مروة يا بنت بلادي، يا رقيقة…
ليكِ سلامي مثلثًا ومربعًا، أتمناه أن يغشاكِ ويجدكِ وأنتِ في تمام العافية، وعلى الدوام في رفعةٍ وسكينة.
منذ نعومة أظافرنا، علّمنا أهلنا أن احترام المرأة ليس خُلقًا يُكتسب متأخرًا، بل تربية تبدأ بالأم، ثم الأخت، ثم الخالة والعمة، حتى يصبح تقدير المرأة جزءًا من تكوين الإنسان. تعلمنا أن المرأة كائن رقيق الإحساس، وأن التعامل معها يحتاج إلى ميزان دقيق، كميزان الذهب والماس، لا يحتمل الغلظة ولا الاستخفاف.
ومن أهلنا النوبيين ورثنا أيضًا ذلك الإرث الجميل الذي يحتفي بالأم ومكانتها. وقد أشار البروفيسور يوسف فضل حسن إلى ما عُرف في بعض المجتمعات النوبية بامتداد النسب إلى الأم، حتى قيل إن ابن النوبية نوبي، في دلالة عميقة على التقدير والمحبة والاحترام الذي حظيت به المرأة في ذلك المجتمع. أرأيتِ كيف تصنع الثقافة الراقية نظرتها إلى المرأة؟
أعود إلى رسالتك القصيرة التي وصلتني عبر أحد المنتديات. ورغم قصرها، فقد حملت فكرة تستحق التأمل. ولعل أهم ما شدني فيها قولك:
“العلاقة الناجحة ليست قصة يكتبها طرف واحد، بل رواية يشارك في تأليفها قلبان، يتقاسمان البدايات، ويتحملان مسؤولية الإصلاح، ويحافظان على الود مهما اشتدت الظروف.”
ما أجمل هذا المعنى. فالعلاقات لا تعيش بالمشاعر وحدها، ولا تستقيم بالحب وحده، وإنما تنضج بالصبر، والحوار، والقدرة على مراجعة النفس قبل محاسبة الآخر. فالحب الذي لا يعرف الإصلاح عند أول عثرة، سرعان ما تذروه رياح الأيام.
وأنا أتساءل: أيُّ قلب هذا الذي يقوى على حمل كل هذا العبء إلا إذا كان عامرًا بالمودة والرحمة؟ فليس كل قلبٍ يطيق المشاركة، ولا كل محبةٍ تعرف معنى المسؤولية.
والقلوب شواهد على أصحابها. منها ما يفيض صدقًا فيراه الناس في أفعاله قبل كلماته، ومنها ما يحمل من الحب ما لو وُزِّع على الناس لكفاهم، لكنه يخفيه حياءً أو خوفًا من سوء الفهم، لا بخلًا ولا صدودًا. فليست كل المشاعر التي لا تُقال قد ماتت، وبعض أصدق المحبة يسكن في الصمت، وتبوح به المواقف أكثر مما تبوح به الكلمات.
شكراً لكِ يا مروة على هذه الخاطرة الجميلة. لقد ذكّرتِنا بأن العلاقات الإنسانية لا تُبنى على انتظار الكمال، وإنما على استعداد الطرفين لأن يظل كلٌّ منهما سندًا للآخر، كلما تعبت الطريق، وكلما ظنّا أن المسافة بين القلبين قد اتسعت. فالمودة، حين تكون صادقة، تعرف دائمًا طريق العودة..
تسلمي لغواليك ولمن يحبوك..
عثمان يوسف خليل
♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️
العزيز عثمان يوسف خليل
وصلتني كلماتك كما تصل النسائم الهادئة إلى القلب؛ برفق يليق بها وعمقٍ يترك أثرًا لا يزول سريعًا.
شكراً لهذا الرد الذي لم يكن مجرد تعليق على خاطرة، بل كان نصًا قائمًا بذاته، يحمل من جمال اللغة، ورقي الفكر، وسمو الأخلاق ما يجعل القارئ يقف عند كل فقرة متأملًا قبل أن يمضي إلى التي تليها.
أعجبتني كثيرًا إشارتك إلى ما غرسه الآباء من احترام المرأة، وكيف تصنع التربية الراقية إنسانًا يعرف قيمة الآخر قبل أن يطالب بحقه. فالقيم الحقيقية لا تُرفع بالشعارات، بل تُترجم في السلوك، وفي الكلمة الطيبة، وفي حسن التعامل.
أما حديثك عن العلاقات، فقد لامس جوهرها؛ فالعلاقة التي تنجو ليست تلك التي تخلو من العثرات، وإنما تلك التي يجد فيها كل طرف الشجاعة ليُصلح، والحكمة ليحتوي، والرحمة ليغفر. وما أجمل قولك إن المواقف أبلغ من الكلمات ، وإن بعض المحبة يسكن في الصمت ، فهي حقيقة يدركها أصحاب القلوب الصادقة.
ولعل أجمل ما يتركه الإنسان في هذه الحياة ليس أثر قدميه على الطرقات، وإنما أثر كلماته في القلوب.
فهناك كلمات تُقرأ ثم تُنسى، وأخرى تستقر في الوجدان، تعيد ترتيب أفكارنا، وتمنحنا مساحة أوسع للتأمل، وتذكّرنا بأن الأدب واللطف ما زالا قادرين على تهذيب الأرواح.
أسعدني كثيرًا هذا الحوار الراقي، لأن الكلمة حين تخرج من قلبٍ ممتلئ بالصدق، تجد طريقها إلى قلبٍ آخر دون استئذان. وما الرسائل الجميلة إلا جسورٌ نبني بها إنسانيتنا، ونؤكد من خلالها أن أثر الكلمة الطيبة قد يمتد أبعد مما نتخيل.
كل الامتنان لك على حسن ظنك ، وعلى هذا القلم الذي يجمع بين رصانة الفكر، وجمال العبارة، ونبل المعنى.
أسأل الله أن يديم عليك نعمة البيان، وأن يبقى لك من محبتك في قلوب الناس نصيبٌ يليق بطيب أخلاقك
دمت بكل خير وأمان .
مروة الرفاعي
11/7/2026
osmanyousif1@icloud.com
