من الثورة الى الدولة: جدلية استراتيجيات البرهان والسلطان في تغيير السودان .. بقلم: الدكتور أحمد صافي الدين
22 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
لن يمل كاتب هذه الاسطر الحديث عن حاضنات الفكر، ومؤسسات التفكير، فهذه المؤسسات هي التي تقود اليوم الدول الكبرى. حيث ان ما اصطلح عليه بال(think tanks) تقود زمام المبادرة في التغيير، تسهم في صناعة القرار، ووضع الاستراتيجيات للدول، والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة. فالعالم لا يدار بالعقول الغافلة، ولا بفكر زرق اليوم باليوم، وانما هنالك باحثون مفكرون يسهرون ليل نهار للعمل على استخراج كنوز العقل وتوظيفها. ونحن في السودان دائماً في اسف لان مشكلات ما قبل الاستقلال ما تزال تنتظرنا، فأي عقل هذا، وأي تخطيط؟ يشير محمّد أبو زهرة في كتابه المسمى “أبو حنيفة: حياته وعصره آراؤه وفقهه” في معرض حديث له عن المعتزلة بقوله:”إن انهزام الآراء التي تناصرها القوة المادية أمر محتوم، لأن القوة المادية رعناء هوجاء من شأنها الشطط والخروج عن الجادة، وكل رأي يعتمد على هذه القوة في تأييده تنعكس عليه الأمور،لأن الناس يتظننون في قوة دلائله، إذ لو كان قويا بالبرهان، ما احتاج في النصرة إلى السلطان”. ويبين عبد الله بن نافع الدعجاني “إنّ الدواة والقلم وسيلتان لتطهير صداءة الأذهان، وإزالة جهالة العقول، وتحرير النفوس من أغلال وآسار الأمية العمياء. ويضيف :”بكينا ضحايا أزمة أمية القراءة والكتابة في مجتمعاتنا حتى توجهنا بكلِّيَّتنا إلى محاولة التخفيف منها ، ولكن ضحايا أزمة أمية الفكر لا بواكي لهم !! فهل لخفاء هذه الأزمة دور ؟ أم لعظم عوائق علاجها تأثير ؟ أم لتلبس هذه الأزمة لباس العلم والثقافة والنضج – وهي منها براء – أثر ؟” ويقول إن بيضة الحضارات البشرية قد انفلقت عن كبرى حقائقها القائلة “إن الدواة والقلم وسيلتان لتطهير صداءة الأذهان، وإزالة جهالة العقول، وتحرير النفوس من أغلال وآسار الأمية العمياء”. فالحديث عن التفكر الذي هو دعوة قرآنية راسخة القدم، فيشير ابن قيم الجوزية الى ان الفكرة اعلاها واجلها ما كان لله والدار الاخرة، واما انواعها فهي:الفكرة في الآيات المنزلة وفهم المراد منها. والفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها. والفكرة في آلائه ونعمه واحسانه على خلقه. والفكرة في عيوب النفس والعمل وآفاتهما. والفكرة في واجب الوقت ووظيفته . لا خلاف في أنّ العالم كله،في حاجة ماسة الى مؤسسات فكرية تقوده الى تحقيق الاهداف الكبرى. ولا بد أن يصاحب قيام هذه المؤسسات هذه تكوين للمفكرين، ويعهد اليهم تحديد الاولويات الفكرية للامة.