بقلم: هشام الحلو
في عمق أم درمان، حيث تتنفس الأزقة تاريخاً وتصهر الثقافات في بوتقة فريدة، يقف حي “العرضة” ليس مجرد امتداد جغرافي، بل كمختبر اجتماعي وثقافي بامتياز. فمن هذه الأزقة الحاضنة لشجن الحقيبة وهدير المدرجات، انبعث بركان موسيقي هز أركان المشهد السوداني المعاصر، وهو ما عُرف بموسيقى “الزنق” أو “الكتمة”. وهي ليست مجرد إيقاعات متسارعة، بل هي وثيقة صوتية لحياة الهامش حينما يقرر أن يعيد صياغة المركز، وصوت جيل تمرد بفنه على القوالب الكلاسيكية الصارمة للأغنية السودانية التقليدية، ليعبر عن واقعه الصاخب والسريع.
ولا يمكن توثيق ولادة هذا الفن وتمدده كظاهرة بنيوية دون الوقوف تقديراً وتفكيكاً لعبقرية العازف الذي منح هذا اللون جماهيرية كاسحة، وهو الفنان أيمن الربع. لم يكن الربع نبتة معزولة أو عازفاً عابراً في تاريخ الأورغن، بل هو سليل شرعية موسيقية راسخة؛ إذ خرج من معطف والده، عازف الجاز الأسطوري الشهير ورئيس اتحاد موسيقى الجاز بالسودان صلاح بشير، المعروف بلقب “صلاح براون”. ومن هذا الإرث العائلي المتشبع بالنوتة، والهارموني، وثقافة الجاز المتحررة، امتلك أيمن الربع التكنيك العالي، لكنه اختار ألا يكرر الماضي، بل أن يثور عليه داخل أزقة العرضة، آخذاً آلة “الأورغن” من وقارها الكلاسيكي ليحولها إلى آلة إيقاعية حادة. ومستفيداً من مرجعية والده في هندسة التوزيع، أعاد برمجة الإيقاعات الشعبية مدمجاً إياها بالتتابع النغمي الحاد والتكنيك الحركي، ليمهد الطريق برفقة مجايليه لجيل كامل من العازفين والمغنين الذين سيطروا على الشارع لاحقاً.
وفي ذات الوقت الذي كان فيه حي العرضة يمثل الحاضن الإبداعي والتطويري لأيمن الربع، كانت أطراف الخرطوم وأحياؤها الشعبية الحيوية، مثل الديم والامتداد ومايو، تشهد وضع اللبنات الأولى والتأسيسية لهذا الفن على يد الأب الروحي والمهندس الفعلي لموسيقى الزنق، عمر نيجيري الملقب بـ “الزمبار”. في خطوة تكاملية صنعت ملامح هذا الفن، شكل نيجيري الثورة التكنيكية والثقافية الأولى التي مهدت الأرضية لجميع الموسيقيين عبر تحولات جذرية، لعل أبرزها إدخال أسلوب “تفتيق وتمشيط الأورغن”، حيث نقل هذه الآلة من دورها المصاحب إلى قيادة مطلقة للحفل عبر “صولوهات” سريعة للغاية، مبتكراً أسلوب الضغط المتكرر ليصدر الأورغن أصواتاً تحاكي غيتار الروك الصاخب المتصل بمشوهات الصوت. كما عمد نيجيري إلى أخذ إيقاعات طقوس “الزار” التراثية المكثفة وإيقاعات غرب أفريقيا – ومن هنا جاء لقبه – وقام بتسريعها رقمياً، مبتكراً تكنيك “الجرجرة” القائم على قطع الأغنية وإعادتها، أو تكرار مقطع صوتي واحد لإشعال حماس الراقصين؛ مما خلق كاريزما خاصة جعلت العازف نجم الشباك الأول، وفرضت مظهراً شبابياً حراً ارتبط برواد هذا الفن كارتداء النظارات الشمسية ليلاً.
لقد تجاوزت موسيقى الزنق جدران الأزقة والأحياء لتتحول إلى اقتصاد مواز وثقافة سائدة تدير الأفراح والساوندات، معتمدة على ثنائية العازف وصوت المغنية الاستعراضي الصاخب. وهي الظاهرة التي برز فيها ملوك العزف كأيمن الربع، وطاسو، وشيشاي، ومغرزة، بمصاحبة أصوات نسائية قوية تركت بصمتها في الساحة مثل ننوسة الملقبة بـ “الملكة”، ونجاة غرزة، وعائشة الجبل، ومروة الدولية. وامتداداً للمدرسة التأسيسية لنيجيري والشرعية الجماهيرية لأيمن الربع، قاد العازف طاسو (محمد كمال) هذه الموسيقى نحو الألفية الجديدة بإنتاج رقمي أحدث، حيث أحدث نقلة نوعية عبر إدخال أسلوب “الكتمة”، مدمجاً إياها مع مؤثرات الموسيقى الإلكترونية العالمية والدي جي المتطور، لتحقق مقاطعه ملايين المشاهدات وتتحول الموسيقى من حفلات الأحياء إلى المنصات الرقمية الكبرى والمسارح المفتوحة.
واليوم، وفي ظل الواقع القاسي الذي تعيشه أم درمان، حيث غدت شوارع حي “العرضة” العتيقة شبه مهجورة من سكانها، وشهدت جدرانه على قسوة الحرب والنزوح، تبدو موسيقى الزنق أمام اختبار وجودي جديد. إن المفارقة تكمن في أن هذا الفن الذي ولد كمرآة لواقع الشارع الصاخب، يُعاد تشكيله اليوم في منافي النزوح ودول اللجوء؛ ليعبر عن شجن جديد، وصدمة جيل حاول الطيران فكسرت الحرب أجنحته. إن صمت العرضة الحالي لا يعني موت الإيقاع، بل هو الصمت الذي يسبق إعادة صياغة الهامش لنفسه من جديد، لتظل الكتمة والزنق، حتى في زمن الشتات، صوت أولئك الذين نجوا والذين يرفضون السقوط في بئر النسيان.
ويبقى حي العرضة، بحواريه العتيقة وأريجه الأمدرماني الأصيل، مكمناً سحرياً لولادة التمرد الإبداعي؛ فمن رحم إرث الكلاسيكية الرصينة لصلاح براون، انطلق ابنه أيمن الربع ليعيد صياغة المشهد رفقة رفاقه في مختلف أرجاء العاصمة. إن موسيقى الزنق، برغم الجدل النخبوي والمعارك النقدية التي دارت حولها بدعوى خدشها للمجتمع المحافظ، أثبتت بالدراسات الأكاديمية وسوسيولوجيا الشارع أنها صراع هوية ثقافية انتصر فيه الهامش والأجيال الجديدة، لتظل الظاهرة الموسيقية الأكثر صدقاً وتأثيراً في الألفية الجديدة؛ ظاهرة خطتها أصابع عباقرة الأزقة ليعزفوا لحناً يجبر العالم على الإنصات والرقص.
hishamissa.issa50@gmail.com
