هجرنا أميرٌ غضّ القطاف .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقى على
13 أبريل, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
ما كنت أحسب أنّ ذلك اليوم، ونحن نحتفل بميلاده، سيكون قريباً من هجرته الأبديّة لنا فلا يقع بين طلّته على الدّنيا ورحيله إلا سويعات فى عمر الزمان وبضع ذكريات لا تغنينا من فداحة خطب ولا تُسكت ألماً لا يُجارى.
تلألأ الفرح على الوجوه حتّى أخذ بتلابيب قلوبنا وكان أشدّنا طرباً جدّه لأمّه كمال الشايقى يرى امتداداً له فى حفيده ويرجو له أفضل ممّا حباه الله به من علم وفلاح وقبول.
وهكذا أبناؤنا نسرف فى محبّتهم، ونفرط فى رعايتهم، ونرجو لهم من حظّىّْ الدّنيا والآخرة ما لا نرجوه لأنفسنا، وتشرق أنفسنا حين نرى نفوسهم الجذلى طليقة، وبنيان أجسادهم يشرئبّ للعُلا، وفهمهم للدنيا يتعمّق وبراءتهم، التى ظننّاها باقية أبداً، تلهو ولكن هيهات.
تُلهينا آمال حياتهم لهم عنهم، وتشغلنا الدّنيا، نريد لهم الأفضل، عن دنياهم، يوقظون مودّتهم فى قلوبنا وما أن نُسلّمها لهم طائعين حتى نفقدهم فى منحنى الطريق بلا وداع فأىُّ عدل هذا منهم وأىُّ ألم بلا أمل؟
جمعتنا نيوكاسل المكتسية بطلعتى المدينة والرّيف فى تزاوج لا يطغى أحدهما على الآخر، جمعٌ من مهاد الوطن رمى بهم الدّهر لأنّ وطنهم لم يسعهم علماً أو معيشة، وتآلفت أرواحنا وتزاوجت قلوبنا كأجمل ما يكون الوداد وألطف ما يكون التآلف، وصرنا عائلة تفرح معاً حين تطل رايات البِشر الطروبة وتحزن حين تدقّ النّائبات باباً نبض واحد. وأىُّ نائبة كشّرت عن أنيابها اليوم بلا قلبٍ يصدّ عنّا تغوّلها على عافيتنا وروح سعادتنا؟
قدم إلينا مامون سيد احمد العوض وأمل كمال الشايقى كعصفورين اتّخذا عُشّاً بنياه بالمودّة والرحمة والجمال والعلم والخلق الحسن، لا تجد فى دارهم إلا سرور الخاطر وصفوة العيش والعون على كدر الدّنيا وشقوتها، نأتى بأحمالنا من الضجر والأسقام والأوجاع ونرجع بكيل غير يسير من الفرح والأمل.
أسمياه أمير وقد كان أميراً فى النّجابة والخُلق والسّمت والموهبة، لا أزال أذكره ابن عامين يمتطى حصانه الخشبىّ يتأرجح عليه كالفارس المغوار حتى يخاف عليه والده فيأمره بعطفٍ وحزم بالنزول فيتشاغل عنه كأنّه يطارد الكآبة إلى مستقرّها وينشر الدّعابة فى داره.
كقضيب الخيزران الغضّ الأخضر أهيفاً كان لا يسعه المكان، ورث موهبة لعب كرة القدم من أبيه فظننّا نراه ذات يوم يصول فى ميادينها نشجّعه ونشير إليه فخر عائلتنا، وورث الذكاء من أطرافه جمعاً علماً وديناً وفلاحة فى أمور الدّنيا منذ جدوده وجدّاته الأكابر لم يطلبوا شيئاً إلا ونالوا سنامه.
كنّا نحسبه استأثر بخلاصة الشمائل يُفتح له أىّ بابٍ طرق، ولم نكن نظنّ أنّ فى ذهن ذلك الفتى أشواق مبهمة بعالم لم يرضع من ثديه بعد، ولم يرتشف من كأسه حتى الثمالة، فمن النّادر أن يجد أحداً مثلما وجده أمير من المحبّة والتّقدير والعناية، ولكنّه هجر كلّ ذلك فى ومضة عين ولم يسوى فى نظره قلامة ظفر كأنّه مسحور لا يملك من أمر نفسه شيئاً. ما الذى جال بخاطره وما الذى كان يبحث عنه ولم يجده فى حضن داره؟ أهو السموُّ لعالم أعلى لا تصفه الكلمات ولكن تُحسّه التجربة؟ أم هو أنّه شوق لعالم مستحيل لامس شغاف قلبه دلّاه أمامه، كالطُّعم، عديم ضمير نقول عنه، إن أحسنّا به الظن،ّ أنّه طلب حقّاً فأخطأه؟ أهو توقٌ للثبات وسعى لنبذ الذبذبة النّفسيّة التى تمور فى فؤاد الشباب؛ فالشباب كما يقول المصطفى صلىّ الله عليه وسلّم شُعبة من الجنون؟
ثمّ فرّق الزمان أجسادنا وزاد قلوبنا تعلّقاً، وأحلامنا توهّجاً، فعزمنا على الأوبة لديارنا نرفدها بما تعلّمناه ونردُّ ديناً فى أعناقنا نربّى أبناءنا وبناتنا فى حضننا وحضن وطنهم وأمل ومامون كانا فى طليعة الركب، وكنّا نظنّ أن تبتهج القلوب لمرآنا، وتحتفل بنوايانا وتُفتح لنا الأبواب أينما طرقنا، ولِمَ لا ونحن لم نحمل سلاحاً ولا بغضاء ولا خيانة ولكن حملنا علماً قرّرنا أنّ نبرّ به أهلنا ونرفع به من شأن أمّتنا؟
فماذا وجدنا غير أجسادٍ بلا ضمير، وجشع لا حدود له، وخُلقاً يُنكره إبليس؟ أينما ذهبنا وُضعت لنا العراقيل كأنّنا جيش غازٍ يحمل السمّ فى متاعه لا أبناء وبنات وطن هاجروا من ديارهم حتم أنوفهم ولم يهجروها، حملوها فى أضلاعهم أينما حلّوا وبها تسامروا، ولها سارت قلوبهم قبل أبدانهم، وأورثوا حبّها بنيهم وبناتهم وبنوا فى خيالهم أطياف عالم عاشوه من قبل كان جلّه خير جعلهم يحنّون إليه، ممّا يسّر أمر القرار لبعثهم لدار أهلهم علّهم يحتسون من ذلك النبع الطّيب فينطلق لسانهم، ويكتسبوا هويّة وفهماً للدّين يعينهم فى مفازة الحياة. لم يكن ليخطر ببالهم أنّ ما تركوه وراءهم أصبح أثراً واندثر، وأنّ الذئاب تمرح طليقة تنتاش الحملان البريئة ترمى بها فى أتون النار بلا رحمة كأنّها وقود ميّت لا بشر لهم أحلامهم وإحساسهم، وأهليهم لا يغمضون طرفاً قبل أن يطمئنّوا على سلامتهم. كيف لهم أن يعرفوا أنّ الرّاعى المأمون أصبح ذئباً أو أصبح لا يهمّه إن هجم الذئب على رعيّته وغاية همّه تكديس الأموال والتّفاخر بالنجاح والسطوة والسلطة؟
من نلوم؟ وكيف نفهم أنّ من فى ريعان الشباب غضّه لم يتجاوز العشرين تقتطفه يد المنون وقد كاد أن يقطف ثمار غرسه وغرس أهله فيسير على هداهم يطبّب الخلق ويبعث الأمل، أما كان فى حياته نفع أكثر لنفسه وأهله وأمّته؟ وكيف يفسّر لنا من أقاموا مشروعاً حضاريّاً يبغون الشريعة السمحاء من قبل أن يولد أمير وصحبه أنّها لم ترو لهم غليلاً، ولا رأوا فيها مأوى ولا معنى، حتّى تخطّفهم ذوو الغرض والمرض وزجّوا بهم فى جحيم معركة لا يدركون لها معنى ولا فهماً؟
وكيف نعيش حياتنا كأنّ شيئاً لم يكن وقد سُلبت سعادتنا، واختلط فهم ديننا، وسادت الهرجلة وادلهمّت الفتن؟ وكيف لأُمٍّ أن تسلو ولداً؟
إنّ أميراً وصحبه عنوان أزمة وطن عاث سياسيّوه بلا هدىً ولا كتاب مُنير، غلفٌ قلوبهم، وخالية عقولهم، وأفئدتهم خواء، يتخبّطون فيخرجون من جحر ويدخلون فى جحر وأبصارهم من عمى بصيرتهم فى عشى، وسمعهم فى صممٍ إلى ساعة يأخذهم العذاب بغتة.
غافلون من يظنّون رجالاً ونساءً ممّن قدّموا مصلحتهم على مصلحة الوطن، وقست قلوبهم وهم فى ضلالهم يعمهون أنّهم ناجون بلا حساب فى الدّنيا قبل الآخرة، وأنّ الدّم المسفوك بلا حقّ، وخيانة الأمانة وتضييعها لا يفلت صاحبها عدلاً حتى تُرى فيه آيات ربّه ويعلم الجمع أنّ هناك ربّاً لا يُضيع حقّاً. إنّ الإنسان لظلوم لنفسه بجهله بعدم معرفتة تبعة الأمانة.
اللهم إنّك تعلم أنّ أميراً وصحبه من خيرة النّاس فضلاً وأصلاً وخلقاً، خلّفوا الحياة الدّنيا وقد دانت لهم وحان قطافها طلباً للحياة العليا كما صُوِّرت لهم واستُغلّت براءتهم، اللهم فتولّه وتولّهم بكفّى الرحمة والمغفرة، واجعله من المقربين بالنيّة الخالصة التى قدّمها بين يديك، اللهم وصبّر والدته ووالده وأخته وأخيه وجميع أهله وصبّرنا على فقده واجمعهم واجمعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. اللهم وأنزل سلواناً على قلوبهم واربط عليها بكلمة التّقوى وردّ إخوته وأخواته سالمين لأهلهم وافتح بصيرتهم وارفع الظلم والبلاء بفضلك الكريم.
abdelmoniem2@hotmail.com