعي، وأوجه الصواب والخطأ فيها، وهنا تخلص هذه القراءة إلى أن أهم أوجه النقد الخارجي هي أن المذهب الجمهوري باعتباره شكل من أشكال الفلسفة المثالية الموضوعية ، التي تقول بالأولوية المطلقة للفكر أو الروح على المادة، ، انتهى إلى إلغاء أو التقليل من دور الإنسان في التطور الاجتماعي بقوله بالجبر.
كما انتهى الى التركيز على العوامل الفكرية والروحية،مع إلغاء أو التقليل من دور العوامل المادية(كالاقتصاد)، والاجتماعية (كوحدات التكوين الاجتماعي المتعددة”كالعشيرة والقبيلة والشعب والامه، وعلاقات الانتماء إليها ” كعلاقة الانتماء القومية..).
أما مضمون هذا الموقف النقدي من المذهب الجمهوري– على المستوى الثاني ” العملي” فيتمثل في بيان ما يلزم “موضوعيا” – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لمؤسس المذهب وأنصاره – من نتائج تطبيقيه من مواقف سياسية، إقتصادية …وهنا نخلص هذه القراءة أن هذه المواقف يلزم منها الإبقاء على الواقع السوداني خاصة والعربي عامه ، والقائم على الاستبداد ” الداخلي “،والاستعمار القديم والجديد”الخارجي”، والتجزئة والتفتيت،والظلم الاجتماعي والتبعية الاقتصادية بدون تغيير، وأنها تتعارض مع أهداف وغايات الإرادة الشعبية السودانية خاصة والعربية عامه، والممثلة في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية… وأنها تخدم المشاريع الهادفة إلى إلغاء الإرادة الشعبية السودانية خاصة والعربية عامة، ومنها مشروع الشرق الأوسط “الامبريالي الصهيوني”.
خلاصة: تخلص القراءه إلى ضرورة إجراء أنصار المذهب الجمهوري مراجعة فكرية ذاتية شاملة لمذهيهم، تشمل:
اولا: مستواه النظري: وتضمن ضبط مفاهيمه النظرية بالضوابط الشرعية، ليتحول من مذهب في التصوف الحلولى “البدعى” إلى مذهب في التصوف السني – وبهذا يلغى تناقضه الموضوعي مع التدين الشعبي السوداني.
ثانيا:مستواه العملى: كما تشمل هذه المراجعة تصحيح مواقفه التطبيقية، لتتسق عن غايات الإراده الشعبية السودانية خاصة ،والعربية عامة ، ممثلة في الحرية والوحدة والعدالة الإجتماعية .

خامساً: الخطاب التجديدي عند د. الترابي” قراءة نقديه اسلامية”.

موقف تقويمى ” نقدى” يتضمن بيان إيجابيات وسلبيات الخطاب، على النستويين النظرى والعملي.

اولا : الجوانب الإيجابية:

  • الدعوة إلى التجديد.
  • معالجة قضايا العصر.

ثانيا: الجوانب السلبية

  • عدم وضوح ضوابط التجديد.
  • التذبذب بين التقليد والتغريب.
  • طرح قضايا أصولية برؤية اجتهادية غير منضبطة.
  • مخالفه المعهود من مذهب أهل السنه وعض القطعيات، ومنها(اباحه زواج المسلمه من الكتابى، شهاده المراه تساوى شهاده الرحل. إنكار عقوبة الرده، القول بعدم تناقض نظرية التطور مع الإسلام. جواز أمامه المراه للرجال. الأخذ بقول الكافر وترك قول الرسول فى الأمور العلميه مطلقا. نفى عذاب القبر…)
  • الخلط بين:
    اولا: التفسير السياسي للدين: الذى يختزل الدين فى بعده السياسى، وبالتالى يجعل الدين وسيله لغاية هى السلطه ” وهو ما يطلق عليه خطأ اسم الإسلام السياسى”.
    ثانيا : السياسة الاسلاميه الصحيحه: اى ما أطلق عليه العلماء اسم ” السياسة الشرعية”، وهى تقرر:
  • أن البعد السياسى للدين هو فقط احد ابعاده المتعدده.
  • وبالتالى فإن التغيير الفكرى ” العقدى ” أو المجتمعى” سابق على التغيير السياسى” ( اسبقيه المرحله المكيه على ال مرحله المدنية فى منهج التغيير الاسلامى).
  • أن السياسة الشرعيه ما يحقق مصالح المسلمين ولو لم يرد نصا.فهى مسأله اجتهاديه لا يوز فيها تكفير المخالف فى المذهب.
  • تقرير أهل السنه أن الامامه ” السلطة” من فروع الدين الاحتهاديه وليس أصوله النصيه- خلافا للمذهب الشيعى البدعى.
  • .التأثر بالمعتزله فى تصورهم للعقل.
  • الطابع التجريدى” النظرى” للخطاب التجديدى عند د. الترابي، مما بحول دون اتخاذ مواقف عينية محدده تجاه قضايا الواقع. ضروره المراجعات الفكرية : لذا يحتاج هذا الخطاب إلى مراجعات فكرية ذاتية من انصاره ، على المستويبن النظرى والعملي.

سادساً: الطرح التبشيري الثوري عند بابكر كرار

ملامحه:

  • الإسلام أساس التغيير.
  • طرح ثوري شامل
  • اعتماد الوسائل السلمية
  • التركيز على الجماهير

خصائصه:

  • تجاوز الطائفية
  • فتح باب الاجتهاد
  • الربط بين الدين والتحرر الوطني والقومى
  • الاشتراكية والعداله الاجتماعية من منطلق اسلامى.
  • الحوار بين التيارات الإسلامية والقوميه والاشتراكية للالتقاء على ثوابت الأمة.

سابعاً: الإستخلاف كنسق معرفي إسلامى معاصر: “إنسانى- روحى – مستنير”
( كاتب الدراسة )

تعريف: مشروع فكري، يؤسس لنهج معرفي إسلامي معاصر، ذو طابع : إنساني–روحي” دينى” ، مستنير.

أبعاده:

  1. البعد الفلسفي: الإستخلاف كفلسفة ‘إسلامية’ : تشمل:
    اولا : الإجتهاد فى تحديد العلاقة بين:
    اولا:المستخلف – بكسر اللام- “الله تعالى”.
    ثانيا: المستخلف – بفتح اللام – “الإنسان”.
    ثالثا: المستخلف فيه ” الكون”.
    ثانيا : الإنطلاق من المفاهيم القرآنية الكلية : التوحيد – الإستخلاف – التسخير.
    ثانيا : اتخاذ الإجتهادات الكلامية لمذاهب اهل السنة المتعدده ، نقطة بداية – وليس نقطة نهاية- لهذا الإجتهاد الفلسفى “الإسلامى “.
  2. البعد المنهجي: الإستخلاف كمنهج معرفة ‘ إسلامى ‘ :
    الفعل الإلهى المطلق ” الذى يعبر عنه القرآن بمصطلح الربوبية” ،يظهر صفاتيا ” اى على مستوى ما دل على هذا الفعل المطلق” ، فى الوجود الشهادى ” المحسوس”، بمستويية: التسخيرى ” الطبيعى” ، والإستخلافى ” الإنسانى” فى شكلين:
    اولا : شكل تكوينى : يتمثل فى السنن الإلهية – الكليه والنوعية- التى تضبط حركته.
    ثانيا : شكل تكليفى: يتمثل فى مفاهيم وقيم وقواعد الوحى الكلية.
  3. البعد المذهبي: الاستخلاف كمذهب اسلامى معاصر ، يحاول تقديم حلول عملية لمشكلات واقع الأمة.

شروط إستخلاف الأمة فى الحاضر:

اولا : شروط نصية ثابتة : مصدرها النصوص يقينية الورود، قطعية الدلالة.

ثانيا : شروط اجتهادية متغيرة :

١. الإستخلاف السياسى: تحرر الأمة” على المستوى الوطنى والقومى”، و الحرية كقيمه دعا إليها المنظور القيمى الاسلامى” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا”. والحريه السياسية متمثله فى الاخذ بالديموقراطية ،كنظام فنى لحماية الشعب من استبداد الحكام ، وطبقا لصيغها التى تتناسب مع واقعنا ” كالديمقراطية التوافقية ، التى تجمع بين معيارى الأغلبية والتوافق”. وبإعتبارها تطبيق لمفهوم الشورى الاسلامى (وامرهم شورى بينهم).
٢. الإستخلاف الإقتصادى : التنمية المستقلة و العدالة الاجتماعية ،طبقا للمنطلق الإسلامى.
٣. الاستخلاف الإجتماعى: ويشمل وحدة الأمة “على المستوى الوطنى والقومى والدينى “.
٤. الإستخلاف الحضارى: الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، بالالتزام بمفهوم التجديد” المنضبط قيميا ودينيا”، وتجاوز موقفى “الجمود والتقليد والعزله الحضارية”، و”التغريب والإستلاب الحضارى”.

مراحل التغيير” مراحل تحقيق استخلاف الأمة”:

مرحله الإستطاعة: الانتقال من ما هو كائن إلى الممكن. وتشمل:
اولا :على المستوى النظرى: التأصيل لتيار فكرى شامل ، يؤسس ” نظريا” للإستخلاف الثانى للأمة.
ثانيا :على المستوى العملى: انشاء وتفعيل مبادرة شعبية مؤسسية، تجمع بين الوحدة والتعدد ،تسعى لتحقيق ما هو ممكن من خطوات، تجاه إستخلاف الامة، فى كل مجالات الحياة ” السياسية ، الاقتصادية، الإجتماعية..”.

مرحلة العزم: الانتقال من ما هو ممكن إلى ما ينبغى ان يكون .

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

نحو خطاب إسلامى مستنير يؤصل للحرية والعدالة الإجتماعية والوحدة

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم sabri.m.khalil@gmail.com تعريف مصطلح الخطاب: …