بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: (هَذَا بَلاغٌ لِلْنَّاس وَلِيُنْذَرُوْا بِه وَلِيَعْلَمُوَا أَنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِد وَلِيَذَّكَّر أُوْلُو الألْبَابْ) ..الآية
هذا بلاغ للناس
توطـئة:
v ليلة البارحة كنت أتابع نشرة أخبار العاشرة من تلفزيون السودان إذ استضافت المذيعة هنادي ضو البيت الأكاديمي والمحلل المتخصص البروفيسور أحمد مجذوب أحمد وأجرت معه حواراً حول مرئياته لمشروع موازنة الدولة التي أودعت البرلمان ، وكان البروفيسور و- بأدبه الجم – حذراً في أن لا يخدش كبرياء سودانيتنا إذ قال على استحياء إن أدنى إنتاجية المواطن السوداني مقارنة ببعض الدول متدنية جداً ؛ كما يحضرني ما قاله البروفيسور غندور في أحد اللقاءات- إن لم تخني الذاكرة- بأنها لا تتعدى في المتوسط (20) دقيقة في المتوسط. تصوروا أن هذه النتائج أتت بعدما صار لدينا وزارة هي وزارة تنمية الموارد البشرية، أليس هذا أمرٌ محزن ومؤسف ومبكي في ذات الوقت؟!!
v عموماً دعوني أسرد لكم بعض ما سبق وكتبته عنها في هذه المساحة وأضيف عليه من المستجدات والاستنباطات كمتخصص في فلسفة تنمية الموارد البشرية وتخصص دقيق (تنمية العمالة الزراعية في دول أفريقيا) وذلك باعتماد ما اصطلح على تسميته ” التضامنيات الزراعية والتي سآتي على شرحها وقد أخذت بهذه الدراسة (اليونيدو) وقامت بتطبيقها في بعض الدول الأفريقية والأسيوية وما سأورده هنا هو من باب الاجتهاد فقد ولا غرض شخصي لي وراء ذلك وقد يقبل الخطأ والصواب لأن العلم كل يومٍ في تطور وأن هناك من الأكاديميين ومن أهل الخبرة التراكمية من هم ذو مخيال إبداعي في مجالهم قد يفوق ما تحصلنا عليه من علم لأن لا أحد يدعي إمتلاكه ناصية العلم والخبرة والآخرين قبض الريح.
المتـن:
v إن وزارة تنمية الموارد البشرية لم تقدم خطة قومية على الإطلاق؛ خطة لها مدخلات ومخرجات واضحة و توقيت زمني لها وسائل لقياس مراحلها ونتائجها دون تسخير لوسائل الإعلام عند إبداء أي رأي عن الأداء السالب لهذه الوزارة الذي إن لم يضر لا يفيد.
v حاولت الوزارة أن تقنعنا إعلامياً عن برامج التدريب التي تقوم بها وللعلم أن التدريب على أهميته يعتبر الخطوة التالية في أي خطة تقدم ؛ أما الخطوة الأولى هي جمع الإحصاءات والبيانات عن مكون المورد البشري وتحديد النسبة الغالبة التي دفعت البروفيسور أحمد مجذوب وبروفيسور غندور في أن يلقيا بالقنبلة في وجوهنا عبر الإعلام ؛ ثم البدء بورش عمل لوضع إستراتيجية قومية للنهوض بإنتاجية المورد البشري وتوظيفه لخطط التنمية التي تنعكس في أرقام موازنات الدولة وما حققته هذه الخطة الإستراتيجية من نتائج ترفد وتقيل عثرة موازنات الدولة واقتصاد البلاد وخطط التنمية بصورة ملموسة.
v من يستطيع في هذه اللحظة أن يقدم لنا إحصائية حقيقية عن عدد ( المتعطلين) ولا أستعمل مصطلح (العاطلين) عن العمل – للفارق الكبير بينهما – وذلك في كل ولاية من ولايات الوطن وكذلك على المستوى القومي.
v انصب جهد وزارة تنمية الموارد البشرية على جزء ضئيل من ( المتعطلين) في السودان وهم خريجو الجامعات وذلك على إثر ما يسمى الربيع العربي دون التحليل الدقيق في الآليات التي استعملت في دفع بعض النخب لقيادة هذا الربيع وجهات تمويله. إذاً أن وزارة الموارد البشرية تتعامل بردود الأفعال وليس وفق خطة مبرمجة؛ فالوزارة مثلها مثل معارضتنا التقليدية السنية تركب الموجة وتوظفها أسوأ توظيف. هل ) وتواصلت وزارة التنمية البشرية مع الوزارات ذات الصلة تابعت وحصرت منظمات العمل المدني( NGOs) وتكشف عن مصادر تمويلها وإن كانت قد دخلت عبر الجهاز المصرفي وهل حساباتها خاضعة لمراجعة المراجع العام؟! . في مصر اكتشف أن هناك (137) منظمة وجمعية ومركز دراسات وحتى أفراد يتلقون تمويلاً خارجياً.
v ضمن نشاط هذه المنظمات/ الأفراد في مصر الذين تلقوا تمويلاً خارجياً من أمريكا والاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأوروبية الأخرى ؛ هناك أحد الأفراد من النخب التي يطلق عليهم ” النشطاء” تلقى تمويلاً لنشر ثقافة الديمقراطية بين فئات منها الطلبة والصحفيين والإعلاميين والنقابيين داهم إلى محاضرة تنويرية عن ” الديمقراطية ” وفي نهاية المحاضرة سلم كل حضور المحاضرة مظروفاً به (2000) دولار!!
v أمريكا بعد غزوها للعراق بأيام أول ما قامت به هو تفكيك الجهاز الأمني والشرطي والقوات المسلحة العراقية وبذلك نشرت الفوضى الخلاقة ؛ ومع كل هذا فشلت في تحقيق أهدافها رغم مئات البلايين التي صرفتها ؛ ها هي تخرج مذمومة مدحورة بفعل المقاومة الشريفة . اليوم فقط علينا أن نتذكر لماذا كانت تصر الحركة الشعبية ومن شايعها من أحزابنا الشمالية السنية وبإيعاز من أمريكا في تهميش دور جهاز الأمن الوطني عند مناقشات الدستور الانتقالي. كانت أمريكا قد أدركت فشلها في العراق إذ أن الفوضى الخلاقة لم تضمن بقائها في العراق رغم أنها نصّبت نظام حكم موالٍ لها يجد مقاومة شرسة لم تستطع معها أمريكا من الإبقاء حتى على مدربين عسكريين ولم تستطع أن تضمن لهم الحصانة. أمريكا أدركت أن درسها كان مكلفاً في العراق لذا غيرت من إستراتيجيتها بالغزو عبر منظمات العمل المدني الممولة ببضع مئات من ملايين الدولارات.!!
v يبدو أن وزارة الموارد البشرية لا تتابع الأحداث في المنطقة ولم تسمع بتصريح رئيس اللجنة العليا للانتخابات في مصر حين زارته قبل أيامٍ خلت السفيرة الأمريكية في مصر لتشكره على حسن إدارة العملية الانتخابية والأمر إلى هنا جد عادي أما المفاجأة التي فجرها المستشار عبد المعز هو ما عرضته من مساعدات وتمويل للجنة فرفض المستشار بصورة قاطعة. إنها محاولة رشوة واضحة؛ ففي هذه الأيام ابتدعت أمريكا تعريفاً جديداً للرشوة فأصبح المصطلح دعم مادي ولوجسي وتقني!! والقادم في تحويرها للمصطلحات مهول فانتظروا منها العجب!! . على كل حال إن الفزع الذي أبدته وزارة الموارد البشرية مما أطلق عليه الربيع العربي وثورة الشباب له ظروف موضوعية في البلدان التي حدثت فيها ليس بالضرورة أن تكون توافرت في السودان ولكن لأن الأحزاب التقليدية تجير كل حدث لمصلحتها فهي بدأت كمن يحاول ابتزاز الحكومة وفي الحقيقة هي قد فقدت كثير من شعبيتها نتيجة ممارساتها ولجوئها للأجنبي أو تحالفاتها واستقرائها بالحركة الشعبية ، لذا كان الأجدر بوزارة الموارد البشرية بالتركيز على الإنسان كأهم مورد يرفد خطط التنمية مما ينعكس على الموازنة العامة للدولة.
