عبد الله علي إبراهيم
يقول المثل الأفريقي أنه إذا خرجت السمكة من النهر وقالت إن التمساح هلك فصدقوها بقرينة أنها أدرى بشعاب النهر.
(ليس يأمن المرء إلى دعوات الحوار التي تتنادى لها الصفوة المدنية في أيامنا، لا ريبة في المقاصد، بل لأنهم خلو من عادة الحوار)
ملخص
(ها هو المصباح، قائد كتيبة إسلامية تقاتل بصف القوات المسلحة وأثارت ثائرات ساقت أميركا إلى مقاطعتها، يخرج من فيوض دماء الحرب ليقول إن حركته الإسلامية معلولة جداً، إن لم تمت. فهل من مصدق؟)
بدا أن المصباح أبوزيد طلحة، الفتى الذي يقود “كتائب البراء” الإسلامية في الحرب الراهنة، يدخل في أيامنا هذه في مراجعات للذات سدد بها نقداً للحركة الإسلامية لم تتعوده يأتي من باطنها، أو تحسن التعاطي معه. فعاب على جيله الشاب فيها أنه كان يصادم مصالح الطلاب الخدمية في الجامعات لخضوعه لسياسات تصدر من مؤسسات دولتهم. فاعتزل الطلاب الإسلاميون بالنتيجة بيئتهم المطلبية. وكان ذلك خطأً “لأن السياسي الشاب يفترض أن يكون صاحب مبادرة وفكرة وقراءة لا مجرد ناقل لمواقف الآخرين أو مدافع تلقائي عن كل ما يصدر منهم”.
ثم جاء للإسلاميين من حيث لم يحتسبوا، اعترافه بثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي اقتلعت “نظام الإنقاذ” والمطالبة بمحاسبة حركته على إنشائها قوات “الدعم السريع”. فقال إن الثورة كانت مكتملة الأركان والأسباب والظروف والدواعي سوى أنها سُرقت “من بين يدي الشباب الثائر الحر المستقل، ذلك الشباب الـ’فلوتر’ (غير المنتمي لأحزاب) الذي خرج من أجل وطن أفضل وحياة كريمة ومستقبل أكثر عدلاً ورخاءً، ولم يكُن يجيد ولا يعرف دهاليز السياسة وخبث الساسة ومكر الأحزاب”. وزاد الأمر ضغثاً على إبالة بأخذ الحركة أخذاً وبيلاً لبناء منظومة قوات “الدعم السريع”. فقال إن “البرلمان الذي أجاز قانون ’الدعم السريع‘ يجب أن يخضع للمساءلة وأن تتم محاسبة كل من شارك في إصداره لما ترتب على ذلك القانون من تداعيات خطيرة ووضع راهن لا نُحسد عليه”.
يقول المثل الأفريقي أنه إذا خرجت السمكة من النهر وقالت إن التمساح هلك، فصدقوها بقرينة أنها أدرى بشعاب النهر. وها هو المصباح، قائد كتيبة إسلامية تقاتل بصف القوات المسلحة وأثارت ثائرات ساقت أميركا إلى مقاطعتها، يخرج من فيوض دماء الحرب ليقول إن حركته الإسلامية معلولة جداً، إن لم تمت. فهل من مصدق؟
لم يصدق المصباح لا الإسلاميون، وهذا مفهوم جداً، ولا خصومهم في “لا للحرب” ممن جاءهم على صحن بالمكاشفة التي أمسكوا بخناق الإسلاميين طويلاً للصدع بها وبما ارتكبوا بحق السودان. ويثير هذا التنطع حيال لوم النفس من أطراف النزاع السوداني غلالة شك كثيف إن كنا قد استعددنا حقاً للجلوس إلى بعض إلى طاولات الحوار التي ملأت الدعوات إليها الفضاء السياسي في أيامنا هذه.
فلم يأخذ أمين حسن عمر، القيادي في الحركة الإسلامية والوزير في “دولة الإنقاذ”، المصباح بجدية إن لم يجنح إلى شيء من الوصاية الأبوية عليه. فقال إنه أحسن استقبال كلمته وسماها “تغريدة عندليب” في حين استشأمها آخرون من حركته وعدّوها “نعيب غراب”. ولم يمنعه من حسن استقباله أنه كان عضواً بالبرلمان الذي وضعه المصباح في قفص الاتهام لإجازته قانون “الدعم السريع” عام 2017. فخرج في قوله للدفاع عن ذلك البرلمان أولاً ثم عن نفسه بالنتيجة.