كما أن من واجب المؤسسات الفكرية مجابهة الغزو ، وذلك لنزع زمام القيادة من الصنائع الذين هم وبال على الامة. فالبناء الفكري هو إدراك محيط ما من خلال الدوامة المتكونة من تحصيل وتراكم المعرفة وبرمجتها وتنظيمها بالاستنتاج (التفقه) إلى سلوك وخبرة من خلال التفاعل مع المحيط. والمحيط هو البيئة التي يتم فيها البناء الفكري. والبناء الفكري يفرز خبرة ومهارة علمية في حقل علمي، وفي البيئة الاجتماعية يفرز دراية وقدرة في التعامل مع البيئة الاجتماعية أيا كانت، وفي البيئة الاقتصادية يبني القدرة على إدارة المال وتنميته وهكذا دواليك. وللبناء الفكري أدواته مثلما للبناء المادي. وويمكن ترتيب أدوات البناء الفكري على أساس غاياتها البنائية وهي:أولاً: الأدوات التأسيسية: ويقصد بها الأدوات التأهيلية التي تحدد حجم وشكل البناء وأبعاده وأهم هذه الأدوات:أ- التربية. ب – الفطرة. ج- العبادة. وثانياً: الأدوات المعرفية وتشمل أ- القراءة العلمية. ب- المناقشة.ج- الاستماع والمشاهدة.د- التجارب والاختبار. وثالثاً: الأدوات التطويرية والإبداعية هي:أ- الكتابة والتأليف. ب- الحوار.ج- المشاركة في تأسيس وتطوير المشاريع الاجتماعية وبناء المؤسسات.د- إلقاء المحاضرات. ه- التجارة.ح- البحث العلميّ والدّراسات العليا. فقد سبق أن سجل (انطوني رابيينز) سبعة اصول ليقوم عليها النظام الفكري الذي يتمتع به الناجحون والمتفوقون:
– اولها: “انه لا معلول بدون علة وغاية”؛ وثانيها: “ليس ثمة شيء اسمه الفشل”؛ وثالثها يرتكز على ضرورة: “تحمل مسئولية كل ما يحدث”؛ ورابعها هو أن “الانتفاع من الشيء ليس بالضروري معرفته بالكامل”؛ وخامسها هو “أن الآخرين اعظم ارصدة”؛ وسادسها هو أن “العمل ضرب من ضروب التسلية والترفيه”؛ وسابعها: ما من نجاح دائم يأتي من دون مثابرة”. فتبني هذه الاصول يمكن ان يقود الى تحقيق نهضة فكرية متى ما توفرت شروطها الاخرى. يقول الامام الشّيرازيّ : إنَّ سكينةَ القلبِ تُوجبُ الاتزانَ في التفكيرِ، وهو بدورهِ يوجبُ التحرُّكَ الصحيحَ نحوَ الأهدافِ الرفيعة.وفي عصرنا الرّاهن، فان عمليّة تنمية الإبداع في عالم الأفكار وغيره، تكون بالتّغلب على المعوّقات. ومن غير ذلك يكون نصيب ومكان أصحاب ذوي الفّكر هو مقابر الموهوبين. فعمليّة تكوين المفّكّرين أمر بالغ الصّعوبة في المجتمعات المختلفة. ومن هنا يرى بعض المختصين بأن علّة الأمّة الإسلاميّة تكمن في اعتلال فكرها ومنهجيتها؛ الأمر الذي ترتبت عليها آثاراً ظاهرة وبارزة، كان من أبرز ثمارها الواقع الرّاهن الذي يحتاج إلى تشخيص سليم للدّاء، ومن ثمّ البحث له عن دواء. فالبحث عن الأمن الفّكريّ انطلاقاً من مفهوم الوسطيّة، مع قراءة واعية واستخلاص لتجربة التّراث العربيّ والإسلاميّ، لقطف ثمارها والاستفادة من كنوزها المعرفيّة أمر ملح، يتوجب على الجميع السّعي للوصول إلى أقصى فائدة ممّا فيه. إنّ الالفاظ او الكلمات التي تحمل افكارا هي أسلحة يمكن أن تلذع ، وان تصدم وان تهين، وان تصيب السمعة، وان تدمر عملا، او أن تثير إعمال العنف والشغب .
ومهما يكن من امر، فان اهل السودان عامة وخاصته بالتحديد مطالبون بالعزم الاكيد على تحقيق الانتقال لكن الشرط الضروري هو تبني التخطيط الاستراتيجي من خلال مراكز تعد خصيصاً لهذا الغرض، وحين يتم ذلك فان السودان موعود بنهضة غير مسبوقة لما يتوافر من شروط لتحقيقها.
dr.ahmedsafidinfdi@gmail.com