هَوِية الثورة والتغيير في السودان (2): العروبة وهوية العرق والمعتقد .. بقلم: د. عثمان عابدين عثمان
1 أغسطس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
لا غني عن القول أن الفعل الثوري يتبع حد أدني من المعرفة الواعية بهوية الذات والواقع السياسي والإجتماعي المعاش؛ ولامناص من القول أن الهوية، في كل أشكالها وأبعادها، تكون في حالة من الحركة الدائمة نحو الجديد- المختلف وأن الفعل البشري، الجريء والخَلَّاق، يمثل الدافع لمفارقة الراتب المألوف نحو مشارف الغد المجهول. فما بالك بثورة الجُموع الهادفة للتجديد والتغيير الجزري والشامل.
مفهوم الهوية في مجال العلوم الطبيعية يخضع لقانون السبب والنيجة؛ وهي كذلك في مجال علوم الإجتماع الإنساني حيث تكون ‘إرادة الإختيار الحر’ بمثابة السبب الذي يحدد ميول إكتساب المعرفة وما يترتب عليها من تفكير يرسم مسار الفعل والسلوك ومن ثم مجموعة الخصائص والصفات التي تُعرِّف هويتة الفرد ( الكينونة) وتميز بينه وبين الأخرين. لذلك، تعتبر الهوية شيئ محدد يتوقع منها أن تتصرف، في ظرفها الزماني والمكاني، بشكل محدد وتقود، في النهاية، لنتائج محددة متوقعة ومعروفة. فنغمة العود المُدَوزَنْ في أصيل يوم الغناء والعَزْف والطرب سوف تختلف عن تلك التي سوف نستمع إليها من قبل إنفِضَاض ليلة الإبتهاج والسمر. كذلك الشخص، الشيخ الوقور، الذي ينتظر حلول فصل خريف عمره في صبر وتأمل، سوف يتعجب من جرأة وتهور فعله وتفكيره حينما كان في ريعان الصبا وعز الشباب. لذلك، في العود على بدء إفتراض هوية الثورة والتغيير في السودان يتحتم علينا إستنتاج أن يكون فصل ثورته ربيعا عربياً بأسبابه ونتائجه إذا كان تشابه مقدمات السلوك والتفكير تقود لنتائج متطابقة أو متماثلة. هنا، وعلى علة منطق الحكم على الفرضيات – لا النتائج ولتسهيل مقاربة المقارنة بين ثورة الشعب السوداني وثورات الربيع العربي سوف نفترض، جدلاً، وجود هوية سودانية متميرة ومتفردة علي الرغم من حالة التَحَوُّر والتكوين التي نعرف أنها تكابدها وتعانيها.
هوية دين التوحيد مصدرها العقيدة القائمة علي مفهوم أحادية الوجود والخلق. نتيجة لذلك فهي تتماهي مع هوية الذات وينحصر تعريفها في معرفة من يقوم بتفسير وتبرير النص اللامتناهي والمتعارض مع منطق الضمير الشخصي والإحالات السببية لظواهر الطبيعة والكون. فكما مَثَّلت العقيدة اليهودية هوية شاملة للعرق واللغة والوطن، تتحيز هوية ديانات التوحيد لنفس العوامل ولكن، بدرجات متفاوته علي حساب التاريخ والكُل الثقافي المتعدد والمتنوع. فاللوح محفوظ منذ الأذل والتنزيل مقدس بلغة نَصِّهِ والعرق محدد بفعل التفضيل والإختيار الإلهي. أما في ما يتعلق بإرتباط الدلالة اللغوية بقدسية النص والعرق نقول أن اللغة، في حد ذاتها، لا يمكن أن تكون جزاً من الهوية إلا في حالة التعبير المشروط عن الحالة الثقافية الكائنة، ذلك لأن الهويات تتأسس وتقوم وتختلف بغض النظر عن لسان حالها المشترك.
الحدود بين هوية ‘دين توحيد’ وآخر ليس أكثر من مشارف دين يحُدُّه أفق عريض وفضاض لدين موحد آخر. ولاعجب، فالأخر، عند السابح بالنص في فضاءات عالم الماروائيات، إما أن يكون متتطابق – متماثل أو نشاذٌ غريب، مختلف ومتنافر. لذلك، يكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن تقف هوية الدين عند حدود دولة المواطنة بتعريفها الحديث الذي يتضمن مبدأ المساواة في المواطنة بغير إعتبار العرق أوإختلاف الثقافة أو التفاوت في ودرجة الإيمان، ناهيك عن هوية تنحاز لعرق فضفاض، متعدد الأصل والجذور وتخلط بين دلالة اللغة وقدسية المعتقد. فالهوية التي تتعلق بأطراف الكون الفسيح تكون أعرض وأوسع في قياسها لهويات الذات والعرق والوطن، الضيقة والمتناهية. هذا في ما نعرف من فرق بين هوية الدين وهوية المواطنة مع الأخذ في الإعتبار بعدم وجود تعريف متفق عليه لما يسمي بمفهوم “العروبة” أو “الهوية العربية”. الأحرى أن نقول أن هناك، فقط، ظاهرة هوية عربية، لا ترقي لمستوى معرفة من وضوح أو يقين بدأت مع صدر الفتوحات الإسلامية ووصلت لقمة تجليات التعبير عنها في أدب مقاومة المستعمر، ليس كتعبير عن طبيعة العناصر التي تستدعي التفكير في تعريف هوية العربة والإسلام ولكن، كرد فعل عاطفي – جياش، مضاد – معادل للأخر، الغربي المسيحي.
ذاك زمان غابر عبر بما فيه من حكايات وأحاجيّ وأساطير. اليوم نحيا ونعيش في عصر عِلم الأجناس الوراثي الذي يعرف التنوع العرقي بمقدار بعده عن أصله الجيني المشترك. في تعريف الهوية التي تبنى على معرفة الوعي والإستنارة، يكمن التنوع والإختلاف على مستوى العرق في التعدد الشكلي لتركيبة الجينات(1) وليس في جوهر طبيعة العناصر المكونة لها، في حين تكمن فوارق المعرفة في جوهر مقياس الإحالات السببية للظواهر بمنطق سيادة العقل وحرية التفكير(2)(3)(4)(5). لذلك، يكمن التحدي الحقيقي في تعريف الهوية من منطلق فهم وتبرير وحدة الإنسان علي الرغم من إختلاف وتعدد عرقه ومعرفته وثقافته. كلنا إنحدرنا من صلب دينكينش، أمنا الشرق إفريقية، الرائعة والفريدة التي كانت تلقي شعاع الشمس الدافيء علي ضفاف نهر أواش عند مغارب سهول مرقده الخصيب. هذا بعض من حال الهوية المُعتَّق والعريق، فما بال أن تكون هوية السودان، قلب إفريقيا النابض، إقرب لموضع التنوع والإختلاف من بلدان فصول ربيع تقع فيما وراء بِحارٍ يُمْ وتحفها ظلال من رؤى مسافات بعيدة. أبدا لمْ يكنْ الوصف بعدم النقاء رائعاً وجميلا إلا في إبداع عملية التطور والإختيار في التنوع والإختلاف التي تشكل شريان وعصب الحياة والوجود.
إذا صحَّ لنا إعتبار لحظة التغيير الإيجابي في المجتمع تكون في حالة تناسب طردي مع مقدار إستجابتها لتحديات الواقع الماثل، فيمكننا أن نستدل علي أن المعرفة التي تؤدي للوعي وألإستنارة تمثل الشرط ألأساسي لصناعة تلك اللحظة التاريخية المتمثلة في التغيير الإجتماعي والسياسي، الراسخ والعميق. في هذا، وعن الثورة العميقة نقول، أن المعرفة الواعية بذاتها ترفد العقل الجمعي وتقوم بتوصيل نقاط الفهم المشترك وتناغم حركة العمل الجماعي وتجعل منها وقوداً عالي ألإشتعال في محرك عجلة التغيير في أتجاه الحد الأدنى الذي توافق عليه الجميع.
غنُيٌ عن القول أن المعرفة التي تقود إلي مجتمع الحداثة والإستنارة تكون بالضرورة نتاجاً لهوية العقل الجريء الثائر الذي يرفض الأمر الواقع ولايتردد في طرح التساؤلات التي تساوي بين قيمة الوصول إلي الحقيقة أو نقيضها الفاضح والصريح؛ معرفة متسفة تقود لخلق هوية متنوعة و ثقافة متعددة لا تتصالح مع مظاهر العنف والتمييز على أساس الجنس والعرق او المعتقد ومتناسقة في أحكمها الأخلاقية، خاصة عند منعرجات المكافحة والمنافحة عن حرية الإنسان وكرامته؛ معرفة تستوفي شروط الضرورة والكفاية في إفادتها للجميع وتصب في إتجاه ميول إختيارات الفرد وتسهل عملية إدراك أهمية متلازمة الحرية والديمقراطية، من جانب، ومجتمع الحداثة والتعدد والتنوع، من الجانب الأخر.
لاشك أن محاولات تعريف الهوية من منطلق الحشر والقِسْر والتنميط العِرقي أو العقائدي يعد خطلاً معرفياً يقود لمغالطة الإستعلاء والإستلاب المعرفي والثقافي.
توضيحات وهوامش:
(1) تتكون الجينات الوراثية، لجميع الكائنات الحية، من الحمض النووي الذي يحتوي علي نفس العناصر والمركبات من: هيكل فسفوري ثنائي – حلزوني وأربع قواعد قلوية تسمي أدونين (أ)؛ جوانين (ج)؛ سايتوزين (س)؛ وثمين (ت) التي توجد في شكل ثنائية ثابته من ’أ-ج‘؛ ’س- ت‘ تتكرر في شكل دعامات للهيكل الثنائي – الحلزوني للحمض النووي. الإختلاف بين كائن وكائن حي آخر يكمن فقط في عدد وترتيب الشفرة الجينية المكونة من ثنائيات القواعده الأربعة. علي سبيل المثال والتبسيط قد تكون الشفرة الجينية لأحد الكائنات الحية هي: أ-ج؛ س – ت، أ-ج؛ س- ت، في حين تكون لكائن اخر هي: أ-ج؛ أ-ج؛ س- ت، س – ت. لذلك، اختلاف نوع وشكل الكائن الحي يحدث لمجرد الإختلاف الشكلي في ترتيب الشفرة الجينية.
)2) أبسط صور التقارير والحُجَج المنطقية يكون في شكل جملة مفيدة (فكرة كاملة) تؤكد شيئاً حول موضوع محدد – يقرر أو يتنبأ بما هو بألضرورة ’حقيقة واقعة‘ أو ’حقيقة محتملة‘ أو ’أللاحقيقة‘. بذلك توجد الحجة المنطقية في حالة إقصاء متبادل بين تأكيد الحقيقة أو عدمها.
(3) في علم المنطق تختلف النتائج بإختلاف معطيات أسبابها ومقدماتها. مثلاً: المقدمة التي تقول “أن للطيور أجنحة لذلك، فهي قادرة علي الطيران والغناء كما يصدح ويحلق طائر العندليب” ليست كالمقدمة التي تقول بأنه “ليس كل من إمتلك جناحان في مقدوره الغناء والتحليق كما يفعل طائر العندليب” لأنه ما زال يعيش بيننا، وبأجنحته، طائر الإيمو ولكن، ليس في مقدوره الطيران أو الغناء. هنا تكمن أهمية دقة المقدمات والفرضيات إذا كان يتوقع منها أن تقود إلي إستنتاج يعبر عن حقيقة واقعة وكاملة.
(4) قد تبني الحجة علي فرضيات صحيحة وهيكل بنائي زمني سليم وبالتالي وتقود إلي إستنتاج معرفة حقيقية يمكن التحقق منها بإرجاعها للواقع؛ أو قد تكون حجة بمعطيات غير صحيحة وتعتمد علي ذاكرة هيكل زمني متهالك وتقود إلي إستنتاج معرفة هَشَّة، مُغَبشة وغير حقيقية ومنبتة عن الواقع. لذلك، ليس من الضرورة أن يقود صلاح البنية اللغوية، في حد ذاته، إلي معرفة الحقيقة وذلك لإشترطها صلاح الفرضيات/المقدمات وتسلسل بنائها الزمني.
(5) من ناحية، إذا إتفقنا علي أن صلاح الحجة يدل على صحة تركيبها المنطقي و ورود مقدماتها في إطار زمني متسلسل ومتماسك، فألمغالطة، من الناحية ألأخرى، تشير إلي خلل في في محتوى بنية التركيب وإستراتيجية التفكير، أو إلي ورود مقدماتها خارج أطارها الزمني الحقيقي، أو الإثنين معا.
عثمان عابدين عثمان
osmanabdin@gmail.com
/////////////////