ليس أكثر ايلاماً من أن يعيش الانسان في مدينة تجري فيها المياه بين الحقول وتزدهر فيها الزراعة وتنتج الأرض خيرها بسخاء ثم يعود الى منزله ليبحث عن قطرة ماء صالحة للشرب.
في مشهد يبدو متناقضاً الى حد الدهشة أن تقف مدينة تحيط بها الخضرة من كل جانب، وتمتد أراضيها الزراعية الواسعة كأنها لوحة طبيعية نابضة بالحياة وتستقبل كميات كبيرة من الأمطار وتجري فيها الأودية والخيران ويحدها نهر عطبرة وسيتيت بينما يعاني سكانها في بيوتهم من أبسط حقوق العيش، الحصول على مياه شرب صالحة ومنتظمة. إنها مفارقة لا تحتاج الى تفسير طويل، مدينة تمتلك مقومات الوفرة لكنها تعاني من العجز في أبسط الخدمات، فالمشكلة ليست في الطبيعة ولا في غياب الموارد وانما في غياب الإدارة التي تحسن توظيف هذه الموارد وتحولها الى خدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالأمر يتجاوز حدود العطل الفني ونقص الإمكانيات، انه سؤال عن الأولويات وعن كفاءة الأجهزة المسؤولة وعن مصير الأموال التي رصدت لتحسين الخدمات العامة فالشبكات لا تنهار فجأة والمشروعات لا تتعطل من تلقاء نفسها والأزمات المستمرة غالباً ما تكون نتيجة تراكم سنوات من الإهمال وضعف التخطيط وغياب المحاسبة.
المواطن لا يطلب رفاهية بل يطلب حقه الطبيعي في خدمة أساسية وليس من المقبول أن تصرف الجهود على تنمية الإنتاج الزراعي بينما يترك المنتجون والسكان يعانون للحصول على مياه الشرب في منازلهم.
إن المدن لا تقاس بمساحة أراضيها أو حجم انتاجها بل بقدرة ادارتها على تحويل ثرواتها الى حياة كريمة لسكانها، فالمدينة التي بها أكبر أسواق للمحاصيل وأضخم صومعة غلال تمنح الأسواق محصولها يجب الا تعجز عن منح أهلها الماء.
هذه المدينة التي انعم الله عليها بتربة صنفت كأخصب تربة “Black Cotton Soil/vertisol” وفق نظام WRB – – وهو النظام الدولي القياسي لتصنيف التربة الذي اعتمدته منظمة الزراعة والأغذية ومناخ يساعد على الإنتاج الزراعي مما جعلها من المناطق التي تساهم في توفير المحاصيل الزراعية وتغذية الأسواق بحقولها الممتدة ومزارعها الغنية ومواسمها الزراعية المتنوعة، وأراضي الفشقة الزراعية مطمع الأحباش ومن خلفهم دولة الامارات تشخص شاهداَ على ثروة طبيعية كان يمكن أن تجعلها نموذجاً للتنمية والازدهار، غير أن المفارقة المؤلمة أن سكانها قد يجدون الماء في أراضيهم الزراعية أكثر مما يجدوه في صنابير منازلهم.
إن أزمة مياه الشرب في مدينة زراعية ليست مجرد مشكلة خدمية عابرة بل هي مؤشر على خلل أعمق في الإدارة والتخطيط. فالماء ليس سلعة تكميلية وانما حق أساسي من حقوق الانسان وتوفيره مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات المختصة التي يفترض أن تعمل بكفاءة وشفافية بعيداً عن الإهمال أو سوء الإدارة.
وقد يكون غياب الصيانة الدورية لشبكات المياه وضعف التخطيط وغياب الرقابة وتأخر تنفيذ المشاريع الضرورية من الأسباب التي تؤدي الى استمرار هذه المعاناة، كما أن شبهات الفساد أو تبديد الموارد العامة لا يؤدي فقط الى هدر المال بل يحرم المواطنين من خدمات أساسية ويعمق الفجوة بين الإمكانيات المتاحة والواقع المعاش.
المفارقة ان المدينة تنتج الغذاء وتعانقها الخضرة لا ينبغي أن تجبر أهلها على البحث عن مياه الشرب أو انتظار وصولها لساعات وأيام. فالثروة الزراعية وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها إدارة رشيدة تحول الموارد الطبيعية الى رفاء وخدمات للمواطنين.
إن انقاذ هذه المدينة لا يحتاج الى معجزة بل الى إرادة إدارية حقيقية وخطط واضحة ومحاسبة شفافة واستثمار مسؤول في
البنية التحية فالمدينة التي تسقي الحقول قادرة على أن تسقي أهلها، واليد التي تزرع الأرض تستحق أن تجد الماء في بيتها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، كيف لمدينة تفيض بالخيرات الطبيعية أن تعاني من العطش؟
إن الإجابة لا تكمن في نقص الموارد، بل في طريقة إدارتها.
آن الأوان لسكان مدينة القضارف وما جاورها من قرى لتنظيم وقفة احتجاجية تكون المطالبة فيها بتحويل إيرادات سوق المحصول للصرف على تكملة مشروع المياه واستبعاد الشركة الصينية التي عجزت طيلة الثلاث عشرة سنة الماضية من تنفيذ المشروع من نهر عطبرة القريب من المدينة وايلاء المشروع لشركة اجنبية أو وطنية أو التعاقد مع شركة أجنبية أو وطنية بما يعرف بنظام البوت – BOOT وهو أن تتولى شركة أجنبية أو وطنية هذا المشروع وتقوم بإنشائه والصرف عليه وتتملكه لمدة يتفق عليها تستولي خلالها على إيرادات المشروع المتمثلة في دفع الفواتير الشهرية من المواطنين ومن بعد ذلك تحول ملكية المشروع الى الجهة الحكومية المختصة بعد استرجاع ما انفقت وتحقيقها لأرباح خلال المدة المتفق عليها.
ولكن يبقى السؤال: هل تعاني المدينة من فقر الموارد، ام من فقر الإدارة؟
قال المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس شيئاَ
كنقص القادرين على التمام
حسين إبراهيم علي جادين
مستشار قانوني
