مـــوت الحركة الإســـلامويـة .. بقلم: على عسكورى
18 مايو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
aliaskouri@gmail.com
فى لقاء صحفي سابق قبل حوالى العقد من الزمان قال الدكتور الطيب زين العابدين:”الحركة الإسلامية أتفرتقت”. وربما كان الطيب كريما أو لطيفاً فى التعبير عن مصير حركة أمضى فيها شبابه وردحا طويلاً من عمره، لأن “الفرتقة” فى اللغة الدارجة تعنى “الإنفضاض”، والإنفضاض يعنى ضمنياً أنه بإلإمكان جمع ذات القوم فى وقت آخر وربما مكان آخر إن دعى الداعى. ولاعتب على الطيب وهو يحاول التخفيف على قومه فيتجنب لغة الصدمة وهى ممارسة إجتماعية راسخة فى السودان مثلما يحدث عند نقل خبر حزين لشخص فقد أحد أبويه إذ يتخير ناقل الخبر المفردات والمقدمات الموحية بالحدث تمهيداً للوصول للخبر الفاجعة، أو توقعاً أن يستنتج المتلقى حقيقة ما وقع.
فى حقيقة الأمر ومالم يقله الطيب، إن الحركة الإسلاموية ماتت وشبعت موت وصارت عظاماً نخرة، رغم ذلك ما أنفك بعض النائحين فى بكائهم مثل الخنساء على أخيها صخر:
يذكرنى طلوع الشمس صخر…. وأذكره لكل مغيب شمس
هولاء “الخنسائيون” بالطبع لا أمل فى شفائهم فبعض البشر يجعلون من الحزن حدثاً مقيماً.
سأدلل على موت الحركة الإسلاموية بحادثين وقعا مطلع هذا الإسبوع قدما دليل آخر على موت الحركة الإسلاموية وهو أمر إستوثقنا منه منذ قرابة العقدين، فالله ما أعطى ولله ما أخذ،” وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”.
الحادث الأول الذى نود الإشارة له هو نقل الولايات المتحدة لسفارتها الى مدينة القدس، وما أدراك ما القدس عند الحركة الإسلاموية. من يعرف إسلامويىّ السودان يعرف تطرفهم “السابق” وتمسكهم بالقدس أكثر من الفلسطينين بل أكثر من سكان القدس أنفسهم؛ حتى كاد أن يترسخ أو قد ترسخ بالفعل عند السودانيين أن بعض إسلامويى السودان من مواليد القدس وانهم أخطأوا الطريق الى “شمال كردفان” او “ضهارى” مدينة الكاملين.
لسنا بصدد مناقشة الرمزية الدينية التى تمثلها القدس لكافة المسلمين وليس فقط للحركة الإسلاموية، لكن ما نشير إليه هو الخطاب المتطرف الذى مارسه أعضاء الحركة الإسلاموية عن القدس وكيف أنهم جاهزون لبذل ارواحهم فداءً لها نيابة عن أهلها وعن كافة المسلمين وهو الأمر الذى لم يفعلوه مطلقاً منذ ظهور الحركة الإسلاموية حتى موتها، فحتى الآن – رغم اجتهادى – لم أعثر على خبر يفيد بمقتل اى من أعضاء الحركة الإسلاموية فى نواحى القدس!
والحال كذلك، كان من الطبيعى أن نتابع ردة فعلهم على نقل السفارة الأمريكية للقدس واعتبار الولايات المتحدة لها بمثابة العاصمة لإسرائيل. ربما صدم البعض بأن ردة فعل الحركة الإسلاموية على ذلك القرار كان صفراً، لا بل صفراً كبيراً، وإن كنت لم أصدم البتة، لأننى كنت واثقاً أن الحركة الإسلاموية قد ماتت قبل قرابة الثلاثة عقود.
فى سابق العصر والأوان، وكردة فعل لما قام به الرئيس”ترمب” كانت مظاهرات الحركة الإسلاموية تملاء الطرقات وتحاصر السفارة الأمريكية ويحرق العلم الأمريكى، ويلعن خطباؤهم “سلسفيل” الصهاينة واليهود، بل ربما شطح بعضهم وطال بلسانه العرب وكثيرا من المسلمين “الخونة” الذين باعوا دين الله، ثم يستمروا يرغوا ويذبوا متوعدين أمريكا بالويل والثبور وعظائم الأمور… وقد أثبتت الأيام أن ما كانوا يمارسونه كان مجرد حالة متكررة من الهذيان، والهذيان لغة هو ” إضطراب عقلى مؤقت”! أما اليوم، ورغم خطورة ما قام به الرئيس الأمريكى، فلاشئ البتة، تبخرت حتى حالة الهذيان التى كانت تنتابهم. كانت كل ردة فعلهم هو إكتفاء بعض “الخنسائيون” بإصدار بعض التعليقات العامة التى لاتسمن ولا تغن عن جوع!
