مصطفى سند: إبرتان وخيط ماء

بقلم: هشام الحلو
حين نتحدث عن مصطفى سند، فنحن لا نستحضر مجرد شاعر سوداني مَرَّ بذاكرة الأدب كطيف عابر، بل نحن بصدد الوقوف أمام “نحات كلمات” فذ، استطاع بعبقرية نادرة أن يمزج بين صلابة الحرف الصخري وعذوبة المعنى الرقراق. في ديوانه الباذخ “البحر القديم”، وتحديداً في قصيدته الملحمية التي وسمها بـ “إبرتان وخيط ماء”، يتجلى سند كصوفيٍّ يحاول غزل المستحيل ثوباً للقصيدة؛ حيث يمثل هذا العنوان تجسيداً حياً للمفارقة الوجودية التي صبغت تجربته الإبداعية برمتها. فالإبرتان هنا تبرزان حدة الوعي، ووجع المخاض، ووخز القلق الذي يسبق ولادة النص، وتلك الدقة المتناهية التي تميز جملته الشعرية، بينما ينسرب “خيط الماء” ليمثل السيولة والحياة والارتباط الوجداني بالنيل الذي كان يسكن مسام الشاعر وروحه. إن محاولة الخياطة بـ “خيط من ماء” هي ذروة الاستحالة الشعرية، لكن سنداً نجح في جعل هذا الماء متماسكاً كالحرير في قصائده، حين يقول بلسان الصوفي المحب: “يا صندل الليل المضاء.. أفرد قميص الشوق حين تطل سيدة النساء.. وتناثر الأحد الصبي يهز أعمدة الغناء.. لو زندها احتمل الندى لكسوت زندك ما تشاء.. ثوباً من العشب العطري وإبرتين من العبير وخيط ماء”.
وفي هذه الأسطر، يقدم سند “كيمياء” لغوية خاصة؛ فاستخدام “إبرتين من العبير” هو نقلة نوعية من الوخز المادي إلى الوخز الحسي الجمالي، فالعبير هنا ليس مجرد رائحة عابرة، بل هو أداة نفاذ تخترق الوجدان كما تخترق الإبرة نسيج القماش. أما “خيط الماء”، فهو الرباط السري الذي يجمع أشتات القصيدة، وهو استعارة للغة التي تنساب بليونة لكنها لا تنفلت، تتبخر في الروح وتتكثف في المعنى. هذا المزيج يعكس رغبة سند الجامحة في تطويع العناصر الهلامية من ريح وعطر وماء، ليصنع منها جسداً ملموساً للقصيدة، وهي سمة نادرة جعلت شعره يبدو وكأنه يُرى ويُشمُّ ولا يُقرأ فحسب. وقد ولدت هذه التجربة الباذخة من رحم مسيرة حافلة؛ فمصطفى سند الذي استقبلته أم درمان عام 1939، نشأ في بيئة سودانية أصيلة، لكن طموحه اللغوي دفعه للتحليق بعيداً عن السائد. ولعل عمله في السلك البريدي والإداري هو ما منحه تلك الدقة “الموظفية” في ترتيب فوضى “الشاعر”، لينطلق في الستينيات كأحد أبرز أصوات “مدرسة الغابة والصحراء”، متميزاً بمنحى كلاسيكي جزيل في لغته، تاركاً للمكتبة العربية دواوين خالدة مثل “ملامح من الوجه القديم”، و”عودة البطريق البحري” التي عكست انكسارات الواقع العربي بمرارة شفيفة، وصولاً إلى “نقوش على ذاكرة الخوف” وآخر أعماله “بيتنا في البحر”.
لقد ظل سند، الذي نال تقدير الدولة وجوائزها الرفيعة، حارساً لقلعة اللغة العربية الفصيحة حتى رحيله عام 2008، مستنداً إلى لغة نخبويّة تأنف التبسيط المخل، وتميل إلى تفخيم العبارة واختيار المفردات ذات الرنين المعدني والجرس الموسيقي العالي. اعتمد في ذلك على الرمزية والأسطورة، فاستلهم من التراث العربي والتاريخ السوداني القديم والأساطير اليونانية، ليعيد صهرها في قالب سوداني خالص تنضح قصائده فيه بالغربة والحنين لزمنٍ مثالي يحاول استعادته عبر الحرف، كأنما كان يهمس في أذن القارئ: “يا صاحبي.. إن كنت تبحث عن بلادٍ لا تموت بها العنادل.. فاحفر بقلبك.. إن قلبك هو الطريق”. وهذا ما جعل رفاق دربه من المبدعين ينظرون إليه بعين الإجلال؛ إذ وصفه الشاعر محمد المكي إبراهيم بأنه الشاعر الذي كان يبهرهم في بدايات مسيرتهم الأدبية، بينما رأى فيه الشاعر محمد عبد الحي صاحب القصيدة الأقوى موسيقى وجرساً، والمحتشدة بالإيقاعات الداخلية. لقد رحل مصطفى سند جسداً، لكن “خيط الماء” الذي نسجه ببراعة لا يزال يربط بين الأجيال الأدبية في السودان، تاركاً خلفه إرثاً يؤكد أن الشعر ليس مجرد رصف للكلمات، بل هو محاولة بائسة وعظيمة في آنٍ واحد لخياطة جراح الروح بـ “إبرتين من ضوء وخيط من ماء”.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

محمد نجيب محمد علي… ضد الإحباط

بقلم: هشام الحلوتتلبسنا الحالة الشعرية عند “محمد نجيب محمد علي” كحالة من التحدي الوجودي، لا …