منطق القوة والقانون والعدل .. بقلم: د.أمل الكردفاني


لحقيقة منطق القوة كان لابد من تخفيفه … لا يوجد ظالم ومظلوم ؛ بل قوي وضعيف ، منتصر ومنهزم ، مادمت منتصرا فنكل بعدوك ، ومادمت منهزما فتقبل التنكيل ، لا تصرخ:أنا مظلوم .. فأنت فقط ضعيف مهزوم .. هذه هي حقيقة الحياة ولذلك الحروب والقتل والدماء والدموع بين الفلسفات والأديان والطوائف والقبائل والشعوب والدول …الخ لازالت مستمرة.. جهز أسلحتك لخوض معركتك الدامية من أجل فرض قوتك.. وإلا فانتظر هزيمتك أو هروبك إلى ظل الأعداء . من أجل التخفيف على منطق القوة ، حاول الإنسان أن يضع آليات منها القانون ليقلل من إستخدام القوة دون أن يمنعها ﻷن القانون نفسه -وهو نسبي – يعتمد على الجبر ؛ أي استخدام القوة . والقانون نسبي ﻷنه لا يمنحنا عدالة مطلقة ، بل قد تؤدي بيروقراطيته إلى زج أبرياء في السجون واعدام آخرين في حالات كثيرة . ولكن أيضا ﻷن القانون هو منتج تصارعي ؛ فالأنظمة السياسية المنتصرة هي التي تضع القانون ليحقق مكاسبها ، فالأنظمة الشيوعية والدينية والليبرالية التي تنتصر في معركتها السياسية عسكريا أو ديموقراطيا تبدأ في بسط سيطرتها عبر القانون بإلغاءات وتعديلات ؛ يتم تصفية المبادئ القديمة وإحلال أخرى جديدة محلها ويضطر القضاء – وهو الملزم بتطبيق القانون أيا كان اتجاهه – بتغيير مواقفه ، إذا فمنطق القوة هو السائد بشكل مباشر أو غير مباشر ؛ وإذا فالقانون نسبي ، من أجل خداع الضعفاء تم اختراع مصطلح آخر ونحته وهو مصطلح العدل ، وهكذا نشأ نقيضه وهو الظلم ، والعدل مطلق والعدالة نسبية ، وبما أن كل منتج بشري نسبي فلا يوجد عدل بل عدالة والعدالة نسبية ، إن ماهو عادل لطرف ظالم لطرف آخر وبيروقراطية العدالة من بيروقراطية القانون ؛ تؤدي إلى سلبيات فلا يتساوى الناس أمامها ﻷن القانون منتج عملي لنظرية لنظرية العدالة. إن القانون خط لغوي ، أي أنه مكون من جمل لغوية ، من المفترض على هذه اللغة أن تعبر عن ماديات ومعنويات مجتمعة أي خليط من المحسوس واللامحسوس ؛ ونتيجة لاستحالة تحقيق ذلك اجترح المشتغلون بالقانون معيارا خارج القانون وهو روح القانون ، وروح القانون هو مصطلح فضفاض يتجاوز الخط اللغوي ليشتغل في الخط الإنساني البشري أي القاضي كبشر ، ويلقي هذا المصطلح بلغزه إلى القاضي المسكين الذي يتورط مابين مبادئ تمجد وتقدس النص كمبدأ المشروعية وما بين القفز فوق النص هل يستطيع إلغاء النص؟ هل يستطيع الاجتهاد مع النص؟ بالتأكيد لا يستطيع ، ولذلك قرر أنصار فكرة روح القانون أن القاضي يستطيع الاجتهاد في النص بتضييقه وتوسيعه ، وهنا يقف أنصار قداسة النص كالسيف المسلول ويتساءلون: ماهي حدود التوسعة وماهي حدود التضييق ﻷن إطلاق الإجتهاد في النص يعني أن القاضي ينصب نفسه برلمانيا يمط النص فيدخل فيه ما ليس منه أو يضيقه فيخرج منه ما هو فيه؟! إن هذه المشكلة تظهر جليا في فرع من أخطر فروع القانون وهو القانون الجنائي ، حيث يتم تفسير العدو أو الشغب أو كل ما يمس سلطة الحكم تفسيرا واسعا ، وفي المقابل يتم تفسير الفساد تفسيرا ضيقا وهكذا ، إن هذا كله يعيدنا مرة أخرى إلى منطق القوة كمنطق سائد وهشاشة مصطلحي القانون والعدل .

الحادي عشر من سبتمبر2015  

amallaw@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً