مواقف مشرقة في الخدمة العامة .. فهل يمكن تطويرها لعمل مؤسسي .. بقلم: أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
11 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
54 زيارة
سرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي قصة رواها أحد السودانيين الذين زاروا دولة آزربيجان بصحبة أسرته، وتم حجزهم في مطار باكو العاصمة، لفترة من الزمن، بحجة أن صلاحية جواز سفره ستنتهي خلال أقل من ستة شهور. وحكى عن المشقة التي عاشها هو وأسرته في المطار، والإهمال الذي عانى منه رغم اجتهاده في إقناع المسؤولين للسماح له بدخول الدولة. وتواصل مع صديق له بالخليج وأخبره عن الظروف الحرجة التي يواجهها، فزوده صديقه برقم دكتورة عوضية محمد أحمد في السفارة السودانية بأزربيجان، والتي اتضح أنها الوزيرة المفوضة ومسؤولة البعثة الدبلوماسية السودانية في العاصمة باكو. كان الوقت قد تاخر واقتربت الساعة من العاشرة مساء، لكن توكل على الله واتصل عليها. لم تخذله دكتورة عوضية وعملت ما فاق كل توقعاته، وبذلت جهداً مقدراً بطيب نفس وأريحية. فخرجت لمباني السفارة في ذلك الوقت المتأخر، واستخرجت الخطابات المطلوبة من السفارة في هذه الحالة، للسماح له بالحصول على التاشيرة، وتابعت الحالة إلى أن صدرت له تأشيرة الدخول. وزادت على ذلك أنه عندما وصل الفندق وجدها بانتظاره، وبقيت إلى أن تأكدت أن كل شيء على أتم وجه. وقد عبر الرجل عن شعوره بالامتنان بقوله (لما إدارة الفندق عرفوا إنو دي سفيرة السودان وحلت لي مشكلتي وجات تتأكد من سلامتنا ، شفت عظمة بلدي في عيونهم وعرفوا إنها بلد بتكرم مواطنيها)
وجدت هذه القصة رواجاً، وانتشرت على الهواتف والحواسيب المحمولة وغير المحمولة، باعتبارها صورة مشرقة من أعمال سفاراتنا بالخارج. وهي في الحق تستحق الاحتفاء بها وإبرازها لوحة مبهجة من لوحات الخدمة العامة التي يرسمها موظفون متميزون يبذلون ما في وسعهم في نكران ذات وتفان. وما كان لهذه الحادثة أن تحظى بهذا الاهتمام لولا الصور المحزنة التي تحتشد بها الذاكرة السودانية عن جموع السودانيين المبعثرين في المنافي، والشباب الذين توزعت بهم السبل في بلدان الله الواسعة، دون أن يجدوا عناية من سفارتنا بقضاياهم، أو محاولة للبحث عن حل للمشكلات التي تواجههم. وقد تداول الاعلام قبل فترة ليست ببعيدة عدداً من القصص السالبة عن أعمال بعض السفارات السودانية، ومن بينها تعرض أحد المواطنين السودانيين للضرب، والركل، والنعت بألفاظ نابية من قبل طاقم القنصلية السودانية بجدة، وقد وصل صدى ذلك إلى وزارة الخارجية بالخرطوم. كما تدور في الأذهان عدد من الحكايات التي توجع القلب، فقد فيها السودانيون في الخارج دعم سفاراتنا في مواجهة مظالم تعرضوا لها في الدول التي يقيمون فيها، ولم يحظوا باهتمام أو يجدوا سنداً.
إن الأهم في تداول اللوحات المريحة ذهنياً التي ترسمها بعض السفارات، مثل موقف الدكتورة عوضية والمواقف المشرفة الأخرى التي يقوم بها بعض الدبلوماسيين والطواقم القنصلية، ليس الاحتفاء والاشادة بها فقط، وإنما تناولها باعتبارها فرصاً تطويرية، والاستفادة منها على سبيل المقارنات المعيارية لتجويد أعمال الأجهزة الحكومية وتحسين إجراءاتها. فالأداء الحكومي المؤسسي بما في ذلك أداء السفارات ليس قوالب جامدة، وإنما نظم يتعين أن تكون بحكم طبيعتها قابلة للتهذيب والتطوير، من خلال توثيق إجراءاتها ومراجعتها باستمرار وتحسين مكامن الضعف فيها، وإعمال آليات قياس أداء الجهاز الحكومي للتحقق من مدى كفاءتها، وتحسينها بالاستفادة من أي ظروف مستجدة أو مقارنات مع نظم أكثر جودة. ويمكن أن تلعب الأحداث الفردية والمواقف الفردية مثل موقف د. عوضية ، دوراً في تطوير هذه الخدمات إذا تم دراستها وإدراجها من آليات العمل الخدمي للمواطنين.
فقدت الخدمات الدبلوماسية والقنصلية جزءاً كبيراً من مقدراتها وكفاءاتها نتيجة التقلبات السياسية التي ضربت الخدمة العامة في مطعن، وتأثرت بها وزارة الخارجية على وجه الخصوص منذ نشأتها عقب الاستقلال. فالدورة الجهنمية والمتمثلة في الإنتقال من حكم مدني لا تتسنى له الفرص الكافية لإرساء قيمه وتقاليده الى حكم عسكري يعمل سيفه بلا وازع ولا رادع،كما وصفها أستاذ الادارة العامة المرحوم د. ميرغني عبد العال حمور، هي السبب الأساسي في تدهور الخدمة العامة ومن بينها الخدمات القنصلية والدبلوماسية،وأدى إلى ما آلت اليه الخدمة المدنية وقيمها وتقاليدها وثقافتها . وقد دار الزمان دورته، والكرة الآن بملعب الحكومة المدنية، فهل يعي سياسيونا ضرورة إعادة خط سير الخدمة العامة نحو المؤشر الصحيح؟
abuzerbashir@gmail.com