أما الحادث الثانى الذى تزامن مع نقل السفارة فهو المجزرة التى إرتكبها جيش الإحتلال فى شباب قطاع غزة وهى المجزرة التى وجدت الإدانة ربما من جميع شعوب العالم! هذه المجزرة البشعة لم تجد عند الحركة الإسلاموية من يخرج مندداً بها ولا حتى “الخنسائيون”! وكما نذكر، ففى سابق العصر والأوان لم يكن هنالك شئ أكثر إثارة لإحتجاجات ومظاهرات الإسلامويين مثل وقوع حادث لرصفائهم فى قطاع غزة، وكانت غزة هى طفلتهم المدللة، ينقلون خطب قادتها، يدعونهم للخرطوم، يحتفلون بهم ويرسلون لهم ما يشاؤون من معونات وسلاح ومؤون. وما تعثرت سيدة فى غزة إلا وإنفجرت الخرطوم فى تظاهرة عرمرم تصرف فيها ملايين الجنيهات ويحشد لها القوم من اصقاع السودان، ومن شدة انفعالهم بتفاصيل التفاصيل لما يحدث بغزة، سألت الله أن لاترتفع أمواج البحر قبالة شواطى القطاع حتى لا يخرج الإسلامويون فى تظاهرة ليعطلوا كامل الحياة فى البلاد! كان ذلك فى سالف العصر والأوان بالطبع، أما اليوم فإغتيال أكثر من ستين شاباً من القطاع برصاص قوات الإحتلال لايحرك ساكناً.. ألم اقل لكم أن الحركة الإسلاموية قد ماتت!
ترى متى نرتاح من نواح ” الخنسائيين”، من يقول لهم أن “صخرهم” قد مات، وأن حركتهم الإسلاموية “تصبح فى الضريح وفيه تمسى”!
على الإسلامويين أن يدركوا أن حركتهم ماتت عشية 30 يونيو 1989، فقد نحرها حسن الترابى تلك الليلة (أناقش وأحلل مغامرة الترابى وفشله فى كتابى الذى سيصدر الشهر القادم). ورغم خلافى المبدئ مع الإسلامويين وأجندتهم، لكننى لست حالماً لأعتقد أنهم غير موجودين أو إنهم “تبخروا”، فالإسلامويين – رغم موت حركتهم – يظلوا قوة سياسية مؤثرة فى الواقع السياسى السودانى، سواء كانوا فى السلطة او خارجها، ولذلك فتشرزمهم الحالى يؤخر عملية التغيير وإن كان لا يوقفها، لأن التغيير قادم لا محالة inevitable ، ولذلك وبالنظر للمؤامرات التى تحاك ضدهم ويتولى كبرها الجنرال الذى أتوا به للسلطة، وإن كان لى نصح لأقدمه لكثيرين منهم الذين لم يتورطوا فى الجرائم والفساد، فهو أن يتوحدوا تحت أجندة جديدة، أجندة تقبل بالآخر المختلف، وتقبل بأصل اللعبة الديمقراطية فى تبادل السلطة، فإن إنتخبهم الناس حكموا وإن إختار الناس غيرهم عارضوا على بيّنة، لأن الأجندة القديمة لن توحدهم مهما فعلوا، وقد ذاقوا وبال أمرهم منها، أقول ذلك لأننى أعلم أن وحدة الإسلامويين تحت أجندة جديدة ستعجل بالتغيير وستساعد فى إنقاذ الحطام الذى خلفته تجربتهم، بل أكثر من ذلك ستساهم بقدر كبير فى بقاء ما تبقى من البلاد موحدا. صدقونى ايها الإسلامويين ، فإنى والله لكم من الناصحين، فالحركة الإسلاموية ماتت وشبعت موت، توحدوا تحت أجندة وطنية جديدة، كونوا قوة خير وبناء ولا تكونوا قوة هدم وفساد، ولا تنتظروا حتى يفترسكم الذئب!