باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 16 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من تجريم الفيدرالية إلى الفيدرالية الإسمية ثم إلى الفيدرالية الفعلية

اخر تحديث: 16 أغسطس, 2026 12:32 مساءً
شارك

من تجريم الفيدرالية إلى الفيدرالية الإسمية ثم إلى الفيدرالية الفعلية: لماذا عجز السودان عن تحويل تقاسم السلطة والثروة إلى عقد اتحادي ديمقراطي، وكيف يمكن بناء فيدرالية قابلة للحياة بعد الحرب؟
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لتاريخ الفيدرالية في السودان، متجاوزاً الأسئلة الاختزالية حول مدى ملاءمة هذا النظام للبلاد، ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً: لماذا عجز السودان عن تحويل تقاسم السلطة والثروة إلى عقد اتحادي ديمقراطي قابل للإنفاذ، وكيف يمكن بناء فيدرالية قابلة للحياة بعد الحرب؟ ينطلق المقال من أطروحة مركزية مفادها أن فشل الفيدرالية السودانية لم يكن بسبب التنوع بحد ذاته أو لأنها تؤدي حتماً إلى الانفصال، بل يعود إلى غياب العناصر الجوهرية التي تضمن فعاليتها، وهي: دستور ديمقراطي توافقي، واستقلال إقليمي محمي، وموارد مالية يمكن التنبؤ بها، ومعادلة مالية عادلة، وقضاء دستوري مستقل، وشرعية انتخابية، واحتكار وطني مشروع للعنف، ومؤسسات تمنع أي طرف من تحويل النظام الاتحادي إلى أداة للهيمنة. ويرى المقال أن جوهر المشكلة يكمن في تصميم الفيدرالية نفسها، وتحديد من يملك السلطة والمال والسلاح، ومن يمثل السكان، ومن يحسم النزاعات، ومن يمنع تحول الحدود الإدارية إلى حدود قبلية أو عسكرية، ومن يجعل الوحدة الوطنية أكثر جاذبية من الانفصال.

في الفصل الأول، يوضح المقال المفهوم المؤسسي للفيدرالية، مفرقاً بينها وبين اللامركزية الإدارية والحكم الإقليمي. فالفيدرالية تقوم على وجود مستويين أو أكثر من الحكم يتمتع كل منهما باختصاصات دستورية، مع حكم مشترك على المستوى الاتحادي وحكم ذاتي على المستوى الإقليمي، وتتطلب حماية دستورية لتوزيع الاختصاصات، وآلية مستقلة للفصل في النزاعات، واستقلالاً مالياً وإدارياً وسياسياً، ومؤسسات تمثل الأقاليم في الحكم الاتحادي. ويشير المقال إلى أن زيادة عدد الولايات قد تؤدي إلى زيادة المركزية، حيث تصبح كل ولاية أصغر وأكثر اعتماداً على التحويلات والتعيينات المركزية، مما يضعف القوة التفاوضية للأقاليم. ويستعرض المقال مخاطر الفيدرالية كتضخم المؤسسات وتعدد مراكز الفساد وتفاوت القدرات بين الأقاليم، مؤكداً أن الفيدرالية الضعيفة أسوأ من المركزية الواضحة، لأنها تخلق توقعات بالحكم الذاتي ثم تخيبها، فتضيف أزمة ثقة إلى أزمة التهميش. ويخلص إلى أن الفيدرالية الفعلية تتطلب وضوحاً تاماً بشأن المسؤوليات والتمويل والمحاسبة.

يتناول الفصل الثاني الجذور التاريخية للجدل الفيدرالي منذ مؤتمر جوبا 1947 ومؤتمر أكتوبر 1954، حيث أقر المؤتمر الجنوبي الانضمام إلى السودان المستقل على أساس نظام فيدرالي بأغلبية ساحقة، وهو ما يكشف أن المطالبة بالفيدرالية لم تكن تعني الرغبة في الانفصال، بل كانت وسيلة للانضمام إلى دولة موحدة. لكن النخبة الشمالية نظرت إلى الفيدرالية كخطوة أولى نحو التفكك، مما أدى إلى رفضها واعتماد نظام مركزي عند الاستقلال في يناير 1956، واندلاع تمرد توريت في أغسطس 1955، وهو ما يمثل أزمة ثقة عميقة. يخلص المقال إلى أن تجريم المطالب الفيدرالية يحولها من قضية دستورية قابلة للتفاوض إلى قضية هوية ومقاومة، وعندما تغلق الدولة قنوات التفاوض، تتحول القضية الدستورية إلى قضية أمنية، مما يرفع تكلفة النزاع.

في الفصل الثالث، يحلل المقال اتفاقية أديس أبابا 1972، التي أنهت الحرب الأهلية الأولى وأنشأت حكماً إقليمياً للجنوب، لكنها لم ترق إلى الفيدرالية الكاملة التي طمح إليها الجنوبيون. ويشير إلى أن المفاوضات السياسية والأمنية كانت أكثر تفصيلاً من المفاوضات الاقتصادية، مما جعل الحكم الذاتي تابعاً لإرادة المركز في التمويل، ويؤكد أن الحكم الإقليمي يمكن أن يوقف الحرب دون أن يحل جذور الصراع، وأن السلام المستدام يحتاج إلى شرعية محلية ومؤسسات منتخبة وموارد مستقلة ومشاركة شعبية. ويستعرض كيف أدى تدخل المركز وتقسيم الإقليم وتصاعد الخلافات حول النفط والشريعة إلى إلغاء الحكم الإقليمي في 1983 وإشعال الحرب الثانية، ليخلص إلى أن الحكم الذاتي دون حماية دستورية وقواعد ثابتة يمكن إعادة اختزاله إلى إدارة محلية عندما تتغير موازين القوة.

في الفصل الرابع، يركز المقال على تجربة عهد الإنقاذ (1989-2019)، التي أعلنت الفيدرالية صراحة وكُرست في دستور 1998، لكنها كانت في الواقع “فيدرالية سلطوية”، حيث احتفظ المركز بسلطات التعيين والمال والأمن، بينما توسعت مسؤوليات الولايات في الخدمات دون تمكين مالي، مما خلق “لامركزية غير متناظرة”. ويشير إلى أن نظام تعيين الحكام مركزياً جعل ولاءهم للمركز لا للإقليم، وأن النظام الحزبي السلطوي حال دون مساءلة مستقلة، كما أن الفيدرالية كانت وسيلة لإدارة ضغوط الحروب والتهميش. ويعترف المقال ببعض المكاسب كتوسع المؤسسات المحلية وتقريب الخدمات، لكنه يبقى ناقداً لغياب القواعد التي تمنع إعادة المركزية ولعدم تكافؤ القدرات المالية والإدارية بين الولايات، محذراً من النقد الأحادي وإهمال مشكلات الفساد وضعف التخطيط في الولايات نفسها.

يتناول الفصل الخامس الفيدرالية المالية بوصفها الحلقة الأهم في نجاح أو فشل الاتحاد، مستعرضاً بيانات البنك الدولي التي تظهر اختلالاً رأسياً حاداً، حيث تعتمد معظم الولايات على التحويلات الاتحادية بنسب تتراوح بين 25% و89% من إيراداتها، كما يظهر اختلال أفقي كبير بين الولايات، مثل ولاية الخرطوم التي تعتمد على إيراداتها الذاتية بنسبة 74% مقابل 11% فقط في وسط دارفور. ويشير المقال إلى أن هذه الأرقام تعكس بنية سياسية تجعل الاستقلال الإقليمي محدوداً، وأن المعادلة المالية يجب ألا تكون منحة سياسية بل حقاً دستورياً قائماً على متغيرات واضحة كالسكان والفقر والمساحة وتكلفة الخدمات، مع تمييز إيجابي للمناطق المتضررة من الحرب، مع التحذير من تعقيد الصيغة وعدم شفافيتها، ودعوة إلى قاعدة مالية بسيطة وشفافة، وتقسيم الإيرادات إلى اتحادية ومشتركة ومحلية، مع نظام مشاركة للموارد الاستراتيجية.

في الفصل السادس، يناقش المقال الاقتصاد السياسي للموارد الطبيعية، مستعرضاً ثلاث مقاربات متنافسة: ملكية الدولة الاتحادية، ملكية الإقليم المنتج، ونموذج المشاركة متعددة المستويات الذي يبدو الأكثر ملاءمة للسودان. ويشدد على ضرورة هذا النموذج خاصة في الذهب لتجنب تحويل مناطق التعدين إلى جيوب اقتصادية للنزاع، مشيراً إلى أن استغلال الموارد مرتبط بالقطاع الأمني والتمويل السياسي والزبائنية، مما يستلزم إصلاح الاقتصاد السياسي ككل. وينتقل إلى قضية الأرض الأكثر حساسية، حيث ترتبط نزاعات دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان بالحيازة ومسارات الرعي والمياه والإدارة الأهلية، ويستعرض اتفاق دارفور 2006 الذي نص على الفيدرالية ودور الإدارة الأهلية مع إخضاعها للدستور، محذراً من أن الإدارة الأهلية لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الدولة أو مصدراً أعلى من الدستور أو سلطة سياسية دائمة على أساس قبلي.

في الفصل السابع، يستعرض المقال الحجتين النظريتين المتعارضتين حول علاقة الفيدرالية بالنزاع، حيث ترى المدرسة المؤيدة أن الحكم الذاتي يقلل الصراع على المركز ويدير التنوع، بينما تحذر المدرسة النقدية من أن الفيدرالية قد تعزز الانقسامات إذا تطابقت الحدود مع الهويات الإثنية. وتشير التجربة السودانية إلى صحة كلا الاحتمالين، لذا يركز المقال على الشروط التي تجعل الفيدرالية أكثر احتمالاً لمنع الحرب، وهي: عدم تحويل الإقليم إلى ملكية جماعة، وانتخاب الحكومات الإقليمية، ومراجعة الحدود دستورياً، ونظام مالي عادل، وجيش واحد، وقضاء مستقل، وحماية حقوق الفرد داخل الأغلبية الإثنية، مؤكداً على مفهوم الفيدرالية غير الإثنية التي تعترف بالتنوع دون جعل الانتماء القبلي شرطاً للمواطنة أو الملكية السياسية.

في الفصل الثامن، يستعرض المقال ترتيبات الفيدرالية في اتفاقات السلام الإقليمية، كاتفاق شرق السودان 2006 واتفاق دارفور 2006 اللذين نصا على الفيدرالية والحكم المحلي والسلطات الإقليمية، لكن استمرار النزاع يثبت أن النصوص وحدها ليست كافية. وينتقل إلى اتفاق جوبا 2020 الذي وسع النقاش ونص على نظام إقليمي فيدرالي حقيقي واستعادة الأقاليم ومؤتمر للحكم، مما يكشف عن مفهوم الفيدرالية غير المتناظرة، محذراً من أن جعل السلطة الخاصة مكافأة لمن يحمل السلاح يخلق استراتيجيات عنف للحصول على وضع دستوري أفضل. ويخص دارفور بالذكر، حيث عودة الإقليم الواحد تتطلب سلطة وموارد حقيقية وإدارة للأرض والمؤسسات، بينما أقر قانون الحكم الإقليمي في يونيو 2026 في بيئة ما زال فيها احتكار العنف غير محسوم، مما يكشف خطورة إنشاء مؤسسات إقليمية في ظل انقسام عسكري.

في الفصل التاسع، يحلل المقال اتفاق جوبا باعتباره لحظة مهمة جعلت الفيدرالية جزءاً من إعادة بناء الدولة، مع التركيز على المشاركة والتمثيل والتمييز الإيجابي، لكنه ينبه إلى تعقيد الاتفاق وعدم اتساق بعض ترتيباته، وإلى حاجته لمؤتمر دستوري أوسع. ويطرح إشكالية شرعية اتفاق السلام، فهو ليس دستوراً دائماً بل ترتيبات انتقالية، ولا ينبغي أن يحل محل عملية تأسيسية تشاركية تشمل القوى المدنية والمجتمع. ويشير إلى أن اتفاقات السلام السابقة غالباً ما أصبحت أدوات لتقاسم المناصب بين النخب، مستعرضاً مفهوم “السوق السياسي”، ويؤكد على التمييز بين شرعية التفاوض وشرعية الحكم، فالحركة المسلحة طرف في مفاوضات السلام لكنها ليست ممثلاً دائماً للسكان، لذا يجب أن تكون ترتيبات السلطة انتقالية ومراجعة ديمقراطياً، وألا تتحول إلى ملكية سياسية دائمة.

في الفصل العاشر، يصل المقال إلى قضية الجيش والأمن التي أصبحت الأهم بعد حرب 2023، مؤكداً أن الفيدرالية تفترض تعدد مراكز الحكم لا تعدد مراكز السيادة المسلحة، فالدفاع الوطني يجب أن يكون اتحادياً، محذراً من تحول الحكومات الإقليمية إلى قوى مسلحة أو استخدام الموارد الإقليمية لبناء جيوش خاصة، ومستشهداً بتجربة جنوب السودان والأدبيات المقارنة. ويشير إلى أن الحرب جعلت البلاد ذات جغرافية عسكرية متغيرة، لذا يجب أن يقوم النموذج المستقبلي على مبدأ “لا مركزية مدنية، لا لامركزية عسكرية”، مع عملية متزامنة لإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح وإعادة الدمج، وإعادة بناء جيش وطني واحد يخضع للسلطة المدنية، دون استخدام “الجيش الواحد” كذريعة لإعادة المركزية المطلقة، بل لضمان احتكار اتحادي شرعي للعنف وليس احتكاراً عسكرياً للسياسة.

في الفصل الحادي عشر، يحذر المقال من بناء فيدرالية إثنية أو قبلية، مستشهداً بتجربة جنوب السودان التي أدت إلى تضخم المطالب القبلية، ويؤكد على أن التقسيم الإداري قد يهدئ الهوية إذا كان مدنياً أو يضخمها إذا جعلها أساساً لتوزيع السلطة. ويدعو إلى فيدرالية إقليمية غير إثنية، تحترم التنوع الثقافي واللغوي لكن دون حق قبلي في الحكم، مع الحفاظ على الإدارة الأهلية في وظائفها الاجتماعية والتصالحية وإخضاعها للدستور والقانون، وتحديد الحدود بناءً على عمليات دقيقة تشمل توثيق الملكية، تسوية النزاعات، عودة النازحين، سجل سكاني، مشاورات، تقييم اقتصادي، وتحكيم دستوري، لا على ميزان القوة العسكرية.

في الفصل الثاني عشر، يناقش المقال تحديات الحرب التي غيرت الخريطة السكانية والسياسية، حيث نزح الملايين وتغيرت مراكز المدن وانهارت المؤسسات، مما يعني أن الفيدرالية المستقبلية يجب أن تعكس واقع ما بعد الحرب لا نسخة من الماضي. ويطرح أسئلة معقدة حول التمثيل الإقليمي وحقوق النازحين في التصويت، مؤكداً على المواطنة لا الأصل القبلي كمعيار. ويستعرض تجربة غرف الطوارئ التي شكلت أكثر من 700 غرفة بمشاركة 26 ألف متطوع، كدليل على فعالية اللامركزية المجتمعية في ظل انهيار الدولة، ويدعو إلى تصميم إعادة الإعمار على أساس “فيدرالية الأداء” حيث تمول الحكومة الاتحادية وتضع المعايير، وتخطط الأقاليم وتنفذ، وتراقب المحليات، ويشارك المواطنون.

في الفصل الثالث عشر، يقدم المقال نموذجاً مؤسسياً ومالياً وأمنياً مقترحاً للفيدرالية الفعلية في السودان، يتضمن اثني عشر ركيزة: دولة اتحادية ديمقراطية مدنية، وثلاثة مستويات حكم واضحة (اتحاد، إقليم، محلية)، وأقاليم قليلة قابلة للحكم وفق معايير موضوعية، وتوزيع دستوري للاختصاصات في قوائم حصرية ومشتركة مع مبدأ التبعية، ومجلس أقاليم قوي يحمي مصالح الأقاليم، ومحكمة دستورية مستقلة، ونظام معادلة مالية دستوري وشفاف قائم على متغيرات محددة، وصندوق وطني للموارد الطبيعية بحسابات مفتوحة وتدقيق مستقل، وجيش وطني واحد مع شرطة إقليمية خاضعة للقانون، وانتخابات إقليمية ومحلية مستقلة، وعدم منح امتيازات دائمة للحركات المسلحة، وفيدرالية قائمة على البيانات والمعلومات.

في الفصل الرابع عشر، يقترح المقال مؤشراً لقياس الفيدرالية الفعلية (Sudan Effective Federalism Index) من 100 نقطة، بعشرة أبعاد تشمل الاستقلال الدستوري والتشريعي والمالي والانتخابي والقضائي، والسيطرة المدنية على الأمن، والمشاركة والمساءلة، مع إضافة مؤشر نتائج يقيس الفقر، التفاوت، الصحة، التعليم، البنية التحتية، والنزاعات، مما يسمح بفحص أثر الفيدرالية على حياة المواطنين من خلال تحليلات كمية مقارنة.

في الفصل الخامس عشر والأخير، يخلص المقال إلى أن السودان لم يجرب نموذجاً واحداً بل أشكالاً مختلفة من المركزية والحكم الإقليمي والفيدرالية السلطوية والتفاوضية، وكانت نتائجها متفاوتة بشروطها المؤسسية. ويؤكد أن الفيدرالية أداة مؤسسية يمكن أن تكون للسلام أو الصراع، وأن المشكلة الجوهرية تكمن في خمسة اختلالات مترابطة: سياسي، مالي، أمني، تمثيلي، واجتماعي، وإذا لم تعالج معاً، سيظل أي إعلان فيدرالية اسمية. ويقدم النموذج القابل للحياة كاتحاد ديمقراطي مدني مع مستويات حكم واضحة، وأقاليم قابلة للحكم، ومجلس أقاليم، ومحكمة دستورية، ومعادلة مالية شفافة، وجيش واحد، وشرطة خاضعة للرقابة، وحقوق فردية، وحماية للأقليات، وعملية دستورية تشاركية. ويختتم المقال بأن الوحدة لا تحفظ بإضعاف الأقاليم بل بجعل الاتحاد أكثر عدلاً وجاذبية، وأن الاختبار الحقيقي هو قدرة الإقليم المنتخب على ممارسة اختصاصاته وتعبئة موارده والحصول على تحويلاته وانتخاب قيادته والمشاركة في التشريع والطعن أمام القضاء دون إذن من الخرطوم، فإن تحقق ذلك كان السودان قد انتقل من فيدرالية الاسم إلى فيدرالية الفعل، وإلا أعاد إنتاج الدورة التاريخية من مركزية وتهميش وتمرد وسلام اسمي وحرب جديدة. ويختم بأن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الفيدرالية عدداً، بل إلى فيدرالية أعمق دستورياً، وأعدل مالياً، وأكثر ديمقراطية، ومدنية، وانفتاحاً، وقابلة للقياس، حيث تتحول الفيدرالية من قضية انقسام إلى أداة لإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والموارد والمساءلة والسلام والأداء.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: من سؤال الوحدة والانفصال إلى سؤال الدولة القابلة للحياة

تاريخ الفيدرالية في السودان ليس تاريخ نظام دستوري واحد جرى تبنيه ثم اختباره، وإنما تاريخ طويل من الرفض، والاشتباه، والتجريب، والتراجع، وإعادة التسمية، وإعادة المركزية، والتفاوض المسلح، ثم العودة المتكررة إلى الفيدرالية بوصفها علاجاً لمشكلة التهميش. ولهذا فإن أكثر الأسئلة اختزالاً، مثل هل الفيدرالية مناسبة للسودان أم لا، لا تفسر شيئاً مهماً من التجربة السودانية. السؤال الأكثر دقة هو: لماذا انتقل السودان من التعامل مع الفيدرالية بوصفها مطلباً خطراً أو شبه انفصالي إلى إعلانها دستورياً، ثم تطبيقها بصورة مركزية مقنعة، ثم إعادة طرحها في اتفاقات السلام، من دون أن ينجح في بناء نظام مستقر تتوزع فيه السلطة والموارد بصورة دستورية وقابلة للإنفاذ.

تكشف المقارنة التاريخية أن المشكلة السودانية لم تكن مجرد «نقص اللامركزية»، بل كانت أعمق من ذلك. فقد نشأ خلاف مبكر حول طبيعة الدولة نفسها: هل تكون دولة موحدة شديدة المركزية، أم اتحاداً يضمن للأقاليم المختلفة قدراً حقيقياً من الحكم الذاتي داخل دولة واحدة. وقد أظهر المؤتمر الجنوبي في أكتوبر 1954 تأييداً ساحقاً لخيار الانضمام إلى السودان المستقل على أساس اتحادي؛ وتشير الأدبيات إلى أن التصويت على هذا الخيار جاء بعد نقاش طويل حول معنى الفيدرالية وقدرة الجنوب على إدارة وحدة اتحادية (Johnson, 2014; Ahmed, 2022). ثم لم تتحول تلك الرغبة إلى ترتيب دستوري دائم، واستمرت المركزية، واندلعت الحرب في 1955 قبل الاستقلال الرسمي في يناير 1956، بما يجعل علاقة الدولة الناشئة بتصميمها الدستوري واحدة من القضايا التي لا يمكن فصلها عن جذور الحرب الأولى.

والأهم أن الفيدرالية في السودان لم تكن دائماً مطالبة بتقسيم الدولة. ففي أديس أبابا عام 1972، دخل ممثلو الحركة الجنوبية المفاوضات وهم يفهمون «الحكم الذاتي» على نحو أقرب إلى الفيدرالية، بل قدموا تصوراً لدولة اتحادية تضم إقليماً شمالياً وآخر جنوبياً في ظل حكومة اتحادية مشتركة، لكن الاتفاق انتهى إلى صيغة أقل اتساعاً هي حكومة الإقليم الجنوبي (Johnson, 2016). ولم يتضمن مسار التفاوض آنذاك معالجة اقتصادية مماثلة للتفصيل الذي حظيت به الترتيبات السياسية والأمنية، وهو نقص كان ذا أثر طويل المدى في قابلية التسوية للحياة.

ثم جاء عهد الإنقاذ ليعلن الفيدرالية صراحة، لكن المفارقة الكبرى ظهرت هنا: يمكن أن تكون الدولة فيدرالية في الدستور ومركزية في الاقتصاد والسياسة والأمن. وقد خلصت دراسة El-Battahani وGadkarim إلى أن المركز ظل الحكم النهائي في توزيع الموارد السياسية والاقتصادية، وأن التحويلات المالية بقيت شديدة المركزية، وأن العلاقة بين التحويلات وخفض الفقر لم تكن منهجية، وأن نظام المعادلة المالية لم يكن عادلاً ومستقراً بما يكفي، وأن اللامركزية السياسية والمالية لم تكن حقيقية (El-Battahani & Gadkarim, 2017). وتؤكد بيانات البنك الدولي الصورة نفسها، ولكن بلغة كمية أكثر تحديداً. ففي 2017 و2018 كانت التحويلات الاتحادية تمثل نصف إيرادات معظم الولايات على الأقل، ووصل الاعتماد على التحويلات إلى نحو 89% من إيرادات ولاية وسط دارفور، مقابل نحو 26% في الخرطوم؛ وكانت إيرادات الخرطوم الذاتية تمثل نحو 74% من إجمالي إيراداتها، في حين لم تتجاوز النسبة نحو 11% في وسط دارفور (World Bank, 2021). وهذه الأرقام تعني أن المشكلة لم تكن فقط أن الخرطوم «أقوى» من الأقاليم، بل أن البنية المالية نفسها جعلت استقلال القرار الإقليمي محدوداً. فإذا كانت الولاية مسؤولة دستورياً عن خدمة عامة لكنها تعتمد في تمويل رواتب موظفيها ومدارسها ومستشفياتها على تحويلات يحددها المركز، فإن نقل المسؤولية لا يساوي نقل السلطة. وإذا كان المركز يستطيع التحكم في الإيرادات وفي القيادات وفي الأمن وفي القرارات الكبرى، فإن وجود برلمان أو حكومة ولائية لا يحول النظام تلقائياً إلى فيدرالية فعلية.

بعد ثورة ديسمبر 2018-2019 عاد السؤال في صورة جديدة. فقد نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019 على أن السودان دولة لا مركزية، بثلاثة مستويات للحكم، اتحادي وإقليمي أو ولائي ومحلي، مع اختصاصات حصرية ومشتركة وموارد لكل مستوى. ثم جعل اتفاق جوبا للسلام لعام 2020 الانتقال إلى «نظام إقليمي ـ فيدرالي حقيقي» جزءاً من التسوية، ونص على استعادة نظام الأقاليم، ومراجعة الحدود والتقسيم الإداري، وتحديد اختصاصات المستويات المختلفة، مع ترتيبات خاصة لدارفور والمنطقتين (Constitutional Charter, 2019; Juba Agreement, 2020). لكن هذا المسار لم يكتمل. فقد أصدر رئيس مجلس السيادة في مارس 2021 قراراً دستورياً بإنشاء نظام اتحادي إقليمي، مع تأجيل التطبيق العملي إلى حين عقد مؤتمر لنظام الحكم يحدد عدد الأقاليم وحدودها وهياكلها وصلاحياتها، وكان التصور المتداول ستة أقاليم هي الخرطوم، دارفور، كردفان، شرق السودان، الإقليم الشمالي، والإقليم الأوسط (Sudan Tribune, 2021). ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021، وتعثرت العملية الدستورية، ثم اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، فتحولت مسألة الفيدرالية من مشروع إصلاح مؤسسي إلى جزء من أزمة وجود الدولة نفسها. وفي 2026 ظهرت تطورات جديدة تؤكد أن المشكلة لم تختف. فقد أقر مجلس الوزراء السوداني في يونيو 2026 قانون الحكم الإقليمي لدارفور، بعد سنوات من بقائه مشروعاً غير مكتمل، في سياق ما وصف بأنه أحد المتطلبات الرئيسية لاتفاق جوبا؛ وفي الوقت نفسه كانت الحرب قد أوجدت واقعاً إقليمياً وعسكرياً شديد الانقسام، مع سيطرة قوات مختلفة على أجزاء واسعة من دارفور وغيرها، بما يجعل السؤال عن الفيدرالية مرتبطاً مباشرة بمشكلة احتكار الدولة للعنف وبإعادة بناء السلطة الشرعية بعد الحرب (Sudan Tribune, 2026). وعليه، تنطلق هذه الدراسة من أطروحة مركزية مفادها أن الفيدرالية السودانية لم تفشل لأن السودان «أكثر تنوعاً من أن يكون فيدرالياً» أو لأن الفيدرالية بطبيعتها تؤدي إلى الانفصال؛ وإنما فشلت بدرجات مختلفة لأن السودان لم ينجح في بناء العناصر التي تجعل الفيدرالية فعالة: دستور ديمقراطي توافقي، استقلال إقليمي محمي، موارد مالية يمكن التنبؤ بها، معادلة مالية عادلة، قضاء دستوري مستقل، شرعية انتخابية، احتكار وطني مشروع للعنف، ومؤسسات تمنع المركز أو الإقليم أو الحركة المسلحة من تحويل النظام الاتحادي إلى أداة للهيمنة. وهذا يقود إلى نتيجة أكثر أهمية: المشكلة السودانية ليست اختيار الفيدرالية أو رفضها، وإنما تصميم نوع الفيدرالية، وتحديد من يملك السلطة، ومن يملك المال، ومن يملك السلاح، ومن يمثل السكان، ومن يحسم النزاع بين مستويات الحكم، ومن يمنع تحول الحدود الإدارية إلى حدود قبلية أو عسكرية، ومن يجعل الوحدة الوطنية أكثر جاذبية من الانفصال.

الفصل الأول: المفهوم والنظرية، ولماذا لا تعني الفيدرالية مجرد كثرة الولايات

الفيدرالية في معناها المؤسسي ليست مجرد نقل بعض الوظائف من الخرطوم إلى الولايات، وليست مجرد تقسيم البلاد إلى أقاليم أو ولايات، وليست حتى مجرد وجود حكومات محلية منتخبة. جوهرها هو وجود مستويين أو أكثر من الحكم يتمتع كل منهما باختصاصات ذات أساس دستوري، بحيث يوجد في الوقت نفسه حكم مشترك على المستوى الاتحادي وحكم ذاتي على المستوى الإقليمي (Elazar, 1987; Watts, 2008; Anderson, 2008). وهذا التمييز ضروري لفهم السودان. فاللامركزية قد تكون إدارية، بحيث يمنح المركز بعض الوظائف إلى وحدات أدنى ثم يستطيع تعديلها أو سحبها. أما الفيدرالية فتحتاج إلى حماية دستورية لتوزيع الاختصاصات، وآلية مستقلة للفصل في النزاعات، ودرجة من الاستقلال المالي والإداري والسياسي، ومؤسسات تمثل الأقاليم داخل الحكم الاتحادي نفسه (Elazar, 1987; Watts, 2008). من هنا يمكن التمييز بين أربعة نماذج كثيراً ما اختلطت في السودان: المركزية، واللامركزية الإدارية، والحكم الإقليمي، والفيدرالية. المركزية تجعل القرار النهائي في المركز. اللامركزية تنقل بعض الوظائف مع بقاء السلطة القانونية العليا للمركز. الحكم الإقليمي يمنح منطقة معينة حكماً ذاتياً أوسع من الإدارة المحلية، لكنه قد يظل محكوماً بعلاقة غير متوازنة مع المركز. أما الفيدرالية فتتطلب أن تكون الوحدات المكونة للاتحاد أطرافاً دستورية لا مجرد فروع إدارية. ولهذا فإن زيادة عدد الولايات يمكن أن تؤدي paradoxically إلى زيادة المركزية إذا أصبحت كل ولاية أصغر وأكثر اعتماداً على التحويلات والتعيينات المركزية. وقد كان إنشاء عدد كبير من الوحدات الإدارية في السودان أحياناً وسيلة لتقريب الإدارة، لكنه كان في أحيان أخرى وسيلة لتفكيك القوة التفاوضية للأقاليم الأكبر. وهنا تظهر قضية «الإقليم مقابل الولاية»: هل يمثل الإقليم كتلة سياسية واقتصادية قادرة على التفاوض مع المركز، أم أن تفكيكه إلى ولايات صغيرة يجعل كل ولاية مرتبطة مباشرة بالمركز وأكثر اعتماداً عليه.

ومن منظور نظرية الاختيار العام، فإن توزيع السلطة قد يقلل من قيمة السيطرة على المركز. فإذا كانت الخرطوم تتحكم في معظم الموارد والوظائف والأمن والتنمية، تصبح السيطرة عليها جائزة سياسية واقتصادية ضخمة، وبالتالي ترتفع الحوافز للتنافس عليها بالانتخابات أو الانقلابات أو الحرب. أما إذا كانت السلطة موزعة بصورة حقيقية، فإن تغيير الحكومة المركزية لا يعني السيطرة على كل موارد الدولة، وقد ينخفض العائد المتوقع من الصراع على المركز (Weingast, 1995; Rodden, 2004). غير أن الفيدرالية تحمل مخاطرها أيضاً. فقد تؤدي إلى تضخم مؤسسات الحكم، وارتفاع النفقات الإدارية، وتعدد مراكز الفساد، وتفاوت القدرات بين الأقاليم، وظهور نخب محلية تسعى إلى احتكار السلطة، بل قد تؤدي في الدول ذات الانقسامات الإثنية إلى تحويل الخلافات السياسية إلى نزاعات إقليمية أكثر صعوبة (Horowitz, 2000; Brancati, 2009). ولذلك فإن الدفاع العلمي عن الفيدرالية لا ينبغي أن يكون دفاعاً مطلقاً؛ فالفيدرالية ليست علاجاً آلياً، وإنما تصميم مؤسسي يمكن أن ينجح أو يفشل وفقاً لشروطه. وتقدم التجربة السودانية درساً مهماً هنا: الفيدرالية الضعيفة قد تكون أسوأ من المركزية الواضحة، لأنها تخلق توقعات بالحكم الذاتي ثم تخيبها، فتضيف أزمة ثقة إلى أزمة التهميش. أما الفيدرالية الفعلية فتحتاج إلى أن يعرف المواطن والحكومة والإقليم، بصورة واضحة، من المسؤول عن ماذا، ومن يمول ماذا، ومن يحاسب من.

الفصل الثاني: من رفض الفيدرالية وتجريمها إلى أزمة الوحدة، 1947-1972

يرتبط أصل الجدل السوداني حول الفيدرالية بسؤال لم يُحسم عند تأسيس الدولة: هل الوحدة تعني بالضرورة المركزية. ففي مؤتمر جوبا عام 1947، ثم في النقاشات السياسية اللاحقة، ظهرت المخاوف الجنوبية من أن يؤدي الاستقلال في ظل دولة مركزية إلى هيمنة سياسية وثقافية واقتصادية من النخبة الشمالية. وبحلول مؤتمر أكتوبر 1954، أصبح الخيار الفيدرالي أحد الشروط الأساسية التي رأى فيها قطاع واسع من النخب الجنوبية ضمانة للانضمام إلى الدولة السودانية المستقلة (Johnson, 2014). وتشير الأدبيات إلى أن المؤتمر الجنوبي أقر في أكتوبر 1954 الانضمام إلى السودان المستقل على أساس نظام فيدرالي بعد نقاش حول مفهوم الفيدرالية وقدرة الجنوبيين على إدارة وحدتهم السياسية، وكان التصويت لصالح هذا الخيار بالإجماع تقريباً، بواقع 227 صوتاً مقابل صفر وفق الرواية التي نقلها Johnson (Johnson, 2014). لكن النخبة السياسية الشمالية لم تنظر إلى الفيدرالية بالطريقة نفسها. فقد كان جزء كبير منها يخشى أن تكون الفيدرالية خطوة أولى نحو الانفصال، أو أن تؤدي إلى تفكيك الدولة الوليدة، أو إلى إضعاف الحكومة المركزية في لحظة تأسيسية. ومن ثم أصبح الخلاف حول شكل الدولة مرتبطاً بالخوف من فقدان الوحدة. وهنا نشأت إحدى أكثر المفارقات السودانية عمقاً: النخبة التي أرادت الحفاظ على الوحدة رفضت في بعض المراحل الآلية التي كان الطرف الآخر يراها ضمانة للوحدة. وكان يمكن نظرياً حل هذا الخلاف من خلال دستور اتحادي توافقي يحدد بوضوح الصلاحيات والموارد والضمانات، لكن ذلك لم يحدث. وفي يناير 1956 أصبح السودان مستقلاً في ظل دولة مركزية، بينما ظلت القضية الجنوبية دون حل دستوري مقنع. ولم يكن تمرد توريت في أغسطس 1955 مجرد حدث منفصل عن هذه البيئة السياسية؛ بل جاء في سياق تراكم المخاوف من مستقبل الدولة، ومن التمييز، ومن السيطرة الشمالية على القوات والإدارة، ومن عدم الوفاء بالمطالب السياسية الجنوبية (Johnson, 2016). وتؤكد الدراسات الحديثة أن هذين السؤالين، الفيدرالية وطبيعة الدولة، كانا من القضايا الدستورية غير المحسومة التي ساهمت في تشكيل الصراع اللاحق بين الشمال والجنوب (Ahmed, 2022). كما تذهب تحليلات أمريكية إلى أن مشاركة الجنوب في تصميم مؤسسات الدولة الجديدة كانت محدودة، وأن النتيجة كانت نظاماً مركزياً لم يطمئن الجنوبيين إلى إمكانية حماية مصالحهم داخل الاتحاد (Young, 2007). وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تدحض افتراضاً لا يزال حاضراً في الخطاب السوداني: أن المطالبة بالفيدرالية تعني بالضرورة الرغبة في الانفصال. فالتسلسل التاريخي يظهر العكس في جزء مهم من البداية: الفيدرالية طُرحت أصلاً كوسيلة للانضمام إلى سودان موحد. ولهذا فإن تجريم المطالب الفيدرالية لا يلغيها، بل قد يحولها من مطالبة دستورية قابلة للتفاوض إلى قضية هوية وكرامة ومقاومة. وعندما تغلق الدولة قنوات التفاوض السلمي حول توزيع السلطة، تصبح تكلفة النزاع أعلى، وتتحول القضية الدستورية تدريجياً إلى قضية أمنية.

الفصل الثالث: اتفاقية أديس أبابا 1972، الحكم الإقليمي، وحدود التسوية غير المكتملة

أنهت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 الحرب الأهلية الأولى، وأنشأت حكومة إقليمية للجنوب، وبرلماناً ورئيساً ومجلس وزراء وإدارة جنوبية، ووفرت ترتيبات لدمج القوات. وقد مثلت الاتفاقية تقدماً هائلاً مقارنة بالمركزية السابقة، لكنها لم تكن الفيدرالية الكاملة التي تصورها الوفد الجنوبي في بداية المفاوضات. كان هذا الفرق مهماً. فقد دخلت الحركة الجنوبية المفاوضات وهي تفهم «الحكم الذاتي» بوصفه قريباً من الفيدرالية، وقدمت مقترحاً يقسم السودان إلى إقليمين شمالي وجنوبي في ظل حكومة اتحادية. لكن النتيجة النهائية كانت حكومة إقليمية جنوبية داخل الدولة الموحدة (Johnson, 2016). وكان الاختلال الأكبر في أن المفاوضات السياسية والأمنية كانت أكثر تفصيلاً من المفاوضات الاقتصادية. فقد يترتب على ذلك نظام سياسي إقليمي من دون أساس مالي قوي، وهو ما يجعل الحكم الذاتي تابعاً لإرادة المركز في التمويل. وقد لاحظ Johnson أن عدم إنشاء لجنة اقتصادية مستقلة في المفاوضات أدى إلى ضعف معالجة الصلاحيات الاقتصادية والتنمية الوطنية بالنسبة للجنوب (Johnson, 2016). كما أن الحكم الإقليمي لم يكن في حد ذاته ديمقراطية مكتملة. فقد كان النظام الوطني عسكرياً، وكانت مؤسسات الإقليم تعمل في سياق سياسي مركزي، وكانت الحياة السياسية المحلية نفسها تعاني من قيود وصراعات. وتخلص دراسة Rolandsen وDaly إلى أن الفترة 1972-1983 لم تكن «سلاماً» بالمعنى الكامل، وإنما حالة «لا حرب ولا سلام»، وأن حكومة الجنوب كانت مشروعاً نخبوياً محدود المشاركة، بينما استمرت التوترات والعنف وعدم الاستقرار (Rolandsen & Daly, 2016). وهذا يقدم درساً مهماً: الحكم الإقليمي يمكن أن يوقف الحرب من دون أن يحل جذور الصراع. فالسلام المستدام يحتاج إلى شرعية محلية، ومؤسسات منتخبة، وموارد مستقلة، وإدارة فعالة، وعدالة، ومشاركة شعبية، وليس فقط إلى إنشاء حكومة إقليمية. ثم تزايد تدخل المركز في الجنوب، وجرى تقسيم الإقليم وإعادة ترتيب حدوده، وتصاعدت الخلافات حول النفط والشريعة والجيش، وانتهت الترتيبات في 1983 مع إلغاء الحكم الإقليمي وإعادة تقسيم الجنوب إلى ثلاث وحدات، بالتزامن مع قرارات أخرى أسهمت في إشعال الحرب الثانية (Johnson, 2016). وبذلك فإن الدرس ليس أن «الإقليم الكبير يفشل» أو أن «الفيدرالية لا تصلح للسودان»، وإنما أن الحكم الذاتي الذي لا تحميه مؤسسات دستورية قوية ولا موارد مستقلة ولا قواعد ثابتة لتعديل حدوده واختصاصاته يمكن أن يعاد اختزاله إلى إدارة محلية عندما تتغير موازين القوة في المركز.

الفصل الرابع: الفيدرالية في عهد الإنقاذ، 1989-2019، بين إعادة توزيع الإدارة وإعادة إنتاج المركزية

تبنى نظام الإنقاذ بعد 1989 خطاباً أكثر صراحة حول الفيدرالية، وجرى تنظيم الدولة في مستويات متعددة، وتكريس النظام الاتحادي في دستور 1998. وقد بدا هذا التحول في ظاهره جذرياً مقارنة بالنظام المركزي السابق. لكن السؤال المهم هو: هل تغيرت طبيعة السلطة أم تغيرت خريطة الإدارة فقط. تشير الأدلة إلى أن الفيدرالية في عهد الإنقاذ كانت مرتبطة أيضاً بإدارة الحرب وبإعادة تنظيم شبكات السلطة السياسية. فقد احتفظ المركز بسلطات أساسية في التعيين والمال والأمن، بينما توسعت مسؤوليات الولايات في الخدمات. وبهذا حدث نوع من «اللامركزية غير المتناظرة» بين المسؤوليات والموارد: تم نقل مسؤوليات الإنفاق والخدمات إلى الولايات بصورة أكبر من نقل القدرة على تعبئة الإيرادات. ويصف El-Battahani وGadkarim النتيجة بأنها عدم تطابق بين اللامركزية المالية والبنية السياسية، مع بقاء المركز صاحب الحكم النهائي في توزيع الموارد السياسية والاقتصادية، وانخفاض إيرادات الولايات الذاتية بالتزامن مع زيادة إنفاقها واعتمادها على التحويلات، وغياب نظام عادل ومستقر للمعادلة المالية (El-Battahani & Gadkarim, 2017). وتشير تحليلات أخرى إلى أن الفيدرالية في السودان لم تكن دائماً نتيجة انتقال طوعي للسلطة من المركز إلى الأقاليم، بل كانت أيضاً وسيلة لإدارة الضغوط الناتجة عن الحروب والتهميش (Ahmed, 2022). وتظهر هذه المشكلة بصورة أكثر وضوحاً في مسألة تعيين الحكام. فالفيدرالية الديمقراطية تفترض أن الحكومة الإقليمية تستمد شرعيتها من سكان الإقليم، لا من الرئيس الاتحادي. فإذا كان الحاكم قابلاً للعزل أو التعيين مركزياً، فإن ولاءه المؤسسي يميل إلى المركز، حتى لو كان مسؤولاً قانونياً أمام برلمان الإقليم. كما أن النظام الحزبي السلطوي يجعل الانتخابات المحلية أقل قدرة على خلق مساءلة مستقلة. فإذا كانت السلطة السياسية المركزية هي التي تتحكم في الحزب والدولة والأمن والموارد، فإن الانتخابات الإقليمية لا تغير بالضرورة بنية القوة. ولهذا فإن تجربة الإنقاذ تتيح صياغة مفهوم تحليلي مهم هو «الفيدرالية السلطوية»: نظام متعدد المستويات في الشكل، لكنه أحادي المركز في مصادر السلطة الفعلية. ولا يعني ذلك أن كل ما حدث في عهد الإنقاذ كان بلا قيمة. فقد توسعت بعض المؤسسات المحلية، وتولت الولايات مسؤوليات إضافية، وأصبح تقديم الخدمات أقرب إلى السكان في بعض المناطق، وارتفعت التحويلات في بعض الفترات. لكن المشكلة كانت في غياب القواعد التي تمنع إعادة المركزية وفي عدم تكافؤ القدرة المالية بين الولايات. وهنا ينبغي تجنب النقد الأحادي. فالولايات نفسها لم تكن دائماً ضحية سلبية للمركز. فقد عانت بعض الولايات من ضعف القدرات الإدارية، والفساد المحلي، والاعتماد على النخب التقليدية، وضعف قواعد البيانات، وضعف التخطيط، وتعدد الجبايات. ولذلك فإن الفيدرالية ليست مجرد مسألة «المركز يسرق والولايات مظلومة»، بل علاقة مؤسسية متبادلة تحتاج إلى مساءلة على المستويين.

الفصل الخامس: الفيدرالية المالية، الثروة، الخدمات، والتفاوت المكاني، الحلقة التي تحدد نجاح أو فشل الاتحاد

إذا كانت السلطة السياسية هي الهيكل العظمي للفيدرالية، فإن المال هو جهازها الدوري. ولا يمكن لأي حكومة إقليمية أن تمارس اختصاصاً حقيقياً إذا كانت لا تملك موارد تتناسب مع مسؤولياتها. تظهر البيانات السودانية اختلالاً رأسياً واضحاً: الولايات تتحمل مسؤوليات واسعة، لكن قدرتها على توليد الإيرادات الذاتية محدودة، وبالتالي تعتمد على التحويلات الاتحادية. كما يظهر اختلال أفقي كبير بين الولايات. ووفق تحليل البنك الدولي، كانت التحويلات الاتحادية تمثل بين 25% و33% من إجمالي الإيرادات الاتحادية في الفترة 2012-2018، لكن صيغة توزيع التحويلات لم تكن شفافة بما يكفي، ولم تكن هناك علاقة قوية بين نصيب الولاية من التحويلات ومستوى الفقر فيها (World Bank, 2021). والأكثر دلالة أن البنك الدولي وجد أن الاعتماد على التحويلات تراوح في 2017 و2018 من نحو 26% في الخرطوم إلى نحو 89% في وسط دارفور، وأن التحويلات كانت تمثل ما لا يقل عن نصف إيرادات جميع الولايات تقريباً باستثناء الخرطوم. كما كانت إيرادات الخرطوم نحو 3.5 أضعاف إيرادات الجزيرة، بينما كانت الإيرادات الذاتية في الخرطوم تمثل نحو 74% من إجمالي إيراداتها، مقابل نحو 11% في وسط دارفور (World Bank, 2021). هذه ليست مجرد أرقام مالية. إنها تكشف بنية سياسية. فالولاية التي تعتمد بنسبة 89% على المركز لا تتمتع باستقلال سياسي مماثل لولاية تعتمد بدرجة كبيرة على إيراداتها الذاتية. وإذا كان التحويل غير قابل للتنبؤ، يصبح التخطيط التنموي ضعيفاً. وإذا كان تحديد التحويلات قابلاً للتفاوض السياسي، تتحول الفيدرالية إلى علاقة زبائنية. كما أن البنك الدولي خلص إلى أن اللامركزية المالية في السودان كانت «على الورق»، وأن عدم كفاية الإيرادات الذاتية للولايات خلق اختلالاً رأسياً، بينما ساهم التفاوت في التحويلات في اختلال أفقي بين المناطق (World Bank, 2017). ويعني ذلك أن المعادلة المالية يجب ألا تكون منحة سياسية من الخرطوم، بل حقاً دستورياً قابلاً للحساب. وينبغي أن تبنى صيغة التحويل على متغيرات واضحة، مثل عدد السكان، والفقر، والمساحة، وبعد المسافات، وتكلفة تقديم الخدمة، والقدرة الإيرادية، والبنية التحتية، والتعرض للنزاع والكوارث. ويمكن إعطاء وزن أعلى للمناطق المتضررة من الحرب باعتباره تمييزاً إيجابياً مؤقتاً، كما نص اتفاق جوبا على مبدأ التمييز الإيجابي للمناطق الأقل نمواً والمتأثرة بالحرب (Juba Agreement, 2020). لكن هناك تحذيراً مهماً: لا ينبغي أن تتحول المعادلة إلى صندوق أسود. فقد وجد البنك الدولي أن صيغة التخصيص كانت معقدة، وأنها لم تكن مفهومة أو معلنة بصورة كافية للمستويات دون الوطنية، مما حد من الشفافية وأضعف هدف المعادلة (World Bank, 2021). لذلك فإن السودان يحتاج إلى قاعدة مالية دستورية بسيطة وشفافة، لا إلى صيغة بيروقراطية معقدة يمكن تعديلها سياسياً. ويجب أيضاً التمييز بين ثلاثة أنواع من الإيرادات: إيرادات يجب أن تكون اتحادية حصراً، وإيرادات مشتركة، وإيرادات محلية أو إقليمية. أما الموارد الطبيعية الاستراتيجية مثل النفط والذهب فينبغي ألا تصبح ملكية خاصة للإقليم المنتج، ولا أن تكون ملكية عملية للمركز؛ بل يجب إنشاء نظام مشاركة يربط الملكية الوطنية بالتعويض والمشاركة المحلية والتنمية الإقليمية والشفافية.

الفصل السادس: الفيدرالية والثروة الطبيعية والأرض والذهب والمياه، من يملك الموارد ومن يتحمل تكلفة استخراجها

في السودان لا يمكن فصل الفيدرالية عن الاقتصاد السياسي للموارد. فالذهب، والنفط تاريخياً، والأراضي الزراعية، والمياه، والثروة الحيوانية، والموانئ، وممرات التجارة، كلها موزعة جغرافياً بصورة غير متساوية. وهنا تظهر ثلاث مقاربات متنافسة. المقاربة الأولى تقول إن الموارد الاستراتيجية ملك للدولة الاتحادية لأن الدولة هي صاحبة السيادة. المقاربة الثانية تقول إن الإقليم الذي توجد فيه الموارد يجب أن يحصل على النصيب الأكبر منها لأنه يتحمل التكلفة البيئية والاجتماعية والسياسية للاستخراج. المقاربة الثالثة هي الأكثر ملاءمة للسودان، وهي نموذج المشاركة متعددة المستويات: ملكية سيادية وطنية، وتنظيم اتحادي، ومشاركة إقليمية، وتنمية محلية، وصندوق وطني للمعادلة، وشفافية في العقود والإيرادات. وهذا ضروري خصوصاً في الذهب، لأن تحويل مناطق التعدين إلى «جيوب اقتصادية» لا تستفيد منها المجتمعات المحلية يخلق حوافز قوية للنزاع والتهريب والعسكرة. وقد أظهرت الدراسات حول الاقتصاد السياسي السوداني أن استغلال الموارد الطبيعية، والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالقطاع الأمني، والتمويل السياسي، والزبائنية، ظلت عناصر مركزية في النظام السياسي حتى بعد سقوط البشير (Gallopin et al., 2021). ومن ثم فإن إصلاح الفيدرالية المالية لا يمكن أن ينجح من دون إصلاح الاقتصاد السياسي نفسه. أما الأرض فهي ربما أكثر حساسية. فالنزاعات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان لا تختزل في توزيع الوزارات، بل تتعلق بالحيازة، ومسارات الرعي، والمياه، والزراعة، والعودة، والتعويض، والإدارة الأهلية. وقد نص اتفاق دارفور للسلام لعام 2006 على الفيدرالية والحكم المحلي، وعلى دور الإدارة الأهلية مع إخضاعها للدستور والقانون الوطني والولائي، كما نص على اختصاص المحكمة الدستورية في الفصل في النزاعات بين مستويات الحكم (Darfur Peace Agreement, 2006). وهذا يوفر أساساً مهماً لتصميم المستقبل: الإدارة الأهلية يمكن أن تكون مؤسسة اجتماعية مهمة، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الدولة أو مصدراً أعلى من الدستور، ولا ينبغي أن تمنح سلطة سياسية دائمة على أساس النسب أو القبيلة.

الفصل السابع: الفيدرالية والحرب، هل توزع السلطة السلام أم توزع النزاع

توجد حجتان نظريتان متعارضتان بشأن علاقة الفيدرالية بالنزاع. ترى المدرسة المؤيدة للفيدرالية أن منح الجماعات الإقليمية حكماً ذاتياً يقلل الحاجة إلى الاستيلاء على المركز، ويتيح إدارة التنوع، ويمنح الأقليات حماية سياسية، ويحول الصراع من سؤال «من يملك الدولة كلها» إلى سؤال «من يدير أي مجال من مجالات الحكم» (Lijphart, 1977; Stepan, 1999). أما المدرسة النقدية فتحذر من أن الفيدرالية قد تعطي الجماعات الإقليمية موارد ومؤسسات تستطيع استخدامها لترسيخ الانقسام أو بناء قواعد عسكرية وسياسية محلية، خصوصاً عندما تكون الحدود الإقليمية متطابقة مع الهويات الإثنية أو القبلية (Snyder, 2000; Brancati, 2009). وتشير التجربة السودانية إلى أن كلا الاحتمالين صحيح. فغياب الحكم الإقليمي ساهم في تعزيز شعور التهميش في مناطق عديدة، لكن تصميم الوحدات الإقليمية بصورة قبلية أو سياسية قد ينتج أيضاً صراعات جديدة. ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس «هل الفيدرالية تمنع الحرب»، بل ما الشروط التي تجعل الفيدرالية أكثر احتمالاً لمنع الحرب من إعادة إنتاجها. أول هذه الشروط هو عدم تحويل الإقليم إلى ملكية جماعة. فالإقليم يجب أن يكون وحدة سياسية للمواطنين، وليس «إقليماً لقبيلة». ثانيها أن تكون الحكومة الإقليمية منتخبة، لا مفروضة من الحركة المسلحة أو المركز. ثالثها أن تكون الحدود قابلة للمراجعة وفق قواعد دستورية، لا نتيجة للغلبة العسكرية. رابعها أن يكون هناك نظام مالي يحد من الصراع على الموارد. خامسها أن يكون الجيش واحداً. سادسها أن يكون القضاء قادراً على حسم النزاعات. سابعها أن تكون حقوق الفرد محمية حتى داخل الإقليم الذي تسيطر فيه أغلبية إثنية أو دينية. وهنا تظهر أهمية مفهوم الفيدرالية غير الإثنية. فالفيدرالية يمكن أن تعترف بالتنوع الثقافي واللغوي والتاريخي، لكنها لا ينبغي أن تجعل الانتماء القبلي شرطاً للمواطنة أو للوظيفة العامة أو للملكية السياسية للإقليم.

الفصل الثامن: دارفور والشرق والمنطقتان، من الحكم الإقليمي إلى الفيدرالية غير المتناظرة

تُظهر اتفاقات السلام السودانية أن الفيدرالية لم تكن فكرة نظرية بعيدة عن الواقع، بل كانت جزءاً متكرراً من هندسة السلام. فقد نص اتفاق شرق السودان على نظام اتحادي مع تفويض فعلي للسلطات وتوزيع واضح للمسؤوليات بين المركز والمستويات الأخرى، وعلى تمثيل عادل للسكان، والانتخابات، والمشاركة في مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والخدمة المدنية (Eastern Sudan Peace Agreement, 2006). كما نص اتفاق دارفور لعام 2006 على الفيدرالية، والحكم المحلي، والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في الولايات، وإنشاء سلطة إقليمية انتقالية لدارفور، مع الاعتراف بدور الإدارة الأهلية، وحماية اختصاص المحكمة الدستورية في نزاعات الصلاحيات (Darfur Peace Agreement, 2006). لكن استمرار النزاع رغم هذه النصوص يوضح أن النص الفيدرالي ليس بديلاً عن القوة المؤسسية لتنفيذه. وقد أعاد اتفاق جوبا 2020 هذه القضية بصورة أوسع. فقد نص على نظام إقليمي ـ فيدرالي حقيقي، وعلى استعادة نظام الأقاليم، وعلى عقد مؤتمر لنظام الحكم لمراجعة الحدود والتقسيم الإداري ومستويات الحكم والاختصاصات، كما تضمن ترتيبات خاصة بدارفور والمنطقتين (Juba Agreement, 2020). وتكشف هذه الترتيبات مفهوم الفيدرالية غير المتناظرة. فليس من الضروري أن تكون كل الوحدات المكونة للدولة متطابقة في الاختصاصات إذا كانت هناك أسباب تاريخية أو نزاعية أو جغرافية تبرر ترتيبات خاصة. وقد يكون ذلك مناسباً للسودان، لكن له مخاطرة واضحة: إذا أصبحت السلطة الخاصة مكافأة لمن يحمل السلاح، فقد يصبح حمل السلاح استراتيجية سياسية للحصول على وضع دستوري أفضل. ولهذا يجب أن تكون الفيدرالية غير المتناظرة دستورية، محددة زمنياً عندما تكون انتقالية، قابلة للمراجعة، وقائمة على معايير عامة لا على ميزان القوة المسلحة. أما دارفور، فإن عودة فكرة الإقليم الواحد لا ينبغي أن تفهم باعتبارها مجرد إعادة رسم للخريطة. فالمشكلة الأساسية ليست عدد الولايات، وإنما ما إذا كانت الحكومة الإقليمية تمتلك سلطة وموارد حقيقية، وما إذا كانت قادرة على دمج سكان الإقليم، وحماية النازحين والعائدين، وإدارة الأرض، وبناء المؤسسات. وفي يونيو 2026 أقر مجلس الوزراء قانون الحكم الإقليمي لدارفور بعد أن ظل مشروعاً لسنوات، بينما كانت الحرب قد جعلت دارفور واحدة من أكثر مناطق السودان تعرضاً للانقسام العسكري والسياسي. وهذه المفارقة تكشف خطورة إنشاء مؤسسات إقليمية في بيئة ما زال فيها احتكار العنف غير محسوم (Sudan Tribune, 2026).

الفصل التاسع: اتفاق جوبا، الفيدرالية التفاوضية، والشرعية الديمقراطية

يمثل اتفاق جوبا لحظة مهمة لأنه لم يكتف بذكر اللامركزية، بل جعل النظام الفيدرالي جزءاً من إعادة بناء الدولة. ونص على أن السودان دولة اتحادية، وأن الهدف هو إقامة نظام إقليمي ـ فيدرالي حقيقي يشارك فيه المواطنون، كما نص على تمثيل الأقاليم في المؤسسات الاتحادية وفق السكان، مع التمييز الإيجابي للمناطق الأقل نمواً والمتأثرة بالحرب (Juba Agreement, 2020). لكن International IDEA نبهت إلى تعقيد الاتفاق وإلى أن بعض ترتيباته لم تكن متسقة تماماً، وأن العلاقة بين الفيدرالية والهيكل النهائي للحكم كانت تحتاج إلى مؤتمر لنظام الحكم وعملية دستورية أوسع (Al-Ali, 2021). وهنا توجد مشكلة شرعية أساسية: اتفاق السلام ليس بالضرورة دستوراً دائماً. يمكن لاتفاق السلام أن يحدد ترتيبات انتقالية، وأن يقدم مبادئ لإعادة بناء الدولة، لكنه لا ينبغي أن يحل محل عملية تأسيسية تشارك فيها القوى المدنية والأقاليم والمجتمعات والنساء والشباب والنازحون والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني. وهذه المشكلة أكثر وضوحاً في السودان لأن اتفاقات السلام المتعاقبة كثيراً ما أصبحت أدوات لإعادة توزيع المناصب بين النخب المسلحة والسياسية. وتكشف دراسة Gallopin وThomas وDetzner وde Waal أن السياسة السودانية ظلت حتى بعد سقوط البشير متأثرة بمنطق «السوق السياسي»، حيث تتشابك المناصب والموارد والامتيازات مع الصفقات السياسية، وأن اتفاقات السلام يمكن أن تصبح جزءاً من هذه المنظومة إذا لم تقترن بإصلاح مؤسسي أوسع (Gallopin et al., 2021). ومن هنا ينبغي التفريق بين شرعية التفاوض وشرعية الحكم. الحركة المسلحة قد تكون طرفاً شرعياً في مفاوضات السلام، لكنها لا تصبح تلقائياً الممثل الدائم لسكان الإقليم. الحكم الدائم يجب أن تحدده الانتخابات. وهذا أحد أهم الدروس القابلة للتنفيذ: كل ترتيبات السلطة التي تُمنح للحركات المسلحة يجب أن تكون انتقالية ومراجعة ديمقراطياً، ولا ينبغي أن تتحول إلى ملكية سياسية دائمة للإقليم.

الفصل العاشر: الفيدرالية والجيش والأمن، لماذا لا يمكن بناء اتحاد فيدرالي ديمقراطي بجيشين أو مراكز قوة مسلحة متعددة

هذه القضية أصبحت بعد 15 أبريل 2023 أهم من أي نقاش سابق حول الفيدرالية. الفيدرالية تفترض تعدد مراكز الحكم، لكنها لا تفترض تعدد مراكز السيادة المسلحة. ويمكن أن تكون الشرطة متعددة المستويات، ويمكن أن توجد أجهزة أمن محلية محددة الاختصاص، لكن الدفاع الوطني والسيادة العسكرية يجب أن يكونا اتحاديين. والخطر أن تتحول الحكومة الإقليمية إلى حكومة مسلحة، أو أن تتحول الحركة المسلحة إلى حكومة إقليمية، أو أن تستخدم الموارد الإقليمية لبناء قوة مستقلة عن الدولة. وتؤكد خبرة جنوب السودان أن الفيدرالية واللامركزية يمكن أن تصبحا ساحة للصراع حول السلطة والموارد إذا لم تكن هناك مؤسسات قوية وقدرات إدارية ومالية واضحة (Kimenyi, 2012). كما تظهر الأدبيات المقارنة أن نقل السلطة دون بناء احتكار وطني مشروع للعنف قد يحول اللامركزية إلى تعدد مراكز القوة بدلاً من أن يحولها إلى ديمقراطية محلية. وتجعل الحرب الحالية المسألة أكثر خطورة لأن البلاد أصبحت واقعياً ذات جغرافية سياسية عسكرية متغيرة. وقد وصف تحليل Chatham House في 2025 استمرار الحرب بأنه أدى إلى تفكك إقليمي فعلي وزيادة العسكرة، مع مناطق مختلفة تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقوى مسلحة أخرى (Chatham House, 2025). لذلك فإن النموذج المستقبلي يجب أن يقوم على مبدأ واضح: لا مركزية مدنية، لا لامركزية عسكرية. ويجب أن تكون هناك عملية متزامنة لإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، مع إعادة بناء جيش وطني واحد، وخضوعه للسلطة المدنية والدستور والبرلمان. وفي الوقت نفسه لا ينبغي استخدام «الجيش الواحد» ذريعة لإعادة المركزية الأمنية المطلقة. فالمطلوب هو احتكار اتحادي شرعي للعنف، لا احتكار عسكري للسياسة.

الفصل الحادي عشر: الفيدرالية والقبلية والإدارة الأهلية والحدود، كيف نمنع تحويل الأقاليم إلى ملكيات إثنية

من أخطر الأخطاء الممكنة في السودان بناء فيدرالية على أساس أن لكل جماعة إثنية أو قبلية إقليماً خاصاً بها. فذلك قد يبدو جذاباً في البداية لأنه يعترف بالهوية، لكنه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: كل مجموعة تطالب بولاية، وكل ولاية تطالب بحدود، وكل حدود تتحول إلى مسألة ملكية وموارد، ثم تصبح السياسة المحلية منافسة على الأرض. وتقدم تجربة جنوب السودان تحذيراً مفيداً؛ فقد انتقدت كتابات سياسية هناك تحول بعض ترتيبات الفيدرالية إلى كيانات ذات طابع إثني شديد، وإلى مطالب متزايدة بإنشاء ولايات ومحليات على أساس هويات محلية ضيقة (Sudan Tribune, 2013). ورغم أن هذه التجربة تخص دولة جنوب السودان، فإنها تقدم درساً مؤسسياً مباشراً للسودان: التقسيم الإداري يمكن أن يهدئ الهوية إذا كان مدنياً، أو يضخمها إذا جعلها أساساً لتوزيع السلطة. ولهذا يجب أن تكون الفيدرالية السودانية إقليمية لا إثنية. يمكن أن تحترم اللغة والثقافة والتقاليد، ويمكن أن تمنح الأقاليم صلاحيات ثقافية وتعليمية، ويمكن أن تتضمن تمييزاً إيجابياً مؤقتاً للمناطق المتضررة، لكن يجب ألا يكون هناك «حق قبلي في الحكم». أما الإدارة الأهلية فينبغي الحفاظ على وظائفها الاجتماعية والتصالحية المناسبة، مع إخضاعها للدستور والقانون وحقوق الإنسان. وهذا يتفق مع الترتيبات التي ظهرت في اتفاق دارفور، التي اعترفت بالإدارة الأهلية مع التأكيد على أولوية الدستور والقانون عند التعارض (Darfur Peace Agreement, 2006). أما الحدود، فيجب ألا تعاد صياغتها فقط بناءً على ميزان القوة الحالي. فالحدود التي تنتج عن الحرب قد تكافئ التطهير أو النزوح أو السيطرة المسلحة. ولهذا يجب أن يسبق ترسيم الأقاليم النهائي: توثيق الملكية والحيازة، تسوية نزاعات الأرض، عودة النازحين واللاجئين طوعياً وآمناً، إنشاء سجل سكاني موثوق، مشاورات شعبية وإقليمية، تقييم اقتصادي وجغرافي، تحكيم دستوري مستقل.

الفصل الثاني عشر: الفيدرالية والنازحون واللاجئون وإعادة الإعمار، الدولة التي ستولد بعد الحرب ليست الدولة التي دخلت الحرب

الحرب غيرت الخريطة السكانية والاقتصادية والسياسية للسودان بصورة يصعب عكسها بمجرد إعلان انتهاء القتال. فقد نزح ملايين السكان داخل البلاد وخارجها، وتغيرت مراكز المدن، وانهارت مؤسسات محلية، وتعرضت البنية التحتية للتدمير، وظهرت سلطات أمر واقع، وتراجعت قدرة الحكومة المركزية على تقديم الخدمات في مناطق واسعة. وهذا يعني أن الفيدرالية المستقبلية يجب ألا تكون نسخة إدارية من السودان قبل 2023. ففي الدولة الخارجة من الحرب، يصبح سؤال التمثيل الإقليمي شديد التعقيد. هل يمثل الإقليم سكانه الأصليين أم المقيمين فيه الآن. هل يحق للنازح التصويت في موطنه الأصلي أم مكان نزوحه. كيف يتم منع استخدام النزوح القسري لإعادة هندسة الانتخابات. وكيف تضمن الدولة ألا تصبح عودة اللاجئين والنازحين سبباً لصراع جديد على السلطة والأرض. ويجب أن تكون الإجابة قائمة على المواطنة لا على الأصل القبلي أو العرقي. وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم الفيدرالية التشاركية بعد الحرب، حيث تشارك المجتمعات المحلية في تحديد أولويات إعادة الإعمار. وتقدم مبادرات غرف الطوارئ والاستجابة المجتمعية في السودان مثالاً عملياً على قوة اللامركزية المجتمعية. فقد وثقت Chatham House في 2026 وجود أكثر من 700 غرفة طوارئ تعمل في الولايات الثماني عشرة، وبمشاركة أكثر من 26 ألف متطوع، مع اتخاذ قرارات على مستوى الأحياء والاستفادة من الثقة المحلية في ظل انهيار أو انسحاب أجزاء من المؤسسات الرسمية (Chatham House, 2026). ولا ينبغي مساواة غرف الطوارئ بالحكومة الفيدرالية، لكن التجربة تقدم درساً مهماً: في الدول الهشة، قد تكون القدرة على اتخاذ القرار قريباً من المواطن أكثر فعالية من السيطرة المركزية البطيئة، بشرط وجود قواعد للمساءلة والشفافية. ولهذا يمكن تصميم إعادة الإعمار على أساس «فيدرالية الأداء»: الحكومة الاتحادية تمول وتضع المعايير الوطنية، والأقاليم تخطط وتنفذ، والمحليات تراقب وتشارك، والمواطنون يراقبون التنفيذ.

الفصل الثالث عشر: من الفيدرالية الاسمية إلى الفيدرالية الفعلية، النموذج المؤسسي والمالي والأمني المقترح للسودان

إذا كان الهدف هو عدم تكرار تجربة 1972 أو 1998 أو ترتيبات السلام السابقة، فإن السودان يحتاج إلى بناء نظام اتحادي متكامل بدلاً من إعلان الفيدرالية في مادة دستورية واحدة. أولاً: دولة اتحادية ديمقراطية مدنية، ينبغي أن يكون السودان دولة اتحادية ديمقراطية مدنية، تقوم على المواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والتعدد السياسي، والحياد الديني للمؤسسات العامة في الحقوق والواجبات. فالحقوق الأساسية يجب أن تكون اتحادية الحماية، ولا يجوز لإقليم أن يستخدم استقلاله لحرمان مواطنيه من الحقوق الدستورية. ثانياً: ثلاثة مستويات واضحة للحكم، الأفضل تجنب كثرة المستويات الإدارية، واعتماد ثلاثة مستويات رئيسية: الاتحاد، الإقليم، المحلية. ويجوز وجود وحدات أصغر داخل المحلية، لكنها لا ينبغي أن تصبح مستويات دستورية مستقلة تخلق ازدواجاً دائماً في المسؤولية. ثالثاً: أقاليم قليلة وقابلة للحكم، ينبغي ألا يكون معيار عدد الأقاليم هو إرضاء كل نخبة سياسية، وإنما: عدد السكان، المساحة، الاقتصاد، الترابط الجغرافي، البنية التحتية، القدرة الإدارية، التاريخ، التوازن السياسي، قابلية تقديم الخدمات. ولا توجد ضرورة علمية للعودة الآلية إلى ستة أقاليم، حتى لو كان هذا التصور قد ظهر في 2021. فالمطلوب عملية تأسيسية تشاركية تحدد العدد والحدود وفق بيانات ودراسات أثر وليس وفق صفقة سياسية. رابعاً: توزيع دستوري للاختصاصات، يجب أن يتضمن الدستور ثلاث قوائم: اختصاصات اتحادية حصرية: الدفاع، السياسة الخارجية، العملة، الجنسية، التجارة الخارجية، المعايير الوطنية، الموارد السيادية الاستراتيجية، البنية التحتية الوطنية. اختصاصات إقليمية حصرية: التعليم المحلي، الصحة الإقليمية، الزراعة المحلية، التنمية، الثقافة، التخطيط الإقليمي، الخدمات الإقليمية. اختصاصات مشتركة: البيئة، المياه، الصحة العامة، الكوارث، البنية التحتية، الاستثمار، التعليم العالي وبعض جوانب الزراعة والموارد. ويجب أن يحكم هذه القوائم مبدأ التبعية، بحيث تمارس الوظيفة عند أدنى مستوى قادر على أدائها بكفاءة، ولا ترفع إلى المستوى الاتحادي إلا عندما تكون هناك ضرورة وطنية. خامساً: مجلس أقاليم قوي، يحتاج السودان إلى مجلس اتحادي يمثل الأقاليم، إلى جانب مجلس يمثل السكان. ويجب أن تكون للأقاليم حماية مؤسسية في القوانين التي تمس: حدودها، مواردها، اختصاصاتها، التحويلات، تعديل الدستور، إنشاء أقاليم جديدة، إدارة الموارد الطبيعية. سادساً: محكمة دستورية مستقلة، ينبغي أن تتمتع المحكمة الدستورية بولاية واضحة على نزاعات المركز والأقاليم، كما نصت اتفاقية دارفور من حيث المبدأ على اختصاص المحكمة في نزاعات الصلاحيات (Darfur Peace Agreement, 2006). لكن ينبغي أن تكون المحكمة في النظام الجديد مستقلة عن السلطة التنفيذية، وأن يكون للأقاليم حق الوصول إليها مباشرة. سابعاً: نظام معادلة مالية دستوري وشفاف، يجب ألا تعتمد التحويلات على المفاوضة السنوية. ويمكن أن تشمل المعادلة: السكان + الفقر + المساحة + تكلفة تقديم الخدمات + القدرة الإيرادية + آثار الحرب + البنية التحتية + الكوارث. ويجب نشر المعادلة والأوزان والنتائج سنوياً. ثامناً: صندوق وطني للموارد الطبيعية، يقترح إنشاء صندوق اتحادي للموارد الطبيعية، مع: حسابات مفتوحة، تدقيق مستقل، مشاركة الأقاليم المنتجة، حصة للتنمية المحلية، حصة للمعادلة الوطنية، حصة للأجيال القادمة. تاسعاً: جيش وطني واحد، لا يجوز أن يكون لكل إقليم جيش مستقل. لكن يمكن وجود شرطة إقليمية ومحلية، على أن تخضع للقانون الوطني والرقابة المدنية والقضائية. عاشراً: انتخابات إقليمية ومحلية مستقلة، يجب أن تنتخب الأقاليم حكوماتها وبرلماناتها، وأن تكون الانتخابات تحت إشراف مفوضية مستقلة، مع قواعد خاصة بالنازحين والعائدين والأقليات. الحادي عشر: لا امتياز دائم للحركات المسلحة، يمكن منح ترتيبات انتقالية للحركات التي وقعت اتفاقات سلام، لكن يجب أن تنتهي الشرعية التفاوضية لصالح الشرعية الانتخابية. الثاني عشر: فيدرالية قائمة على البيانات، يجب إنشاء نظام وطني موحد للبيانات المالية والاجتماعية والصحية والتعليمية لكل إقليم ومحلية، بحيث يصبح أداء الحكومة قابلاً للقياس.

الفصل الرابع عشر: مؤشرات قياس الفيدرالية السودانية، من النص الدستوري إلى اختبار الأداء

من أكبر نواقص التجربة السودانية غياب معيار موضوعي يمكن بواسطته القول إن الفيدرالية تعمل أو لا تعمل. ولهذا يمكن إنشاء مؤشر الفيدرالية الفعلية في السودان، Sudan Effective Federalism Index، من 100 نقطة، يتكون من عشرة أبعاد متساوية أو موزونة: 1. الاستقلال الدستوري، 2. الاستقلال التشريعي، 3. استقلال السلطة التنفيذية الإقليمية، 4. الاستقلال المالي، 5. القدرة على توليد الإيرادات، 6. عدالة التحويلات، 7. الاستقلال الانتخابي، 8. استقلال القضاء، 9. السيطرة المدنية على الأمن المحلي، 10. مشاركة المواطنين والمساءلة. ويمكن قياس كل بعد من 0 إلى 10. ولا ينبغي الاكتفاء بهذا المؤشر المؤسسي؛ بل يجب إضافة مؤشر نتائج، يشمل: الفقر، عدم المساواة بين الأقاليم، وفيات الأطفال، التحصين، الالتحاق المدرسي، المياه الآمنة، الكهرباء، الطرق، البطالة، الاستثمار، النزاعات المحلية، العنف السياسي، الثقة في الحكومة، رضا المواطنين. وهذا يسمح بفحص الفرضية التي غالباً ما تظل خطابية: هل الفيدرالية الفعلية تحسن الحكم فعلاً. ويمكن أيضاً إجراء تحليل قبل وبعد، ومقارنة بين الأقاليم، وربط التحويلات بنتائج الخدمات، واستخدام نماذج لوحية panel data، ونماذج متعددة المستويات multilevel models، وتحليل عدم المساواة المكانية، وربط الإنفاق الحكومي بمؤشرات التنمية. وهذه المقاربة ستكون أكثر تقدماً من الأدبيات التي اكتفت بوصف النصوص أو المؤسسات.

الفصل الخامس عشر: الخاتمة النقدية، من «الفيدرالية» كشعار إلى الفيدرالية كعقد قابل للإنفاذ

تكشف إعادة بناء التجربة السودانية أن تاريخ الفيدرالية لا يمكن اختزاله في سلسلة من المحاولات الفاشلة. فالسودان لم يجرب نموذجاً واحداً من الفيدرالية ثم يكتشف أنه غير مناسب. لقد جرب أشكالاً مختلفة من المركزية، والحكم الإقليمي، واللامركزية، والفيدرالية الدستورية، والفيدرالية السلطوية، والفيدرالية التفاوضية، وكانت نتائجها مختلفة لأن شروطها المؤسسية كانت مختلفة. في المرحلة السابقة للاستقلال، كان مطلب الفيدرالية لدى قطاعات جنوبية مهماً لأنه كان وسيلة للانضمام إلى سودان موحد لا وسيلة للانفصال. وعندما لم تُحل القضية، ساهم غياب الضمانات في تراكم أزمة الثقة والحرب. وفي أديس أبابا، حققت الدولة حكماً إقليمياً واسعاً للجنوب، لكنها لم تبنِ نظاماً محمياً بما يكفي، ولم تعالج الجانب الاقتصادي والسياسي بصورة متوازنة، وظلت التسوية معرضة لتغير إرادة المركز (Johnson, 2016). وفي عهد الإنقاذ، تحولت الفيدرالية إلى جزء رسمي من النظام الدستوري، لكن المركز احتفظ بقدرة كبيرة على التحكم في الموارد والسياسة والأمن. وأظهرت الأدلة أن الاعتماد المالي للولايات كان شديداً، وأن المعادلة المالية لم تكن شفافة أو مرتبطة بصورة قوية بالفقر، وأن الفيدرالية المالية كانت في جوانب مهمة شكلية (El-Battahani & Gadkarim, 2017; World Bank, 2017; World Bank, 2021). وفي اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، نشأ نظام اتحادي غير متناظر أكثر تعقيداً، مع حكومة قومية وحكومة جنوبية وولايات ومحليات، لكن الانتخابات لم تجر إلا في أبريل 2010، أي بعد خمس سنوات من توقيع الاتفاق، وظلت مؤسسات الدولة تعمل في سياق سياسي شديد التنافس ومثقل بتاريخ الحرب (Carnegie Endowment, 2011). وفي اتفاقات دارفور وشرق السودان ظهرت الفيدرالية مرة أخرى باعتبارها أداة للسلام والمشاركة والعدالة، لكن محدودية التنفيذ أظهرت أن النصوص لا تكفي. وفي اتفاق جوبا 2020 أصبحت الفيدرالية أكثر وضوحاً، ونص الاتفاق على نظام إقليمي ـ فيدرالي حقيقي، وعلى مشاركة الأقاليم، والتمييز الإيجابي للمناطق المتضررة، ومراجعة الحدود، وإعادة بناء نظام الأقاليم (Juba Agreement, 2020). لكن اتفاق جوبا واجه مشكلة مزدوجة: مشكلة التنفيذ ومشكلة الشرعية التأسيسية. فهو اتفاق سلام بين أطراف سياسية ومسلحة، وليس دستوراً دائماً ناتجاً عن عملية تأسيسية شعبية. كما أن انقلاب 2021 ثم حرب 2023 قطعا المسار الذي كان يمكن أن يحول الاتفاق إلى نظام دستوري مستقر. وتكشف تطورات 2026، بما فيها إقرار قانون الحكم الإقليمي لدارفور بعد سنوات من التأخير، أن السودان ما زال يتعامل مع الفيدرالية كعملية غير مكتملة، في وقت تتنافس فيه سلطات مسلحة على الأرض والشرعية (Sudan Tribune, 2026). ومن ثم فإن النتيجة الأكثر توازناً ليست أن الفيدرالية هي الحل، ولا أنها المشكلة. الفيدرالية أداة مؤسسية؛ وقد تكون أداة للسلام أو أداة للصراع بحسب تصميمها. والمشكلة الجوهرية في السودان كانت تاريخياً في خمسة اختلالات مترابطة: الاختلال الأول: اختلال سياسي، حيث ظل المركز أقوى من الأقاليم بصورة تسمح له بتغيير قواعد اللعبة. الاختلال الثاني: اختلال مالي، حيث تحملت الأقاليم مسؤوليات واسعة من دون موارد مستقلة كافية. الاختلال الثالث: اختلال أمني، حيث ظل السلاح مركزياً أو تعددت مراكز القوة المسلحة، ولم يستقر احتكار مدني وطني مشروع للعنف. الاختلال الرابع: اختلال تمثيلي، حيث تحولت اتفاقات السلام أحياناً إلى صفقات نخبوية أكثر من كونها عمليات ديمقراطية واسعة. الاختلال الخامس: اختلال اجتماعي، حيث كان هناك خطر دائم بتحويل الحدود الإدارية إلى حدود إثنية أو قبلية. وإذا لم تعالج هذه الاختلالات معاً، فإن أي إعلان جديد للفيدرالية سيظل معرضاً لأن يصبح فيدرالية اسمية. أما النموذج القابل للحياة في السودان فينبغي أن يكون مختلفاً جذرياً: اتحاداً ديمقراطياً مدنياً، بثلاثة مستويات واضحة للحكم، وأقاليم قابلة للحكم، وبرلمانات إقليمية منتخبة، وحكومات محلية حقيقية، ومجلس أقاليم قوي، ومحكمة دستورية مستقلة، ونظام معادلة مالية شفاف، ومشاركة عادلة في الموارد، وجيش وطني واحد، وشرطة إقليمية خاضعة للرقابة المدنية، وحقوق فردية غير قابلة للانتقاص، وحماية للأقليات، وترتيبات انتقالية خاصة للمناطق المتضررة من الحرب، وعملية دستورية تشاركية لا تترك تصميم الدولة رهينة لمفاوضات النخب المسلحة. والدرس الأهم هو أن الوحدة لا تُحفظ بإضعاف الأقاليم، وإنما بجعل الاتحاد أكثر فائدة وعدلاً وجاذبية من الانفصال. فإذا استطاع المواطن في دارفور أو كردفان أو الشرق أو النيل الأزرق أو الشمال أو الوسط أن ينتخب حكومته، وأن يعرف نصيبه من الموارد، وأن يحصل على خدمات جيدة، وأن يحمي أرضه بالقانون، وأن يشارك في الحكومة الاتحادية، وأن يلجأ إلى محكمة مستقلة إذا انتهك المركز صلاحيات إقليمه، وأن يعيش في دولة لا تفرض عليه هوية دينية أو إثنية أو جهوية، فإن الفيدرالية يمكن أن تصبح آلية لبناء الوحدة لا لتفكيكها. أما إذا بقيت الخرطوم هي مصدر المال والتعيين والأمن والقرار، وظلت الأقاليم مسؤولة عن الخدمات بلا موارد، واستمرت الحركات المسلحة في الحصول على السلطة بحكم القوة، وظلت الحدود تتغير بالاتفاقات النخبوية، فإن «الفيدرالية» لن تكون سوى إعادة تسمية للمركزية. ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للفيدرالية السودانية المستقبلية ليس عدد الأقاليم، ولا اسم النظام في الدستور، ولا عدد الوزارات الإقليمية، ولا عدد أعضاء البرلمانات، وإنما سؤال عملي شديد الصرامة: هل يستطيع إقليم سوداني منتخب أن يمارس اختصاصاته الدستورية، ويعبئ جزءاً من موارده، ويحصل على تحويلاته وفق معادلة معلنة، وينتخب قيادته، ويدير خدماته، ويشارك في التشريع الاتحادي، ويطعن في تجاوزات المركز أمام قضاء مستقل، ويخضع هو نفسه للمساءلة الديمقراطية، من دون الحاجة إلى إذن سياسي من الخرطوم في كل خطوة أساسية. إذا كانت الإجابة نعم، يكون السودان قد انتقل من فيدرالية الاسم إلى فيدرالية الفعل. أما إذا كانت الإجابة لا، فإن إعادة تسمية الولايات أقاليم، أو إعلان نظام اتحادي جديد، أو إصدار قوانين للحكم الإقليمي، لن تعالج المشكلة الأساسية. وستعيد الدولة إنتاج الدورة التاريخية نفسها: مركزية، تهميش، تمرد، اتفاق سلام، تقاسم مناصب، فيدرالية اسمية، إعادة مركزية، ثم حرب جديدة. وعليه، فإن الموقف العلمي الأكثر اتزاناً هو أن السودان لا يحتاج إلى «مزيد من الفيدرالية» بالمعنى العددي والإداري، وإنما يحتاج إلى فيدرالية أكثر عمقاً من الناحية الدستورية، وأكثر عدالة من الناحية المالية، وأكثر ديمقراطية من الناحية السياسية، وأكثر مدنية من الناحية الأمنية، وأكثر انفتاحاً من الناحية الاجتماعية، وأكثر قابلية للقياس من الناحية الإدارية. وهذا هو الفرق بين الفيدرالية باعتبارها شعاراً والفيدرالية باعتبارها عقداً وطنياً. والفيدرالية التي يحتاجها السودان بعد الحرب ليست فيدرالية المركز الذي يمنح الأقاليم سلطة متى شاء ويسحبها متى شاء، وليست فيدرالية الحركات المسلحة التي تحول القوة العسكرية إلى حق دائم في الحكم، وليست فيدرالية قبلية تجعل كل إقليم ملكية لجماعة، وليست فيدرالية مالية تجعل الولايات تعيش على منح غير متوقعة، وليست فيدرالية أمنية تسمح بتعدد الجيوش. إنها فيدرالية مواطنة، وفيدرالية موارد، وفيدرالية مساءلة، وفيدرالية سلام، وفيدرالية أداء؛ اتحاد قوي في اختصاصاته القومية، وأقاليم قوية في اختصاصاتها، ومحليات قوية في خدماتها، وقضاء قوي في حماية الدستور، ومجتمع مدني قوي في مراقبة الجميع. وفي هذه الصيغة تحديداً يمكن أن تتحول الفيدرالية من إحدى أكثر القضايا إثارة للانقسام في التاريخ السوداني إلى إحدى أهم أدوات إعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب.

المراجع (غير مكتملة، البقية عبر التواصل مع الكاتب)

المراجع العربية

  1. اتفاق جوبا للسلام في السودان. اتفاق جوبا للسلام في السودان. الخرطوم: حكومة السودان والأطراف الموقعة؛ 2020. تاريخ الوصول: 15 أغسطس 2026.
  2. السودان تربيون. السودان يقرر إنشاء نظام اتحادي للحكم. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2021. تاريخ الوصول: 15 أغسطس 2026.
  3. السودان تربيون. الحكومة السودانية تعتمد قانون الحكم الإقليمي لدارفور. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2026. تاريخ الوصول: 15 أغسطس 2026.

English references

  1. Abdulbari N. Identities and citizenship in Sudan: governing constitutional principles. Afr Hum Rights Law J. 2013;13(2):381-414.
  2. Ahmed A. Origins, relevance and prospects of federalism and decentralization in the Horn of Africa. Nationalities Papers. 2022;50(5):871-885.
  3. Al-Ali Z. The Juba Agreement for Peace in Sudan: summary and analysis. Stockholm: International IDEA; 2021. 48 p. Accessed August 15, 2026.
  4. Anderson G. Federalism: an introduction. Oxford: Oxford University Press; 2008.
  5. Brancati D. Peace by design: managing intrastate conflict through decentralized political systems. Oxford: Oxford University Press; 2009.
  6. Carnegie Endowment for International Peace. The Comprehensive Peace Agreement. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2011. Accessed August 15, 2026.
  7. Chatham House. Africa’s dilemmas in the Sudan. London: Royal Institute of International Affairs; 1998. Accessed August 15, 2026.
  8. Chatham House. Sudan stakeholder dialogues: conclusions. London: Royal Institute of International Affairs; 2019. Accessed August 15, 2026.
  9. Chatham House. Sudan stakeholder dialogues: building the Sudan of the future: inclusion and capacity development. London: Royal Institute of International Affairs; 2019. Accessed August 15, 2026.
  10. Chatham House. Restoring a federal governance system in Sudan. London: Royal Institute of International Affairs; 2021. Accessed August 15, 2026.
  11. Chatham House. Gold and the war in Sudan: introduction. London: Royal Institute of International Affairs; 2025. Accessed August 15, 2026.
  12. Chatham House. Emergency Response Rooms work in Sudan: we could change aid models in other warzones. London: Royal Institute of International Affairs; 2026. Accessed August 15, 2026.
  13. Darfur Peace Agreement. Darfur Peace Agreement. Abuja: Government of Sudan and Sudan Liberation Movement/Justice and Equality Movement; 2006. Accessed August 15, 2026.
  14. El-Battahani AEH, Gadkarim HA. Governance and fiscal federalism in Sudan, 1989-2015: exploring political and intergovernmental fiscal relations in an unstable polity. Bergen: Chr. Michelsen Institute; 2017. Sudan Report 2017:1. Accessed August 15, 2026.
  15. Elazar DJ. Exploring federalism. Tuscaloosa: University of Alabama Press; 1987.
  16. Eastern Sudan Peace Agreement. Eastern Sudan Peace Agreement. Asmara: Government of Sudan and Eastern Front; 2006. Accessed August 15, 2026.
  17. Gallopin JB, Thomas E, Detzner S, de Waal A. Sudan’s political marketplace in 2021: public and political finance, the Juba agreement and contests. London: London School of Economics and Political Science; 2021. Accessed August 15, 2026.
  18. Horowitz DL. Ethnic groups in conflict. 2nd ed. Berkeley: University of California Press; 2000.
  19. International Monetary Fund. Sudan: selected issues. Washington, DC: International Monetary Fund; 2012. IMF Country Report No. 12/299. Accessed August 15, 2026.
  20. Johnson DH. Federalism in the history of South Sudanese political thought. Nairobi: Rift Valley Institute; 2014.
  21. Johnson DH. The root causes of Sudan’s civil wars. 3rd ed. Woodbridge: Boydell & Brewer; 2016.
  22. Juba Agreement for Peace in Sudan. Juba Agreement for Peace in Sudan. Khartoum: Government of Sudan and signatory parties; 2020. Accessed August 15, 2026.
  23. Kimenyi MS. Making federalism work in South Sudan. Washington, DC: Brookings Institution; 2012. Accessed August 15, 2026.
  24. Lijphart A. Democracy in plural societies: a comparative exploration. New Haven: Yale University Press; 1977.
  25. O’Leary B. The federalization of Iraq and the break-up of Sudan. Government and Opposition. 2012;47(3):481-516.
  26. Rodden J. Comparative federalism and decentralization: on meaning and measurement. Comparative Politics. 2004;36(4):481-500.
  27. Rolandsen ØH, Daly MW. A history of South Sudan: from the Addis Ababa Agreement to the second civil war. Cambridge: Cambridge University Press; 2016.
  28. Snyder J. From voting to violence: democratization and nationalist conflict. New York: W.W. Norton; 2000.
  29. Stepan A. Federalism and democracy: beyond the US model. Journal of Democracy. 1999;10(4):19-34.
  30. Sudan Tribune. Sudan establishes federal system of government. Khartoum: Sudan Tribune; 2021. Accessed August 15, 2026.
  31. Sudan Tribune. Al-Burhan grants regional autonomy for Sudan’s Two Areas. Khartoum: Sudan Tribune; 2021. Accessed August 15, 2026.
  32. Sudan Tribune. Sudan’s PCP says opposed to one region demand for Darfur. Khartoum: Sudan Tribune; 2008. Accessed August 15, 2026.
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

من يسمع استغاثة جبل مرة؟
الأخبار
تجمع المهنيين السودانيين ، قوى نداء السودان ، قوى الإجماع الوطني، التجمع الإتحادي المعارض يصدرون بيانا هاما يعنلون فيه فتح التوقيع لكل من يريد أن يرمي سهماً في صدر هذا النظام ويهيب بالخروج في جمعة الحرية 4 يناير وتسيير الموكب الثالث يوم الأحد 6 يناير ٢٠١٩
الأخبار
اقالة الموظف المسؤول عن خطأ بث آذان المغرب قبل وقته بالتلفزيون
منشورات غير مصنفة
ماذا حققت المعارضة بمقاطعتها الإنتخابات! .. بقلم/أحمد حمزة أحمد
منبر الرأي
فجيعة الوطن في أهله

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

جغرافيا وتاريخ ممالك كوش في السودان: دراسة نقدية أولية (الجزء الثاني)

عبد المنعم مختار
منبر الرأي

البحث عن مفاوضين؟؟!!

كمال الشريف
منبر الرأي

مجلس التخصصات الطبية ، ماذا دهاك !!؟؟؟ .. بقلم: عميد معاش طبيب سيد عبد القادر قنات

د.سيد عبد القادر قنات
منبر الرأي

أوراق من الواحة: صحفي في بيوت الأشباح .. بقلم: علاء الدين أبومدين

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss