تأمُلات
كمال الهِدَي
بعد أن كان الغناء حكراً على أصحاب الموهبة الحقيقية والأصوات الشجية، تحولت الساحة الفنية إلى ما يشبه المردم، وأصبحنا نطلق لقب “فنان” على كل من هب ودب، حتى وإن كان صوته أو صوتها كأصوات الحمير. ولم تعد الكلمات تعني الكثير لمستمعٍ تخربت ذائقته الفنية، فأي “هترشة” بات من الممكن أن يُطلق عليها اسم أغنية.
تحملنا كل ذلك على مضض، لكن المحزن أن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ فقد أغرت حالة السيولة الفنية التي نعيشها بعض القونات، فصرن يعتمدن على إغراء المتابعين، ولا أقول المستمعين، إذ لا أظن أن ثمة مستمعاً حقيقياً يمكن أن يُرهف السمع لكثير من هابط القول الذي يسمونه غناءً في زمننا الأغبر هذا.
صرن يعتمدن على أجسادهن، وليتها كانت أجساداً رشيقة، فتتدثر الواحدة منهن بنصف ثوب شفاف، ترتديه بطريقة تكشف عن مفاتن جسدها، وتستهدف به من تستهويهم الأجساد الممتلئة بصورة مفرطة. ثم تغني أي كلام؛ فالمهم أن تبالغ في الخلاعة والميوعة، فتثير غرائز بعض المرضى الذين يتفاعلون معها، ويشرعون في إلقاء أوراق البنكنوت على رأسها الفارغ، بلا أدنى حياء.
تحمّلنا كل ذلك على مضض، لكن أن تبلغ الجرأة بإحدى هؤلاء القونات حد ترديد أغنية تقول كلماتها: “نهاية الخيانة قبضوك مع…”، فهذا ما لا يمكن السكوت عليه أو تمريره تحت أي ذريعة. وبالطبع، لا أجرؤ على إكمال بيت الغثاء، ولا أقول الشعر، والأمر متروك للجهات المعنية، إن وُجدت، التي بات لزاماً عليها التحرك الفوري لوقف هذا العبث. فكفانا قلة أدب وسخفاً؛ فقد بلغ السيل الزبى.
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالبذاءات وفاحش القول، دون أن يسأل أحد أو يحاول تنظيم النشر والبث في هذا الفضاء المفتوح، بما يعيد إلينا ولو النزر اليسير من قيمنا وأخلاقنا وآدابنا التي افتقدناها. وأصبحت منصات كثير من الفتيات السودانيات أشبه بالمواخير، دون أن نسمع يوماً عن جهة مسؤولة انتفضت في وجه هذه التفاهات. حتى صار الآخرون يسألوننا: ماذا أصابكم يا سودانيين؟ فقد كنتم شعباً محافظاً، ولم نتعود أن نرى أو نسمع منكم إلا كل ما يسر.
وبما أن الصمت تجاه الخطأ والتفاهات يقود دائماً إلى ما هو أفظع، ها نحن نسمع اليوم مثل ما رددته القونة التي أعنيها.
وصراحةً، لا يقع اللوم على الجهات المسؤولة عن الثقافة والفنون والموسيقى والإعلام وحدها، بل لا بد أن نعاتب أنفسنا أيضاً، بوصفنا شعباً لم يعد كثير من أفراده يميّزون بين الفن الأصيل والسخف. ففي الوقت الذي توجد فيه مطربات يتمتعن بأصوات جميلة، ويقدمن أداءً رائعاً لمختلف الأغنيات، ويقفن أمام الجمهور بكل أدب واحترام واحتشام، نجد بيننا من يبالغون في الاحتفاء بأخريات يعتمدن على هز الوسط وإظهار مفاتن الجسد، بل ويطلقون عليهن ألقاباً لا تتناسب مع ما يقدمنه.
فمطربة خلوقة ورزينة، وصاحبة صوت شجي وأداء ساحر، مثل إنصاف فتحي، لا تحظى بما تستحقه من اهتمام إعلامي، بينما تجد أخرى أقل منها فناً وجودة حظاً وافراً من الاهتمام المبالغ فيه؛ لا لشيء سوى أن صوتها يعلو خارج المسرح، وأنها تتعمد إغراء الجمهور حين تصعد إلى خشبته.
ولولا سطحية كثير من متابعي هؤلاء القونات، لما شهدنا الكثير من التصرفات السطحية من القونات أنفسهن. فالواحدة منهن تحضر إلى مكان الحفل محاطة بعدد من الحراس الشخصيين، وتحمل هاتفاً حديثاً بيدها أثناء ترديدها للغثاء الذي تقدمه. ومثل هذه التصرفات، التي تعكس خواءً فكرياً، ما كان لها أن تصدر منهن لولا شعورهن بأن كثيراً من السطحيين يعدونها ضرباً من “البرستيج”. ولهذا، أصبح اهتمامهن بالمظاهر والرتوش أكبر من اهتمامهن بالفن نفسه، وكان طبيعياً أن تقودنا هذه الحالة إلى مرحلة نسمع فيها عبارات من قبيل: “نهاية الخيانة قبضوك مع…”.
فمتى نرحم أنفسنا قبل أن ترحمنا الجهات المعنية بتدخلها لوقف هذا العبث؟ ومتى نقاطع هذه الفئة من المطربات اللاتي يسيئن إلى الفن والطرب، ونشعرهن بأن ما يقدمنه لا يليق بالفن ولا بالجمهور، حتى يراجعن أنفسهن ويلتزمن بحدود الذوق العام، أو ينسحبن من ساحة فنية لم يعد بعضهن يقدّم فيها ما يستحق أن يُسمى فناً؟
