أواب عزام البوشي
محاولة سوف تصطدم برفض داخلي ودولي وإفريقي واسع :-
في لحظة تاريخية شديدة التعقيد يعيشها السودان، حيث تتداخل الحرب مع الانهيار الإنساني والسياسي، تتصاعد تساؤلات خطيرة حول اتجاهات السلطة العسكرية القائمة في البلاد، وسط مؤشرات تتحدث عن ترتيبات داخل المؤسسة العسكرية لإعادة تشكيل المشهد الدستوري بما قد يفضي إلى تثبيت الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في موقع رئاسي بصلاحيات واسعة.
غير أن هذه المساعي، إن صحت، تبدو منذ البداية محاولة محفوفة بالتناقضات، لأنها تصطدم بواقع داخلي متفجر، وموقف إقليمي ودولي وإفريقي لا يمنح أي شرعية لمسار أحادي خارج التوافق الوطني.
والسؤال الأعمق هنا: هل يمكن لدولة خرجت من ثورة شعبية ضد الحكم الفردي أن تعود إلى نموذج “الرئيس المطلق ؟
أولاً: إعادة إنتاج الماضي في سياق مختلف :-
ما يُطرح اليوم لا يبدو بعيدًا عن إعادة إنتاج نماذج حكم سابقة، أبرزها تجربة نظام عمر البشير. غير أن الفارق الجوهري أن السياق السياسي الإقليمي والدولي تغيّر جذريًا، ولم يعد يسمح بتمرير أنظمة حكم فردية تحت غطاء القوة العسكرية أو الأمر الواقع.
اليوم، أي محاولة لتكريس سلطة مطلقة عبر تعديل دستوري أحادي، تأتي في ظل حرب مفتوحة وانقسام مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل المشروع إن وُجد أقرب إلى إعادة تدوير الأزمة بدل حلها.
بل إن واقع الحرب التي اندلعت بعد انهيار الشراكة الانتقالية، جعل من المؤسسة العسكرية نفسها طرفًا في صراع داخلي معقد، لا يمكن أن يُبنى عليه استقرار دستوري مستدام.
ثانيًا: موقف دولي يرفض الحلول الأحادية :-
على الصعيد الدولي، لا تزال المواقف الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، واضحة في ربط أي مسار سياسي بوقف الحرب وتأسيس سلطة مدنية انتقالية ذات قاعدة توافقية.
فأي خطوات منفردة لإعادة تشكيل السلطة دون هذا الأساس، تُقرأ باعتبارها تمديدًا للأزمة وليس إنهاءً لها، وهو ما يفتح الباب أمام عزلة دبلوماسية أوسع، وتراجع في فرص الدعم الاقتصادي والإنساني.
وفي ظل هذا السياق، يصبح الرهان على “شرعية الأمر الواقع” رهانًا عالي الكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
ثالثًا: الاتحاد الأفريقي ومبدأ رفض الانقلابات :-
على المستوى الإقليمي، يظل موقف الاتحاد الأفريقي أحد أهم محددات المشهد.
فمنذ تعليق عضوية السودان عقب تحركات أكتوبر 2021، ظل الاتحاد يؤكد على مبدأ أساسي: لا اعتراف بأي ترتيبات سياسية لا تقوم على توافق مدني شامل.
وفي هذا الإطار، فإن أي مسار نحو “رئاسة مطلقة” خارج التوافق الوطني يُفهم إفريقيًا باعتباره انتكاسة خطيرة لمبادئ التحول الديمقراطي في القارة، وقد يدفع نحو عزلة سياسية أعمق داخل المنظومة الأفريقية.
كما أن مواقف دول محورية في القارة تجعل من الصعب تمرير أي صيغة حكم فردي دون توافق واسع، وهو ما يضع المشروع – إن صح – أمام جدار إقليمي صلب.
رابعًا: الداخل السوداني.. معادلة الرفض المعقدة :-
داخليًا، لا تبدو الساحة أكثر قابلية لمثل هذا المسار. فالقوى المدنية، رغم تشتتها، لا تزال تتمسك بخيار الحكم المدني، بينما ترفض قطاعات واسعة من الشارع العودة إلى نماذج الحكم العسكري المطلق.
كما أن استمرار الحرب وتعدد مراكز القوة داخل الدولة يجعل من أي مشروع دستوري أحادي خطوة شديدة التعقيد، قد تفتح الباب لمزيد من الانقسامات بدل إنهائها.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن “رئيس مطلق” أقرب إلى فكرة سياسية تصطدم ببيئة غير مهيأة لقبولها.
بين الرغبة والواقع :-
في نهاية المشهد، تبدو الفجوة واسعة بين الطموحات السياسية المطروحة والواقع الفعلي على الأرض.
فالسودان اليوم لا يعيش لحظة استقرار تسمح بإعادة هندسة السلطة، بل يعيش مرحلة انهيار معقدة تتطلب تسويات سياسية شاملة، لا ترتيبات أحادية.
وبينما تتعدد القراءات حول نوايا الفاعلين، يبقى الثابت أن أي مشروع حكم لا يقوم على توافق وطني شامل، ووقف للحرب، وغطاء إقليمي ودولي، سيظل مشروعًا معلقًا أكثر منه واقعًا قابلاً للتطبيق.
awabazzam456@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم