ميادين التنافس الاستراتيجي الدولي .. بقلم: د. بشير احمد محي الدين
8 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
61 زيارة
يعتبر الصراع بين الدول في سبيل تحقيق مصالحها امرأ مشروعا ووقعا معاشا وهو حق طبيعي للدول إلا إن الصراع والتنافس أضر كثيرا بشعوب ابتليت بالاستعمار ونهب ثرواتها و أوضاعة و فرص نهضتها بفعل الأقوياء الذين لم يردعهم ضمير ولا قيم فكانت بعض المناطق الجغرافيه من المعمورة ميادين للتنافس بين القوي الكبري ،فتم انتهاك قواعد النظام الدولي ومؤسساته التي بناها الآباء الأوائل ، في ظل عالم يزداد عدد سكانه والحاجة إلي تامين سبل العيش والرفاهية للشعوب ، لذلك تضع الدول استراتيجيات تؤمن خلالها حاجتها للموارد الطبيعية المتناقصة وبناء القوة التي تحفظ أمنها القومي ، ويقود هذا التنافس بمختلف أشكاله إلي صراعات يمكن أن تتطور إلي نزاعات والي حروب تستخدم فيها القوة المسلحة ، فالدول تماما مثل الأفراد الذين لا يخلو من الحاجة الي السيطرة وتحسين أوضاعهم ويمكن الفرق في إن حاجة الفرد الواحد محدودة بينما حاجة الشعوب كبيرة ومتوسعة.
فالدولة في ابسط تعريف لها عبارة عن وحدة تضامنية تجمع شعوبها قضايا متفق عليها وتعيش في رقعة جغرافية معروفة ولها قيادة سياسية وقوة عسكرية وطرق لإدارة الإنتاج وتحقيق الرفاهية ، وتدافع الدولة عن قيمها وحاجاتها بالطريقة المثلي التي تراها مناسبة علي اعتبار ان لا سلطة فوق سلطة الدولة ، هذه الدولة تتفاعل في مجتمع كبير هو (المجتمع الدولي) وتوجد تعارض في مصالحها مع دول أخرى بالتالي ينشأ الخلاف وتسعي الدولة حسب قوتها علي استحواذ الأسواق والموارد أو نشر قيمها في هذا المجتمع الكبير.
عاملي جغرافيا والموارد الطبيعية المطلوبة دوليا في أراضيها أو ميزاتها تشكل أطماع للآخرين من الدول ، لذلك تنشأ حالة التفاعل والصراع الاستراتيجي بمختلف أشكاله من (التعاون ، التحالف ، التبادل ، الصراع ، النزاع والحرب) بين الفواعل الدولية ، لذلك تنشأ مناطق جغرافية أو دول ذات ميزة دوليه مهمة ويحدث فيها أشكال التفاعل لأهميتها الإستراتيجية ورؤية الدول القوية لأهمية ما لتحقيق مصالحها الاستراتيجيه.
ميادين التنافس الاستراتيجي الدولية
منذ أن عرفت البشرية مفهوم الدولة في عصور سابقه كان هناك اهتمام ببعض المناطق الجغرافيه علي اعتبار أنها توفر موقع دفاعي جيد أو اقتصادي أو تمنح الدولة ميزة ما ، ظل السباق المحموم بين الدول علي مر التاريخ للسيطرة علي البحار والمرافئ الإستراتيجية أو الأراضي التي توفر نوع من الموارد المعدنية أو الحيوانية أو الزراعية وغيرها من الميزات التي تدعم قوة الدولة ، فبرز للسطح مفهومي التوسع والاحتلال لاستحواذ الأراضي والاستيلاء علي الموارد وتحقيق مفهوم الأمن القومي للدولة وذلك خلال (الحقبة الكولينيالية) في فترات سابقة من مراحل تطور النظام الدولي.
الدول دخلت في حروبات طويلة واستطاع الأقوياء أن يفرضوا سيطرتهم علي المناطق الإستراتيجية التي تؤمن مصالحهم ، إلا أن مفهوم القوة نفسه كان عاملا مهما في قدرة الدول علي احتلال بعض المناطق الإستراتيجيه أو الدفاع عنها ، لان مفهوم القوة غير ثابت لأنها تبني وتطور وتعزز بالتخطيط الجيد والتسليح والقدرة علي شن الحرب والدفاع في نفس الوقت، لذلك لم تستمر إمبراطورية أو دولة واحدة في البقاء كقوي عظمي وذلك حسب دورة الحضارات التي تصعد وتهبط من فترة تاريخية الي أخري ، وفي الغالب تهبط الحضارات أو الدول بعد نشوء قوي منافسة لها وتبني قوة جديد وتطور فكرها وسلاحها، فالتاريخ شهد حضارات عديدة تسيدت الوضع الدولي وفرضت قيمها واستولت علي ميادين التنافس الاستراتيجي إلا إن قوي أخري دحرتها وهكذا قدر للبشرية ان تعيش دورة توازن القوي السياسية المهيمنة من دول وإمبراطوريات عظمي بائدة.
الصعود الاستراتيجي
تصعد الأمم والحضارات بعد أحداث كبري تتفوق فيها وغالبا ما تكون الحرب هي أداة التسوية الكبري ، فعقب كل حرب كبري تنهض وتظهر أمم كبري ، نتيجة لنصر مستحق فتسيطر علي قطبية النظام الدولي وتتمكن من الهيمنة وإبعاد الدول المهزومة ، وهذا ما شاهدناه في أعقاب الحربين العالميتين اللتين فرضتا واقعا في النظام الدولي واحدثا تغييرات كبري.
فالنظام الدولي الذي يؤرخ له من مؤتمر ويستفاليا في العام 1641م كان نظاما أوربيا بامتياز تتوزعه الإمبراطوريات الأوربية أي أنه (متعدد القطبية) وبين هذه الأقطاب صراعات وحروب إلى عقد هذا المؤتمر وتنظيم العلاقات بين الأقطاب الأقوياء والحد من حالة التنافس والحروب الدامية بين الفرقاء الأوربيين، وفي العام 1885م في مؤتمر برلين نظم الأوربيين (أقطاب النظام الدولي) علاقاتهم واتفقوا علي ميادين للتنافس الاستراتيجي خارج قارة أوربا التي أنهكتها الحروب الطويلة التي لم يتحقق فيها هدف استراتيجي لإمبراطورية معينة ، فخرج الأوربيين إلي أفريقيا وآسيا واحتلوا أراضيها وتقاسموا الأراضي والموارد والشعوب واعتبروا أن هذي الأراضي حيازات لهم بما فيها من شعوب وذلك وفق منطق القوة التي بنوها واستعمروا بها هذه الشعوب .
إلا أن الحاجة للتوسع والأطماع خرقت اتفاق برلين هذا ، وعاد الأقطاب إلى مرحلة التنافس والصراع جراء انتشار الايدولوجيا السياسيه والصراع المذهبي الديني أو الرغبة في استحواذ حيازات الدول الأضعف، مما قاد إلى صراع تطور في الحرب العالمية الأولي أدى هذا الصراع إلى فرض واقع دولي وتغيرت ميادين الصراع الاستراتيجي القديمة إلى ميادين جديدة لكن ظلت الأهداف هي نفس الأهداف القديمة .
المنتصرون الجدد وميادين التنافس الاستراتيجي
فرض المنتصرون شروط واتفاقيات علي المهزومين واستولوا على المناطق التي يسيطر عليها المهزومين في الحرب العالميه الأولي ،وبرز قطبيين مسيطرين نتيجة لانتصارهم هما (بريطانيا وفرنسا) في وقت بدأ المهزومين تحسين قوتهم للعودة إلى مناطق نفوذهم الثأر للكرامة التي سلبتها الحرب ، مما هيأ العالم لجولة ثانية من الحرب الدامية التي كلفت البشرية أكثر من مئة مليون قتيل ودمرت فيها المدن الكبري وأنهكت قوتها في الحرب العالميه الثانيه.
فرض نصر الحرب العالمية الثانية أوضاعا إستراتيجية واختفت الأقطاب القوية التي أنهكت في الحرب العالمية الثانية وبرزت (الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي) كقطبيين مختلفين ايدولوجيا وبينهما شكل من التنافس لاحتواء المناطق الإستراتيجية في العالم ، فخلال حقبة الحرب الباردة ظهرت ميادين للتنافس الاستراتيجي جراء حالة الصراع بين المنتصرون الجدد في نهاية الحرب العالمية الثانية.
ميادين تنافس استراتيجي القديمة نماذج منها
حرب الشاي والأفيون
خلال الحقبة الكولينالية الاستعمارية كانت الصين تحتكر تجارة الشاي العالميه ، وكانت أسرة تيشانيغ الحاكمة في الصين وتسيطر علي صادرات الشاي الذي أصبح سلعة عالمية لها دخل كبير، وحاولت بريطانيا أن تدخل في شراكات إستراتيجية مع الصين وتستولي علي صادرات الشاي لتعيدها وتبيعها في المستعمرات الانجليزية فأطلقت شركة الهند الشرقية حرب الأفيون لتدخل الصين قي حالة من الخمول والكمون الاقتصادي والإعياء الاستراتيجي وتستولي علي تجارة الشاي العالمية واستولت علي ميدان استراتيجي
الممرات المائيه ألاستراتيجيه
بعد تنامي مداخيل التجارة العالمية والتوسع في بناء الأساطيل البحرية للدول أصبح هاجس السيطرة علي البحار الدوليه والممرات الإستراتيجيه هدفا لتأمين التجارة واستخدامها في الحرب كطرق أمداد ومدخل للاستيلاء علي الموارد الطبيعيه المتنافس عليها بين القوي البحرية الاستعماريه ، بعد شق قناتي (السويس وبنما) أصبحتا تختصران الوقت والمسافة فكان سعي فرنسا وبريطانيا في السيطرة علي قناة السويس والتكالب الأمريكي للاستحواذ علي قناة بنما ، كما حلم الوصول للمياه الدافئة هدفا للاتحاد السوفيتي السابق ومن بعده روسيا الاتحادية وذلك في إطار عقيدتها الجيوبولتيكيه ، وشهدت عدة مناطق نزاعات مسلحه وتنافس بين القوي العظمي المهيمنه دوليا ، وتعتبر بحار مثل بحر قزوين والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الاطلسيه والهندي والمحيط المتجمد الشمالي وبحر الصين والممرات مثل البسفور وقناة السويس وقناة بنما و رأس الرجاء الصالح وهرمز وجبل طارق والعديد من الأنهار عابرة الحدود ميادين للتنافس لأهميتها الإستراتيجيه وما توفره للدول من مزايا أمنيه وإقتصاديه كبيره.
قلب العالم الشرق الأوسط
تتميز هذه المنطقة بأهمية جيوسياسيه علي اعتبار أن موقعها في قلب العالم وسيطرتها علي الممرات المائية ووجود احتياطات ضخمة من الموارد بالأخص النفط وكونها مهبط الديانات السماوية الثلاث ، شهد هذا الميدان تكالب منذ الحقبة الاستعماريه وحتي خلال مرحلة مابعد التحرر وظهور الدول القوميه الحديثه وحتي في وقتنا الحاضر،فبعد مؤتمر برلين تم اختياره ليكون الميدان الكبير فتوزع بين القوي الامبرياليه فهو ميدان قديم متجدد.
الشرق الاوسط مهمه مكانة استراتيجيه مهمة جداً لدى الولايات المتحدة الامريكيه والقوي الدوليه الصاعده ، حيث تعتبرها منطقة نفوذ ومصالح تتعلق بالأمن القومي الأمريكي والقوي الكبري، لاسيما إنها تحتوي على معظم مصادر الطاقة النفطية في العالم، والسيطرة عليها يتيح لها إمكانية التحكم بسوق النفط العالميه.
أفريقيا السوداء ميدان النهب المقنن
أفريقيا بأرضها البكره وتفرق شعوبها أضافه إلي حالة التخلف التي ظلت تلازمها مع تنامي نظريات التفوق للجنس الأبيض (السيوبرتي) الأوربية و التي بمبوحبها اخذ إنسانها عبدا في سفن الأساطيل الاستعماريه ، ثم توزعت أراضيها وشعوبها ومواردها بين الدول المحتلة والتي ما لبثت أن تصارعت وتنافست هذه القوي في ما بينها ،بل استمرت الدول بعض الدول في الشروع في احتلال استيطاني في الجزائر وجنوب أفريقيا وتمارس العسف في المستعمرات الاخري، أفريقيا طوال تاريخها البعيد وحاضرها القريب كانت ولاتزال ميدان للتنافس بين القوي العظمي ،فظهرت فيها النزاعات بين دولها واو بعض أقاليمها بدعم خارجي بهدف الاستيلاء علي الموارد الطبيعية او منعها من تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والاقتصادي
بحر قزوين صراع الطاقة والنفوذ
تتصارع قوي ثلاث قوى إقليميه وخارجيه، وهي روسيا وإيران والولايات المتحدة، فبالنسبة لإيران فعلى الرغم مما تتمتع به من موقع استراتيجي متميز بين الخليج العربي وبحر قزوين يمكنها من لعب دور إقليمي فعال على المستويين السياسي والاقتصادي، إلا أنها مازلت تعاني انعكاسات سلبية واجهتها بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، الذي أفرز دولاً أصبحت خصوما سياسيين واقتصاديين محتملين ، ويمثلون أحد مصادر عدم الاستقرار في جوارهم الجغرافي، ازدادت هذه الانعكاسات تطورا عقب التدخل الأمريكي في أفغانستان لمواجهة ما سمته الإرهاب الأصولي في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، مما أدى إلى وجود عسكري أمريكي دائم في آسيا الوسطى والقوقاز فاقم من أزمات هذه المنطقه ، إلى جانب الارتباط الأمريكي بعدد من دول المنطقة سياسيّا واقتصاديّا والتي تختلف في بينهم في العديد من القضايا ، الأمر الذي يكرس لخلل أمني ويزيد من أعباء ويؤثر سلبًا على مصالح دول بحر قزوين الاستراتيجيه ، خاصة في ظل الخلاف بين دوله على التقسيم القانوني للثروات واتجاهها إلى تفضيل صيغ التعاون الثنائي والثلاثي على صيغ العمل الجماعي الموحد ، مما يفرض عليها ضرورة إيجاد صيغة للاتفاق بين دول بحر قزوين الأربع حفاظًا على مصالحها القوميه.
جنوب شرق أسيا
ويضم إقليم جنوب شرق أسيا دولا عديده وتذخر بالموارد الطبيعية والكثافة السكانية والقدرة علي الإنتاج والتطوير وقد نمت دول كبري مثل الصين واليابان وماليزيا، إلا إن هذا الإقليم جنوب شرق أسيا كان ولا زال مسرحا للتفاعل بين القوي العظمي ، حيث كان احدي ميادين الحربين العالميتين الأولي والثانية وشهد نوعا من الاستعمار الذي نخب موارده واستخدم ممراته لتحقيق قدر من التوسع الامبريالي.
الخاتمه
في إطار سعي الدول الكبري تاريخيا في عصرنا الحالي لا تزال بعض المناطق التي تتميز بالموقع الجيوسياسي والموارد مع عدم القدرة علي تامين المصالح الحيوية ، مما يغري الأقوياء من الدول بالتوسع في إطار مفهوم الحدود الشفافه الذي تتبناه القوي الكبري ستظل ميادين التنافس مفتوحة لان عالم اليوم تحكمه قوانين القوة وليس قوة القانون ، خصوصا بعد إعلان الولايات المتحدة نظاما عالميا أحادي الجانب وتطلع بعض الدول الكبري إلي إنهاء النفوذ الأمريكي ، سيشهد العالم المزيد والعديد من الصراعات
boshker100@gmail.com