ملامح من سيرة البطلة رابحة الكنانية .. بقلم: د. خالد محمد فرح

Khaldoon90@hotmail.comلئن كان سجل الأساطير والقصص العربي القديم قد حفظ لنا قصة ” زرقاء اليمامة ” التي أنقذت قومها من مغبة هجوم ماحق كان يوشك أن يباغتهم به جيش عرمرم معادٍ لهم ، بأن أنذرتهم وحذرتهم منه ، بعد أن أبصرته وهو يزحف عليهم من بعيد ، بفضل ما أوُتيت من قدرة استثنائية على الإبصار من مسافات بعيدة ، ولئن ظل الفرنسيون يفخرون إلى يوم الناس هذا ، بمآثر بطلتهم ” جان دارك ” التي عاشت في أواخر العصور الوسطى ، فإن في تاريخنا السوداني بطلات عظيمات كان لهن من مآثر البطولة والشجاعة والفداء والوطنية الصادقة ما يملؤنا بالزهو والافتخار.
فمن بين هؤلاء البطلات السودانيات العظيمات ، امرأة اشتهرت باسمها الأول ولقبها الذي يبين انتسابها إلى قبيلتها فحسب ، ألا وهي: ” رابحة الكنانية “. ارتبطت هذه البطلة بعمل بطولي فذ ، نفذته في شجاعة ووطنية نادرتين ، وفي مرحلة مفصلية وقعت متزامنة مع البدايات الأولى للثورة المفدية في السودان. ذلك بأن الإمام المهدي ، كان قد ارتحل بأنصاره من الجزيرة أبا بالنيل الأبيض إلى كردفان ، وانحاز بهم إلى منطقة ” قدير ” بجبال ” تقلي ” الحصينة في جوار المك ” آدم أم دبالو ” ، لكي يُحكم الاستعداد منها في تؤدة وأمان ، من أجل الاستمرار في الثورة ، ومنازلة قوات الإدارة الاستعمارية الغاصبة ، وذلك عقب نجاحه في الانتصار على قوات الحكومة بقيادة أبو السعود باشا ، وسلبها أسلحتها في أولى معارك المهدية في ” أبا “.
علم راشد بك أيمن مدير فشودة بوصول المهدي وقواته إلى جبال تقلي ، فتحرك من هناك بتاريخ 9 ديسمبر 1881م ، في قوة مدججة بالسلاح والعتاد ، قاصداً مهاجمة معسكر الإمام المهدي في قدير ، بهدف القضاء على حركته قبل أن تستفحل ويشتد عودها. وقد بذل راشد بك قصارى جهده في كتمان أمر مسيره ذاك ، بقصد مباغتة المهدي وأنصاره ، وأخذهم على حين غرة بهجوم خاطف مدمر. ولكن رابحة الكنانية المذكورة ، كانت قد شاهدت حركة راشد بك أيمن وجيشه ، فامطلقت تعدو برجليها بكل ما أُوتيت من قوة ، ولمسافة طويلة جدا ، حتى وصلت إلى معسكر الإمام المهدي في قدير في الثلث الأخير من ليلة الخميس 16 محرم 1299 هـ ، الموافق 28 ديسمبر 1881م ، كما يخبرنا بذلك نعوم شقير في تاريخه الكبير ، فقصت عليه القصص ، وأخبرته بتدبير راشد بك ومسيره إليه. فاستعدّ المهدي وأنصاره لقوات راشد ، وكمنوا لها ، فأوقعوا بها هزيمة منكرة ، أسفرت عن وقوع عدد كبير من القتلى في صفوف الأعداء ، بمن فيهم راشد بك نفسه. وقد مثّل ذلك الانتصار في تلك الموقعة ، فتحاً معنوياً وعملياتياً ولوجستياً ودعائياً كبيراً ، ومهماً للغاية بالنسبة لدعوة الإمام المهدي ولثورته ، مما شجع المزيد من الناس من شتى أصقاع السودان على الانضمام إلى ركب الثورة وهم يرتجزون:
هوّاي .. هوّاي نسيرو
للمهدي في قديرو
ولكن … من هي رابحة الكنانية هذه على وجه الدقة والتحديد والتفصيل ؟ لا تمضي جل المصادر التي عرضت لهذه الجزئية من تاريخ الثورة المهدية ، بما في ذلك كتاب: تاريخ وجغرافية السودان لنعوم شقير الذي أشرنا إليه آنفا ، إلى أكثر من ذكر الاسم الأول لهذه المرأة ، متبوعاً بلقبها الذي هو عي الواقع نسبتها إلى قبيلة ” كنانة “.
أما كنانة التي تنتسب إليها البطلة رابحة الكنانية ، فهي قبيلة سودانية تنتسب إلى قبيلة كنانة العربية القديمة ، ويعيش أفرادها على ضفتي أعالي النيل الأزرق ، حيث يتركز معظمهم بنواحي سنار وسنجة ، وجنوب الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض. وإلى منطقتهم يعود اسم مشروع ومصنع سكر كنانة المشهور ، كما يشتهرون في هذه المنطقة بتربية واحدة من أجود سلالات الأبقار المعروفة بوفرة إنتاجها من اللبن.
ولقبيلة كنانة وجود قديم ومعتبر في كردفان شمالها وجنوبها كذلك ، وخصوصاً في مناطق الحمادي والدبيبات جنوب مدينة الأبيض ، ويستمر انتشارهم إلى الجنوب من ذلك حتى منطقة تقلي يشرق جبال النوبة ، وإلى هؤلاء الأخيرين كانت تنتمي بطلتنا رابحة الكنانية ورهطها.
هذا ، ومن أبرز أعلام كنانة بشمال كردفان: ” الشيخ كباشي تور بُقُلْ ” بضم الباء والقاف ، وهو مذكور في كتاب الطبقات لمحمد النور بن ضيف الله.
على أن الأستاذة الجامعية والباحثة الفرنسية الراحلة ، الدكتورة فيفيان أمينة ياجي ، رحمها الله ، تفيدنا في كتابها الموسوم ب ” الخليفة عبد الله… حياته وسياسته ” ، بأن الاسم الكامل لبطلتنا هو: ” رابحة بت علي ود مرعي “. ولكن صديقنا الباحث والصحافي والشاعر الشاب الأستاذ ” عماد محمد بابكر ” ، يخبرنا في مخطوطة كتاب يزمع إصداره قريباً عن قبيلة كنانة وتراثها الشعبي ، اطلع كاتب هذه السطور على طرف من محتوياته ، أن الاسم الكامل الكامل لهذه البطلة هو: ” رابحة بت حسن ود زايد الكناني العريقابي ” ، نسبة للعريقاب ، وهم بطن من كنانة كانوا يسكنون على سفح جبل بمنطقة تقلي يقال له ” الجرادة ” في الزمان الذي وقعت فيه معركة راشد بك أيمن ، وفقاً لإفادة من أحد أبناء تلك المنطقة ، فالله أعلم أيُّ ذلك كان !.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ ما صنعته البطلة رابحة الكنانية ، سوف يظل مأثرة خالدة أبد الدهر ، من مآثر البسالة والبطولة والتضحية تكلل هامات بنات السودان وأولاده كذلك ، بأكاليل المجد والعزة والفخار على مرِّ الأزمان ، وتعاقب الأجيال.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً