د. عمرو محمد عباس محجوب
إذا واصلنا التحليل من زاوية ميزان القوة لا من زاوية الخطاب الإعلامي، فالصورة تصبح أكثر وضوحاً. والأهم أن نفصل بين الزغاوة ككتلة سكانية وبين القوى المسلحة ذات القيادة الزغاوية، لأنهما ليسا شيئاً واحداً. يمكن اختصار القوة السياسية في دارفور في أربعة عناصر: السكان والأرض و السلاح و القدرة على الاتصال بالمركز الإقليمي والدولي. والزغاوة لديهم ميزة مهمة جداً في العنصرين الأخيرين، حتى لو لم يكونوا أكبر مجموعة سكانية في دارفور.
وهنا تظهر المفارقة: القوة السياسية لا تتناسب بالضرورة مع العدد السكاني.
اذن لماذا الزغاوة أكثر تأثيراً من حجمهم الديموغرافي؟هناك خمسة أسباب اولا: الجغرافيا فمنطقة الزغاوة في شمال دارفور تقع في فضاء صحراوي مفتوح يمتد نحو تشاد وليبيا. وهذا يعطي الجماعات التي تتحرك في هذا المجال خبرة تاريخية في الحركة والطرق العابرة للصحراء. وهذه ميزة استراتيجية لا يمتلكها مجرد الحجم السكاني. ثانيا: التشابك السوداني التشادي فالزغاوة موجودون على جانبي الحدود السودانية التشادية وهذا يعني أن الصراع بالنسبة لبعض القوى الزغاوية ليس محصوراً داخل الحدود السودانية تماماً. وهذه نقطة شديدة الأهمية في حسابات القوة. فالقوة المحلية التي لديها عمق اجتماعي عبر الحدود تختلف عن قوة محلية محاصرة داخل إقليم واحد مثل الفور. ثالثاً: العامل العسكري لكن هنا يجب الحذر من الأرقام المتداولة فلا توجد حالياً قاعدة بيانات موثوقة والسبب أن القوات الموجودة في دارفور ليست جيوشاً قبلية صافية. لذلك فإن تصنيف كل مقاتل على أساس قبيلته سيكون مضللاً. لكن يمكن القول إن بعض القيادات والتشكيلات ذات الثقل الزغاوي تمتلك خبرة قتالية وسياسية تفوق بكثير ما يوحي به الوزن السكاني وحده. رابعاً: وهنا نصل إلى “تهديد الشمال”. ونقراها على ثلاثة مستويات مختلفة تماماً: المستوى الأول: القدرة على الوصول إلى شمال السودان وهذه ممكنة نظرياً لقوة مسلحة تتحرك عبر الصحراء. المستوى الثاني القدرة على مهاجمة أهداف في الشمال. وهذه أيضاً ممكنة، إذا توافرت القدرة اللوجستية والاستخباراتية كما حدث في غارة العدل والمساواة على العاصمة. المستوى الثالث وهو احتلال شمال السودان وإدارته. وهذا شيء آخر تماماً.
وهو أصعب بكثير. لذلك فإن عبارة:
“سنحتل الشمال” يمكن أن تكون أداة ردع سياسية أكثر منها خطة عسكرية قابلة للتنفيذ.
لكن لماذا تهديد الشمال مفيد تفاوضياً؟ لأن السودان لديه مشكلة تاريخية: فالمركز يملك مؤسسات الدولة، بينما الأطراف تملك أحياناً القدرة على تعطيل الدولة. وهذه قاعدة مهمة لفهم الحروب السودانية عموماً.فالقوة المسلحة لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال الخرطوم لكي تصبح مؤثرة. يكفي أحياناً أن تجعل الدولة تقول: “إذا لم نتفاوض معها، فتكلفة الحرب ستزداد.” وهذا هو مبدأ قوة التعطيل.
ماذا يريد اللاعب الزغاوي في أفضل سيناريو واقعي؟ إذا وضعنا جانباً الشعارات، فإن المكاسب الأكثر واقعية يمكن ترتيبها هكذا: ضمان مركز سياسي دائم وليس مجرد منصب مؤقت في حكومة انتقالية و ضمان أن يكون للمنطقة وزن مؤسسي في الدولة. ثانيا: إعادة توزيع الموارد فدارفور تاريخيا عانت من ضعف الاستثمار مقارنة بالمركز. لذلك فإن الخدمات قد تكون أهم من الحصول على عدد من الوزارات. ثالثا: إعادة بناء الأجهزة الأمنية
وهذه ربما تكون المسألة الأصعب فالقوى المسلحة التي قاتلت سنوات لن تقبل بسهولة العودة إلى الحياة المدنية إذا كانت ترى أن ذلك يجعلها بلا حماية.
لذلك سيظهر سؤال: من يملك السلاح بعد التسوية؟
خطابً “نحن القوة القادرة على غزو الشمال، قد يعطي مكاسب قصيرة المدى، ولكنه يمكن أن يخلق مشكلة استراتيجية طويلة المدى لأن باقي السودان قد يبدأ في بناء تحالف مضاد.
وبذلك تتحول المعادلة من: مركز و هامش لتحالف ضخم ضد مشروع يُنظر إليه باعتباره مشروع هيمنة قبلية.
وهذا أخطر شيء يمكن أن يحدث لأي قوة دارفورية.
المشكلة مع العرب في دارفور مختلفة ،فهم رغم قوتهم العددية (يقدرون ٤٠٪ من مجموع السكان قبل الحرب الأخيرة) فإنهم ليسوا كتلة واحدة بل مجموعات متعددة، ولها مصالح وتحالفات مختلفة، وقد تكون متصارعة فيما بينها. والأمر نفسه ينطبق على الفور والزغاوة. لذلك فإن المعادلة الحقيقية ليست: زغاوة ضد عرب ضد فور بل شبكة أكثر تعقيداً: فهناك القبائل والحركات المسلحة والجيش والدعم السريع والإدارة الأهلية والاقتصاد والدول مثل تشاد وليبيا ودول أخرى والقوى الدولية. وهذا يفسر لماذا يصعب جداً التنبؤ بمسار الحرب بمجرد معرفة الانتماء القبلي.
العوامل التي قد تقلب ميزان القوة
هي ثلاثة متغيرات أخطر من عدد السكان: الثروات المختلفة والذهب والطرق. لانه إذا تمكنت قوة ما من السيطرة على طرق التجارة ومناطق التعدين والمعابر الحدودية فإنها تستطيع تمويل قوتها حتى لو لم تكن الأكثر عدداً. وهذا درس متكرر في الحروب الأهلية. لذلك فإن السؤال الصحيح ليس كم عدد الزغاوة؟بل: كم يستطيع الطرف الزغاوي من السكان تعبئته؟ وكم يستطيع من الموارد تأمينه؟ وما مقدار الأرض التي يستطيع الدفاع عنها؟ وما عمقه الخارجي؟ وهذه هي الأرقام التي تحدد القوة الحقيقية.
نناقش اخيرا السيناريوهات الثلاثة التي تحكم هذا التصعيد: السيناريو 1 — التهديد كأداة تفاوض وهو الأكثر عقلانية. خطاب مرتفع السقف مع ضغط عسكري محدود (ماتقوم به المشتركة من توترات أمنية) يقود لتفاوض تخرج به بمكاسب سياسية وإقليمية. هنا يكون الحديث عن الشمال وسيلة لرفع سعر التفاوض. السيناريو 2 — توسع الحرب فإذا انهارت التسوية، فقد تتحول التهديدات إلى عمليات عسكرية خارج دارفور. وهنا تتسع الحرب جغرافياً بصورة خطيرة. السيناريو 3 — رد فعل عكسي فإذا أصبح الخطاب علنياً ومستمراً حول “احتلال الشمال”، فقد ينشأ: تحالف شمالي/وسطي/شرقي واسع ضد أي مشروع يُنظر إليه على أنه إعادة إنتاج للسيطرة المسلحة على الدولة. وهذا قد يجعل القوة الزغاوية تخسر عسكريا ما كسبته سياسياً. وهو مآزق مناوى حالياً
