د. الرشيد خليفة
يظنُّ كثيرٌ من القرّاء الكرام أن السؤال «هل السودان مهدُ البشرية؟» سؤالٌ فلسفيٌّ يُتبارى به في الصالونات الثقافية أو تُزيَّن به الخطب الوطنية في أيام الاحتفالات، فلا يُلزم أحداً بشيء. غير أن الحقيقة أعنف من ذلك: فهذا سؤالٌ تجيب عنه العظام قبل الألسنة، والجينات قبل الأساطير، والتربة الحمراء على ضفاف النيل قبل كلّ كتاب مدرسي طُبع في القاهرة أو لندن أو واشنطن. والمشكلة ليست في غياب الدليل، بل في حضور الرغبة في غياب الدليل. في هذا المقال نُجيب بصورة علمية موثقة: نعم، وادي النيل الأعلى وما يحيط به من المنابع الأفريقية — التي يقع في قلبها السودان الجغرافي اليوم — هو من أشد البقاع في العالم صلةً بتطور الإنسان العاقل ( Homo sapiens أو الأنسان الحكيم)، بل إن بعض الأدلة ترفع هذه الصلة إلى ما هو أقدم من الإنسان العاقل نفسه. لكننا سنُوضح أيضاً ما يقوله العلم بدقة، وما لا يقوله، لأن الأمانةَ العلمية هي ما يُميّز هذا النوع من الكتابة عن الخطب الحماسية التي تُرفع فيها الأعلام ويُسفك فيها الحبر والدم بالتساوي. الإطار الجغرافي والزمني — لأن لا معنى للكلام بلا خريطة عندما يقول العلماء «أفريقيا جنوب الصحراء» أو «حوض النيل الأعلى» أو «القرن الأفريقي» في سياق نشأة الإنسان، فإنهم لا يقصدون ذلك التصنيف السياسي الذي أنتجه رسّامو خرائط القرن التاسع عشر وهم يُدخّنون غلايينهم ويتقاسمون ما لا يملكون. بل يقصدون منطقةً تمتد من إثيوبيا شرقاً إلى تشاد غرباً، ومن وسط السودان شمالاً إلى كينيا وتنزانيا جنوباً، وهي المنطقة التي تتمركز فيها الغالبية العظمى من الاكتشافات المتعلقة بتطور الجنس البشري في آخر مئة عام من علم الحفريات [1]. السودان الجغرافي — وهو الأراضي التي كانت تُعرف تاريخياً بـ«بلاد السودان» قبل أن يُفتّت الاستعمار والسياسة ما فتّت — يقع في قلب هذه المنطقة. فهو جارٌ للحوض الإثيوبي المنبع للأدلة الأحفورية، وعلى ضفاف النيل الذي كان سيّال الحياة الحافر للحضارات. ومن يقرأ خريطة إفريقيا بعيون جيولوجية يدرك أن ما بين الخرطوم وأديس أبابا وجوبا ونيروبي ليس فروقاً في الهوية، بل تضاريسُ ضمن حوضٍ واحد عظيم [2]. شواهد الحفريات — أو حين تتكلم العظام بما لا تُفصح عنه المناهج الدراسية الاكتشاف الأكثر تأثيراً في هذا السياق هو الهيكل الجزئي المعروف بـ«لوسي» (Australopithecus afarensis) الذي اكتُشف عام 1974 في هدار، إثيوبيا، ويعود إلى نحو 3.2 مليون سنة [3]. ثم جاء «تشاد الإنسان» (Sahelanthropus tchadensis) عام 2001 من تشاد، ليؤخّر بداية شجرة الإنسان إلى قرابة 7 ملايين سنة [4]. ورغم أن هذين الموقعين ليسا داخل الحدود الإدارية للسودان، فإنهما يُحكمان الإطار الجغرافي الذي يقع السودان في قلبه — وهذا ما يجعل التفريق الحدودي في هذا السياق ضرباً من العناد الذي لا تستحقه الحقائق العلمية. هؤلاء النموذجان يصنفان ضمن مرحلة سابقة للإنسان العاقل، Homo habilis and Homo erectus . بالمناسبة، يقول دونالد جونسون، مكتشف لوسي عام 1974، انها عجوز ضئيلة الحجم لم يذد طولها عن ثلاث اقدام، ووزنها لم يذد عن ستين رطل ولكن طاعنة في السن إذا قاربت 3.5 مليون عام. أما على التراب السوداني مباشرة، فثمة ما لا يقل أهمية. ففي منطقة سنجة (Blue Nile State) اكتُشف ما يُعرف بـ«إنسان سنجة» (Singa Skull) عام 1924، وهو جمجمة بشرية تعود إلى ما بين 133,000 و160,000 سنة، وصُنّفت ضمن المجموعات المبكرة من الإنسان العاقل في أفريقيا [5]. وقد ظلّت هذه الجمجمة في متحف التاريخ الطبيعي في لندن — وهذه مفارقة لها فصلها الخاص في تاريخ نهب التراث الأفريقي — دون أن تنال من الاهتمام الإعلامي والعلمي ما نالته اكتشافات أخرى في مواقع أقل أثراً [6]. كذلك تحتضن منطقة وادي حلفا ومواقع النوبة المتعددة آثاراً للثقافات الحجرية القديمة (Paleolithic & Mesolithic) التي تمتد من 300,000 إلى 10,000 سنة قبل الحاضر، مما يجعل الوجود البشري في السودان مستمراً ومتطوراً في سياق لا انقطاع فيه تقريباً [7]. علم الجينوم وشهادة الحامض النووي — الدليل الذي لا يُقبل عليه الرشوة إذا كانت الحفريات تحتاج إلى حظ في الاكتشاف وإلى تفسير يتدخل فيه أحياناً الهوى، فإن علم الجينوم لا يعرف الهوى. وما تقوله الدراسات الجينية واضحٌ إلى حد الإحراج: الإنسان العاقل (Homo sapiens) نشأ في أفريقيا، ونشأ في المنطقة التي تضم اليوم إثيوبيا وجنوب السودان وتنزانيا والمناطق المجاورة بصورة رئيسية. الدراسة الجينية التي أجراها ثرونتون وزملاؤه (2015) ونُشرت في مجلة Science، وتلك التي أجراها هان وزملاؤه (2017) في Nature، كلتاهما تُكدّسان الأدلة على أن أكبر التنوع الجيني في السكان البشريين اليوم يوجد في القرن الأفريقي وجنوب شرق أفريقيا [8]. وحيث يتمركز أكبر تنوع جيني، ثمة الموطن الأصلي — هذه قاعدة علم التطور الجيني البديهية، وهي أن السكان الذين بقوا في المكان الأصلي يحتفظون بتنوع جيني أكبر مما أخذه من هاجر بعيداً. دراسات الحامض النووي للميتوكوندريا (mtDNA) تحديداً — الذي يُورَث بصورة حصرية عن طريق الأم — تُشير إلى أن «حواء الميتوكوندريا»، أي السلف المشترك لجميع البشر من جهة الأمهات، تعود إلى منطقة أفريقيا جنوب الصحراء في حدود 100,000 إلى 200,000 سنة مضت [9]. ليس هذا معناه بالطبع أنه لم يكن يوجد بشر آخرون في ذلك الوقت، لكنه يعني أن الخط الجيني الذي وصل إلى جميع البشر الأحياء اليوم يمر بتلك المنطقة وذلك الزمن. نبتة ومروي — حين صار السودان مُعلّم العالم القديم حتى لو تجاهلنا — تجاهلاً يصعب تبريره — كل الأدلة الأنثروبولوجية، فإن الحضارة النبتية المروية ترفع يدها بأدلة أثرية صارمة على ريادة السودان الحضارية. مملكة كوش بعاصمتيها نبتة ثم مروي وثّقت حضوراً حضارياً متصلاً من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي، وأنتجت كتابةً مستقلة (الخط المروي) لم يُفكَّ رموزها كلياً حتى اليوم — مما يعني أن جزءاً من إرثها الفكري لا يزال في حصنه محاطاً بسور العجز اللغوي الذي لم يُحاول اقتحامه إلا قليلون [10]. وحين يذكر المؤرخون أن الفراعنة الكوشيين (الأسرة الخامسة والعشرون) حكموا مصر من القرن الثامن قبل الميلاد، فإنهم يُسجّلون واقعة لا يحبّ كثيرٌ من كتّاب التاريخ الشعبي التوقف عندها طويلاً: وهي أن الجنوب علّم الشمال، ومدّ يده للشمال حين احتاج الشمال، وأن «أفريقيا العميقة» التي يرسمها الخيال الاستعماري في صورة التخلف والبدائية كانت في تلك الحقبة تُصدّر الفراعنة والأهرام والإدارة [11]. ما لا يقوله العلم — لأن الأمانة أهم من الحماس لن يكون هذا المقال أمينًا إذا أغفل حدود ما تقوله الأدلة. العلم لا يقول إن السودان «وحده» هو مهد البشرية بمعنى أن أجداد الإنسان ظهروا في بقعة واحدة محددة داخل حدوده الإدارية الحالية. التطور لم يعرف الحدود الدولية، ولم يكن مسؤولاً عن تثبيت إقامته في محافظة بعينها. ما يقوله العلم هو أن السودان جزء لا يتجزأ من المنطقة الأفريقية التي شهدت تطور الإنسان، وأن الشواهد الأثرية والجينية تجعله في قلب هذه المنطقة لا على هامشها [12]. كذلك تجدر الإشارة إلى أن نظرية «أصل أفريقي واحد» (Recent African Origin) التي تسود اليوم في الأوساط العلمية ليست نهائية بلا نقاش: فثمة دراسات تُعيد طرح سؤال الهجرات المتعددة من أفريقيا، وسؤال التزاوج بين الإنسان العاقل والنياندرتال والإنسان الدينيسوفي خارج أفريقيا، أي أروبا وأسيا ، مما يُعقّد الصورة دون أن يمحو المحور الأفريقي [13]. لماذا يُقاوَم هذا التاريخ — وهذا هو الفصل الأمتع من المفيد أن نتساءل: لماذا لا يحتلّ هذا الموروث الأثري السوداني الحيّز الذي يستحقه في الوعي العالمي والتعليم العام؟ الإجابة ليست غامضة على من قرأ تاريخ علم الأنثروبولوجيا الاستعمارية: فقد نشأ هذا العلم في حضن الإمبراطوريات الأوروبية، وكان من مهامه — صراحةً أو ضمناً — تأسيس هرمية حضارية تضع الأوروبي في قمّتها وتُزوّد الإدارة الاستعمارية بمسوّغ فكري لوجودها [14]. ولذا فإن إنسان سنجة بقي في متحف لندن بدلاً من أن يكون في مركز الروايات التعليمية عن أصل الإنسان، ولذا تحتاج الأهرامات السودانية ذات المئة والثمانين هرماً إلى تعريف في حين تُعرَّف أهرامات مصر بلا تعريف — رغم أن الأهرامات السودانية أكثر عدداً وإن كانت أصغر حجماً [15]. والأمر لا يتعلق بالحجم، إذ أن الصغر ليس عيباً إلا في عقول تقيس الحضارة بالمساحة والوزن. نعم، بشروط العلم لا بشروط الخطابة السودان مهدٌ للبشرية — بالمعنى الأنثروبولوجي والجيني والأثري الدقيق — لا بالمعنى الخطابي الذي يُريح الوجدان دون أن يُقنع الباحث. إنه جزء من المنطقة الأصلية لتطور الإنسان، وموضعٌ لبعض أقدم الشواهد المعروفة على الوجود البشري في العالم، وقاعدةٌ لحضارات وثّقت نفسها في حجارتها قبل أن يكتشفها من أتى بعدها. والسؤال الحقيقي لم يعد: «هل السودان مهدُ البشرية؟» بل صار: «متى تُقرَّر هذه الحقائق في مناهج تعليمية لا تحتاج إلى إذن من أحد؟» — والإجابة على هذا السؤال لا يملكها العلماء وحدهم، بل يملكها أيضاً من بيدهم القلم والمنهج والإرادة. المراجع [1] Stringer, Chris & Andrews, Peter. The Complete World of Human Evolution. Thames & Hudson, London, 2012 [2] McBrearty, Sally & Brooks, Alison S. “The Revolution that Wasn’t: A New Interpretation of the Origin of Modern Human Behavior.” Journal of Human Evolution, 39(5), 2000، ص 453–563. [3] Johanson, Donald C. & Taieb, Maurice. “Plio-Pleistocene Hominid Discoveries in Hadar, Ethiopia.” Nature, 260, 1976، ص 293–297. [4] [4] Brunet, Michel et al. “A New Hominid from the Upper Miocene of Chad, Central Africa.” Nature, 418, 2002،ص 145- 151 [5] McDermott, Frank et al. “New Late-Pleistocene Uranium-Thorium and ESR Dates for the Singa Hominid (Sudan).” Journal of Human Evolution, 31(6), 1996، ص 507–516. [6] Stringer, C.B. & Trinkaus, Erik. “The Singa Occipital.” في: Hominidae: Proceedings of the 2nd International Congress of Human Paleontology. Jaca Book, Milan, 1989. [7 ] Marks, Anthony E. “The Middle and Upper Paleolithic of the Near East and Nile Valley.” في: The Human Revolution, Mellars & Stringer (eds.). Edinburgh University Press, Edinburgh, 1989. [8] Pagani, Luca et al. “Genomic Analyses Inform on Migration Events during the Peopling of Eurasia.” Nature, 538, 2016، ص 238–242. [9] Ingman, Max et al. “Mitochondrial Genome Variation and the Origin of Modern Humans.” Nature, 408, 2000، ص 708–713. [10] Rilly, Claude. “The Linguistic Position of Meroitic.” Dotawo: A Journal of Nubian Studies, 1, 2014، ص 1–24. [11] Kendall, Timothy. Kerma and the Kingdom of Kush 2500–1500 BC: The Archaeological Discovery of an Ancient Nubian Empire. Smithsonian Institution Press, Washington, 1997. [12] Oppenheimer, Stephen. Out of Eden: The Peopling of the World. Constable & Robinson, London, 2003. [13] Green, Richard E. et al. “A Draft Sequence of the Neandertal Genome.” Science, 328(5979), 2010، ص 710–722. [14] Mudimbe, V.Y. The Invention of Africa: Gnosis, Philosophy, and the Order of Knowledge. Indiana University Press, Bloomington, 1988. [15] Welsby, Derek. The Kingdom of Kush: The Napatan and Meroitic Empires. British Museum Press, London, 1996.
rkhalifa747@gmail.com