ففي معرض التهمة للبرلمان لإنشائه “الدعم السريع” خارج منظومة الدولة الدفاعية، سأل إن كان للجيش والدولة، أي جيش وأية دولة، الاستعانة بقوات غير رسمية في تصديها للتحديات أمنية وخارجية؟ وطاف بتجارب كثيرة عند غيرنا أجازت لـ”دولة الإنقاذ” الاستعانة بقوات كـ”الدعم السريع”. فـ”الإنقاذ” مسبوقة إلى مثل تلك الاستعانة، ولا تثريب. وزاد أن استعانة الجيش بقوات صديقة، ممارسة سبقت “الإنقاذ”، إذ عرف الجيش السوداني القوات الصديقة منذ عهد الفريق إبراهيم عبود (1958-1964) الذي جيّش ميليشيات من قبيلة المورلي لحرب أول حركة مسلحة للقوميين الجنوبيين، أنيانيا. ثم جاء “الإنقاذ” بـ”الدفاع الشعبي” تابعاً للجيش، ثم استخبارات الحدود التي هي فرع في “الدفاع الشعبي”. ولم يطرأ له أن الخطر ليس في استعانة الجيش بقوة صديقة، بل في تغييرها كيفياً بقانون مثل قانون 2017 لتصبح قوة نظامية مستقلة عنه في كل وجوهها إلا في حالات الطوارئ. لقد جعلت “الإنقاذ” جيشاً ثانياً كسرت به احتكارها للسلاح. وعرف المصباح هول ذلك التفريط في حصرية السلاح من دولته بثمن مضرج فادح لثلاثة أعوام ونيف.
وجاء أمين في الدفاع عن برلمانهم بما لا أعرف كيف جاز. فنفى عن البرلمان ما لا يكون به وهي وظيفة التشريع. فقال إنه لم ينشئ قوات “الدعم السريع” ولكنه “فرض قواعد ونظم لتحركها وتجنيدها وتسليحها وإمرتها العامة”، “فالبرلمان لعلم الابن العزيز لا ينشئ دائماً التشريعات وإنما يسنها (؟) بعد اقتراحها في غالب الحال من الوزارات المختصة ورئاسة الجمهورية ووزارة العدل”. وألقى باللائمة، إذا كانت من لائمة، على وزارة الدفاع التي قدمت مشروع قانون “الدعم السريع” وأجازه النواب. وجاء لوم وزارة الدفاع من جهة، أنها مما لا يسع النواب الوقوف ضد ما تعرضه عليهم من تشريعات لأنها صديقة عندهم، وأدرى بشعاب الحرب دراية لا يطولونها.
ولو كان الأمر على الوجه الذي صوّره أمين فلا يعرف المرء لماذا تداعى النواب، ممن يعدون ما يأتيهم من وزارة الدفاع مُنزلاً، للتصويت على مشروع القانون، أجازوه أو أسقطوه. وبالفعل صوتت النائبة مواهب السيد من الحزب الاتحادي (الأصل) وحدها ضد المشروع. وهكذا كان إسقاط القانون وارداً، لو جرؤ غيرها على التصويت ضده، مما يفسد حجة أمين أن الذي تنزّل من وزارة الدفاع يجاز بالإجماع السكوتي.
وجاء أمين بموقفه الخاص من قانون “الدعم السريع” بما ود المرء لو أنه مما استصحبه في تثمين مراجعات المصباح بأفضل مما فعل. فقال إنه عارض الفكرة، ولم يصوّت بالإيجاب على القانون. ولا يقول بهذا عن تنصل، بل لأن تحفظه على “الدعم السريع” كبير ومعلوم ومنشور. فأخذ على “الدعم” أنها قامت على أسس قبلية إثنية وعشائرية. وذلك خطأ فادح في قوله، تداركته الدولة بتجنيد إثنيات أخرى، وضم حركات مسلحة إلى صفوفها، وانتداب ضباط مهنيين لها. ولكن، يواصل أمين القول، “ما بُني على أساس مائل، فلن يستقيم ابداً”. وصدق.
ولم يسُق ذلك الوعي القديم بخطر “الدعم السريع” أمين إلى تفهم أوثق بمطلب المصباح بمحاكمة البرلمان الذي أطلق وحشاً على الأمة. فعاد لتبرئة البرلمان وإلقاء اللوم على الجيش لأن “أهل الاختصاص مثل الجيش ليسوا هم دائماً يلاحظون من أين تأتي المشكلات. البرلمان يا ابني يا مصباح الهدى والنور عمله ضبط عمل الدولة من خلال التشريعات والقرارت وقد قام بعمله كاملاً وفق دستور أجمعت عليه كل القوى السياسية والمجتمعية”. وهو دستور2005 للسلام الشامل.
ولم يسمع أمين من المصباح أن التمساح مات، أو ربما في طريقه للموت.
لم يتفاءل فائز السليك، رئيس التحرير السابق لـ”أجراس الحرية” صحيفة “الحركة الشعبية لتحرير السودان”، بمراجعات المصباح التي انتظرها أمثاله في “لا الحرب” من الإسلاميين، بل كان بخل الأخيرين بها، مما أثار حفيظة مثله فسعوا سعياً حثيثاً ولا يزال ليشهد لهم العالم بأنهم حركة إرهابية. فلما امتدح المصباح ثورة ديسمبر 2018 التي لمثل فائز حق الاختراع فيها، استنكر ذلك منه، فقال من أين له الاصطفاف مع ثورة “سنّ لها آباؤه وإخوانه السكاكين الصدئة لنحرها ولكسر عظامها، وما فتئوا يترصدونها منذ أن كانت طفلة في ميدان القيادة العامة، حيث ارتكبوا ضد شبابها مجزرة دموية شارك فيها جميع قادة المكون العسكري وكتائب الفلول مشاركة وتحريضاً أو تواطؤاً”.
وعرّج على وصف بعض الناس للمصباح بـ”الأيقونة” في الحرب، فقال إنه “أيقونة بقر البطون، وجز الرقاب، وذبح بني آدميين”، يطل في ثوب الحمل الوديع يطلب حل كتائبه والميليشيات وقيام جيش مهني واحد. ووسوس فائز السليك مما وراء مراجعات المصباح، وتساءل “أهو إعداد لمرحلة مقبلة من أجل هندسة المشهد السياسي؟ أم أنه عبث من الفتى على حسابه بالـ’فيس‘؟ أم يا ترى هي مراجعات حقيقية لشاب أعمته عتمة التدليس وجرفته ورجقة ماكيناته نحو هاوية وعرة دامية”.
فلم يسمع فائز من المصباح أن التمساح مات أو ربما في طريقه إلى ذلك.
ليس يأمن المرء إلى دعوات الحوار التي تتنادى لها الصفوة المدنية في أيامنا، لا ريبة في المقاصد، بل لأنهم خلو من عادة الحوار، فإذا كان الحوار مناجاة مأمونة مع الذات أو الآخر حول ماضيك غثه وثمينه، فلا أعتقد بأنه لا أمين ولا فائز ممن امتلك هذه العادة. فانطوى أمين، وهو من الذات، من دون مراجعات المصباح وأطلق عليها رصاصة التبرير. وكذلك فعل فائز، الآخر الذي وسوس منها أنها ربما مكر آخر.
ومناجاة الحوار خصلة مثقفين لا ناشطين ممن غلبوا في الساحة السياسية الوطنية ربما منذ تأسيسها. فلم يتوطن المثقف في مشروع الحزب السياسي كما توطن الناشط، بخاصة في شرط الديكتاتورية ونكدها الطويل الذي عاشت فيه الأحزاب. فغلب التكتيكي على الاستراتيجي، والإثارة، التي يحسنها كل أحد، على التأمل والبحث.
ولبعض الأحزاب تاريخها الخاص في غيبة المثقف في مشهد ممارستها. فوقع طلاق السياسة والثقافة في حظيرة الأحزاب الموصوفة بالعقائدية مثل الشيوعيين و”الإخوان المسلمين” في أعقاب انشقاقين مرموقين في الحركتين (الشيوعيون في 1951 والإسلاميون في 1969)، تخاصمت قبل وقوعهما طائفتان في كل حركة، طائفة التربويين وطائفة السياسيين، انتهت بغلبة الأخيرين وتواري الأوائل. ولم يستهن السياسيون بالثقافة بالطبع ولكنهم، خلافاً للتربويين، أرادوا اكتسابها في المعمعة السياسية لا في خلوة التربية.
وترافق للحركتين فتح جماهيري كبير بغلبة السياسة غير أن كادرهما لم يوفّق لأسباب ليس هذا مقامها، استدراك التربية والثقافة وتوطينهما في رؤية النشاط العملي اليومي السياسي. وخلافاً للحركتين الشيوعية و”الإخوانية”، بدأت الحركة الجمهورية للأستاذ محمود محمد طه في الأربعينيات سياسية خالصة ثم عادت بعد خلوة روحية للمؤسس لتجعل للتربية الأولوية على السياسة.
شكا الدكتور التجاني عبدالقادر، الإسلامي، منذ عقد أو أكثر من أن الحركة الإسلامية تستهين بالمفكر فيها وتسمية “المفكراتي” لأنه خالي الوفاض من عصبية أو مال. وليس للناشطين فيها غير السمع والطاعة. وها جاءهم المصباح الذي لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء. فهو مسلح بعقيدة (MILITANT) وابن شرط متوحش خرج من رحم حركته ودولته لا خلاف. وها هو يخرج من نهر الدم ليقول إن التمساح قد مات عسى تصدقه، أو الانتحار.