الحاشـية:
v السودان بلد زراعي ، معظم العمالة فيه عمالة زراعية واهي تقدر بنحو 67% من جملة القوى العاملة ،هي في الأصل ملاك ملكية حيازات زراعية صغيرة ينحصر أداءهم فيها موسمياً بين موسمي الخريف والحصاد؛ أي ما جملته (4-5) شهور سنوياً ؛ هذا المورد البشري حالياً يعتبر( مُعطل ) لأنه يعمل فقط 42% من جملة طاقته و58% من طاقته مهدرة وذلك من أجل أن يكفي نفسه وأسرته ذاتياً وبالكاد توفير ما يحتاجه من غلال حتى الموسم الزراعي القادم ، وهناك دول طبقت شراكة بين أصحاب الحيازة الزراعية والذين أصطلح على تسميتهم ( العمالة الزراعية) فيتم التدريب والتمويل الأصغر فيما أصطلح لما اصطلح على تسميته (المزارع التضامنية) وهي غير(التعاونية)؛ فالمقصود هنا هو تجميع أصحاب الحيازة الزراعية الصغيرة وتثبيت حدود ملكية كل واحد منهم وتوسعتها من قبل الدولة/ الولاية للنهوض بهؤلاء الزراع -إن صحت التسمية – وبإضافة أراضٍ جديدة لها؛ والهدف أن يتضامن جميع الملاك في شراكة إنتاجية كل حسب مساحة أرضه ويتم تدريب العمالة الزراعية على حزم زراعية والخروج بهم إلى عالم التقنية الزراعية وحفر آبار للري( الميكنة الزراعية) بآلات (زراعية صغيرة Mini Systems) تتناسب ومساحة التضامنية. وتتشارك التضامنية الزراعية في تسديد قرض التمويل الأصغر من الإنتاج الذي بالطبع سيخرج عن دائرة ( توفير الغلال للاستهلاك الأسري المحدود) وإضافة إنتاج الحبوب الزيتية وإدخال الإنتاج البستاني( خضروات وفواكه) بعد موسم الخريف وذلك بالري من الآبار الجوفية إلى الإنتاج التجاري.
v فوائد هذه التضامنيات الآتي:
– وقف زحف الهجرة من الريف إلى المدن وعواصم الولايات والعاصمة القومية
– الارتقاء بدخل المواطن.
– نمو الاقتصاد الحقيقي بإسهام في التنمية.
– الاكتفاء الذاتي والاتقاء بدخل الفرد مادياً مما ينعكس على رفاه هذه الفئة.
– تطوير وتوجيه القوى البشرية إلى مشاريع ذات جدوى.
– تعميق الانتماء للأرض والوطن.
– تكريس مفاهيم قيمة الإنسان لخدمة أسرته ومنطقته ووطنه.
– اكتساب مهارات جديدة.
– شعوره باهتمام الدولة به كمواطن وتنميته وتنمية منطقته وانتفاء دعاوي التهميش.
الهامـش:
v حديث ضعيف: (إن الله يحب إذا عمل أحد كم عملاً فليتقنه)؛ رغم ضعفه إلا أنه يهدينا إلى الصدق مع النفس أولاً .المكلف بعملٍ ما عليه أن يبتغي وجه الله في أدائه ؛ بعض الإعلاميين ممن دعوا لحضور المؤتمر الأخير خاصة الذين يقيمون في أوروبا ؛ ما زالت في حلوقهم غصة من تلك الوعود التي وعدوا بها ومنها من أحيلوا للصالح العام ووعدهم من زارهم في مهاجرهم بأن ينظر في أمر معاشاتهم ولكنهم شعروا بأنهم استدرجوا وأن لا شيء من الوعود قد تحقق ؛ فكرسنا لأزمة ثقة لأناسٍ كنا نود أن نتوافق معهم!!
—
Dr. Abubakr .Y. Ibrahim
MVPI Riyah- Saudi Arabia
Mobile : (966) 0500195867
Abubakr Ibrahim [zorayyab@gmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم