من قرية ود طرفة الي برلين الي الدكتور ” حامد فضل الله القرشي” في ثمانينيته .. بقلم: د. هجو علي هجو


يقول المثل الصيني ” إن قلما باهتا خير من ذاكرة حديدية ” 

إن مجتمع (المشافهة) في السودان ينسينا أن نوثق لعماليق، وتمنعنا مجالس الأنس عن التدوين، ويسرق الزمن من ذاكرتنا طعام الذكريات ثم ينساهم حتى أقرب الأقربين.
ينحدر الدكتور حامد فضل الله من أرومة أصيلة في السودان حملت معها تطلعات التعليم والتجارة من دار الجعليين الي أم درمان، ومنها تفرقت ببعضهم سبل الحياة الي الأبيض والمسلمية ومدن السودان الأخرى. وتحمل أسرته في وجهها وشم الفن وتجري في عروقها جرثومة الشعر، فعمه الشاعر الفحل ” محمد عوض الكريم القرشي “.
دكتور حامد من الجيل الثاني للسودانيين الذين درسوا بالخارج اذ دخل ألمانيا الشرقية بُعَيد استقلال السودان في العام 1957 لدراسة الطب وبعد ثلاثة سنوات من بداية الدراسة في عام 1960 التقي زوجته التي كانت تدرس الاقتصاد، فهي امرأة فاضلة أعطته أفضل ما عند الألمان، احترامهم للوقت واعتدادهم بأنفسهم وأخذت منه أفضل ما عند السودانيين التواضع واكرام الضيف. هذه الزيجة من أمثلة الزيجات الناجحة لسودانيين من أجنبيات و أوربيات تحديدا مثل ” الهرم الراحل المقيم عبد الله الطيب و جيزيلدا الطيب ” و ” عبقري الرواية العربية الطيب صالح و زوجته ” ، وفي برلين هنا أمثلة كثيرة سوف نتعرض لأبطالها في الحلقات القادمة ان شاء الله.
رجع السودان طبيبا بعد ثورة أكتوبر 1964، عمل كطبيب امتياز في كل من أم درمان-الخرطوم-جوبا. قفل راجعا لألمانيا الغربية في العام 1967 في منحة دراسية من وزارة الصحة السودانية ليتخصص في طب النساء والتوليد.
بعد أن أكمل التخصص رجع للسودان في عام 1973 وبقي به حتي عام 1975. تم نقله لمستشفي المناقل بمنطقة غرب الجزيرة ولكنه طلب اجازة مستحقة لمدة سنتين ذهب علي اثرها الي ديار الحبيب ووجد فرصة عمل بواسطة أستاذه بكلية الطب. استمر عمله حتي تقاعده في العام 2004.
تعرفت اليه في احدي فعاليات الجالية السودانية في برلين، عندما تقابله لأول تحس أنك تعرفه منذ زمن فهو ” هين تستخفه بسمة الطفل ” ما زال يحتفظ ببساطة ناس الجزيرة، يتفق معك بحب ويختلف معك باحترام. له علاقات كبيرة بالوجود العربي خصوصا اليسار منهم.
عندما زرته لأول مرة في داره العامرة بضاحية شارلوتنبورغ ببرلين هالني بعد حرارة الاستقبال مكتبته التي تقع في غرفة علي يمين المدخل الرئيسي لبيته، كتب مصنفة مرتبة، التأريخ ، الاقتصاد السياسي، السير والأخبار، أدب سوداني كتاب سمعت بهم وآخرين لم أسمع بهم، علم الاجتماع وعلم الأجناس، كتب في الماركسية والاقتصاد الماركسي لا أظنها توجد حتي في مكتبة الكرملين، كتب في تفسير القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة، كل الدوريات التي تصدر في مراكز ما يسمي الفكر الحر والتنوير، أعمال كاملة لشعراء …الشوقيات …صلاح عبد الصبور…القدال…الدوش..وروايات سودانية …وكل ما كتبه الطيب صالح أو كتب عنه …وكل ما يكتب بالألماني من أدب وفكر سياسي فهو أديب سلك طريق الطب. مكتبة ذكرتني بتلك الغرفة ذات السقف الأحمر المحدودب التي بناها مصطفي سعيد في مكان لا يوجد فيه شيء بهذا الشكل والمحتوي ودخلها الراوي بعد غرقه وانتحار حسنة بنت محمود.
له سلسلة كتابات تحت اسم ( من حقيبة الذكريات )، تتخالط فيها الوقائع القديمة بالأفكار الجديدة وتتصادم بذكريات توهان السودانيين والعرب بالحياة الأوروبية. كما ترجم معظم ما كتب باللغة الألمانية عن الكتاب السودانيين خصوصا ما كتب عن أدب الطيب صالح، وكانت ترجماته بلغة رصينة مفادها إجادته التامة لناصية اللغتين العربية والألمانية.
في نوفمبر 2013م أصدر كتابا موسوماً ب ” أحاديث برلينية ، حول قضايا أوروبا والاسلام وفي الأدب والفكر”. فهو كتاب يختزل تجربة حياة مفعمة بالعطاء، صاخبة ومتمردة على الجغرافيا والتاريخ، النسبي والمطلق. كتاب يقول لك ان دكتور حامد مثقف استثنائي كما يرى الدبلوماسي الألمعي ” خالد موسى دفع الله “. فهو لم يكن مثقفا عاجزا عن أداء دوره في مجتمعه (كما يرى غرامشي) ولا هو مغترب هامشي كما يرى (ادوارد سعيد)، فهو كما قال عن نفسه في ثنايا الكتاب ” أنا لا أشعر بأنني أجنبي في برلين، ولم ينتابني انطباع بالغربة أبدا ” ولم يكن مصادفة أن اختارته صحيفة تاقسشبيقل في عددها الصادر 3 يونيو 2013م ك ” شخصية استثنائية “. فقد استهل الفصل الثاني من الكتاب – أهم فصول الكتاب – بدراسته الرائدة عن ” المسلمين والعرب وإشكالية الاندماج في المجتمع الألماني ودور النخب العربية ” فقد خالف كل توجهات ادوارد سعيد في هذا الشأن، فهو يرى أن أكبر معوق لاندماج العرب والمسلمين في المجتمع الألماني خاصة والأوروبي عامة هو “الخوف من فقدان الهوية العربية والاسلامية”.

دكتور حامد له كل خصائص المثقف العضوي فهو يمازج بين توليد الرؤى والتصورات وفي ذات الوقت يلعب دوره في تشكيل الوعي الجمعي. فهو رجل نشط فهو عضو مؤسس لمنظمة حقوق الانسان في البلدان العربية – ألمانيا (أومراس)، كما أنه عضو نشط في منظمة ابن رشد للفكر الحر، وحاليا عضو اللجنة التنفيذية وأمين الصندوق للمنظمة العربية لحقوق الانسان في القاهرة.
فحامد فضل الله إحتضنته برلين، وغسلته في لجة الفكر وصقلته بالمعارف والتثاقف والشجن، وجمرته بالإغتراب فعكف علي تصوير إختلاجاته وذكرياته بإرتعاشات مدهشة.

hagoali@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً