قد لا يفهم من التصريحات المتكررة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أول أمس بما يخص توسيع المشاركة السياسية وحل حكومة الدكتور حمدوك إلا الحل والحكم العسكري وذلك على ضوء التوترات السياسيات بين مكوني حكم الفترة الانتقالية. وتزيد مثل هذه التصريحات من حالات الانفصام السياسي والتنافر الحاد وتدفع بالأمور الى مستويات غير مسبوقة من الصراع السياسي والعسكري وطبيعته التي اتخذت شكل المواجهة المفتوحة مع شريكه (المكون المدني). ولكن عادة ما لا تعبر مثل هذه التصريحات على حدتها وفظاظة لغتها عن النوايا الحقيقية للصراع المحتدم. فإذا كانت مخاطبة مشاعر المواطنين لا تحتاج الى كثير غير التذكير بما تفرضه تحديات الواقع الماثل أمامها في الاقتصاد واستباب الامن وغيرها من معوقات لم تعد هوية من يحركها تخفى، فإن الحقائق السياسية الجديدة وتوازناتها وما احدثته ثورة ديسمبر المجيدة قد أوجدت واقعا سياسيا غير مرغوب فيه لجهات أصلها ثابت في النظام المباد وتخشى مواجهة نتائج ما اقترفته من سياسات ترقى الى جرائم ضد الإنسانية أدت إلى انتهاكات بحق الوطن وانسانه.
ولكن ماذا يعني توسيع المشاركة السياسية غير تلك التي اتفق عليها مما جاء في الوثيقة الدستورية؟ فالمشاركة السياسية المقصودة بالتصريح أو النوايا لا يفهم منها الا استعادة الدولة العميقة للنظام المباد بكل عناصرها وانفلاتاً من كافة القيود والالتزامات السياسية والأخلاقية الملزمة والانقلاب على كامل النظام السياسي على الطريقة التي حدثت في بلدان ما بعد ثورات الربيع العربي. والشاهد أن هذه المطالب بالتغيير أو توسيع دائرة المشاركة السياسية التي تشبه فترة تكوين مجلس الشركاء الفترة الانتقالية وبكل ما اثاره من جدل لا تعني إلا هيمنة طرف واحد واختطافاً لسلطة مفوضة (الفترة الانتقالية) بشرعية الثورة. فهل لأن في ازدياد مستويات التصعيد على كافة الجبهات وعودة ما ظن الناس ان البلاد في مرحلة ما بعد الثورة قد تخطته الى واجهة الأحداث من تحشييد لوفود الإدارات الاهلية وتمثليها الفضاض لسلطاتها المتوارثة، وبقايا شخصيات لها مكانها المعروف في كل الأنظمة؛ أضف الى ذلك الاحتجاجات الجريئة في الشرق وقد زاد من تحديها لأي معنى للسلطة أو القانون بأن قطعت طريق الصادر والوارد في تهديد صريح للأمن القومي. فهل يعد هذا كافياً ويدعو الى حل الحكومة أو استبدالها ويعد ملجأ اخيراً خلافاً لكل الخيارات التي يمكن تتوافر عبر وسائل أخرى؟
وقد بات من المعلوم أن ممارسة الاقصاء للمكون المدني تتم من قبل المكون العسكري بكل ما يسوقه من حجج في مخاطبات قادته الجماهيرية لا تعني غير استضعاف لوجوده في السلطة وكل ما يرمز اليه من شعارات ف غير مريحة في نظر الطرف الآخر من القصاص والعدالة والحرية والسلام والتفكيك منظومة النظام البائد. ومن الغريب ان لا تغيب في خضم هذه التصريحات مفردات أصحبت رائجة في خطابات الهواء الطلق التأكيد على تسليم السلطة لحكومة منتخبة حفاظاً على البلاد في الوقت الذي يتم تقويض الأسس التي تقوم عليها المرحلة الانتقالية وبالتالي تنتهي الى حكومة منتخبة ديمقراطيا. ويبدو أن المكون العسكري يمارس من سياق الأحداث الحرب على مقولة الاستراتيجي كلاوس فيتز الشهيرة بأن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى. ففي تجاوز أسس الممارسة السياسية على الطريقة المدنية (التنظيم السياسي) لا تعنى أن تغييباً يجرى للجيش ودوره وخاصة أن جيشاً يمثل قائده على رأس هرم السلطة السياسية الى جانب قوى لها من سلطة الجيش ورتبه. فيبدو أحيانا أن التصريحات تحمل ظلامة إنذاراً موجها أكثر منها ظلامة يعانيها المكون العسكري تمس مؤسسته الحصينة (الجيش).
ومن حقائق الأشياء إن لم تكن من البديهيات أن الجيش مؤسسة لديها منظومتها وقيمها وتقوم بدور يقاس عليه قوة الدولة ومدى استحقاقها لتطبيق مفهوم السيادة الوطنية بحماية الحدود والدفاع عن مواطنين يحملون هوية هذه الدولة، وبالتالي يمثل الجيش جزءا من مكونات التي تعمل على أساس من مفهوم بناء الدولة State-building ضمن مؤسسات أخرى تتكامل وفق المبدأ الدستوري في الاختصاص والمهام. وأما الأسباب التي جعلت من مؤسسة وحيدة في العالم الثالث أو السودان أحد أهم الأذرع السياسية فلا يحتاج الأمر الى كثير شرح. وفي الجانب الآخر وعلى وقع الأزمة الحالية المستفحلة بين مكوني الحكم في سودان الفترة الانتقالية هناك قطاع مدني عريض له تمثيله وحقوقه المشروعة في حكم وإدارة البلاد الى جانب المؤسسات الأخرى بكل ما يمثله من قيم ديمقراطية وحقوق مدنية في الحريات وكل ما يحفظ الكرامة الإنسانية للمواطن السوداني.
إن الدعوة الى توسيع قاعدة المشاركة السياسية امر يمكن تفهمه واخضاعه لمنطق العقل إن جاءت في ظروف طبيعية مستقرة أو كان هناك ما يستدعي ذلك خارج الأطر المتوافقة عليها بما يؤدي الى اصلاح أو توافق سياسي وليس على طريقة المساومة السياسية التي يحاول فرضها طرف أوحد في مواجهة كل الأطراف لا لشيء سوى لأن القوة بيده. والقوة على اية حال لا تعني الحق المطلق في ممارسة السلطة خلافاً لكل الأدوات الأخرى كالحوار والانتخابات والتداول السلمي للسلطة وغيرها مما دفع الشعب السوداني بالقيام بثورته التي أطاحت بجبروت القوة ومهدت الطريق الطويل نحو خيار ديمقراطي يحترم ارادتها المفوضة لا الوصاية والهيمنة.
نشر بصحيفة_ الديمقراطي# عدد الأربعاء 13/10/2021م
anassira@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم