وداعا يوسف حسين .. مقالات .. افادات .. مراثي
7 أغسطس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
79 زيارة
د.احمد طراوة :
وداعا يا قديس الخط الماركسي الثوري ? الحمد لله انك عشت ، و شفت شعبك على حقيقته … و لا زالت كلماتك تلك ترن في أذني و ذهني : ان العزلة ليست في الابتعاد عن الكوم الكبير ، بل العزلة هي الابتعاد عن الموقف الصحيح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وداعا الرفيق يوسف حسين ….. محمد عبدالقادر هلال :
ودعنا فجر اليوم الرفيق يوسف حسين ( حسن تاج السر) بعد ما قدم لحزبنا و شعبنا عصارة ما يملك من معرفة و إرادة و مثابرة المناضل الذي لم ينظر للوراء. تخرج الرفيق من كلية العلوم جامعة الخرطوم قسم الجيولوجيا أوائل الستينات و عمل لفترة قصيرة في وزارة الأشغال ثم تفرغ للنشاط الحزبي و اصبح واحدا من ابرز متفرغي الحزب طوال عمره. و صارع خلال تفرغه ابرز انقسامين : القيادة الثورية التي طرحت العمل المسلح سنة ١٩٦٣ و انقسام ١٩٧٠ اليميني بقيادة معاوية ابراهيم و هو الانقسام الذي هدف الي تصفية الحزب في منعطف إنقلاب مايو و دمجه في ( ثورة مايو و حزبها). عمل حسن تاج السر كمتفرغ علي دعم و تنظيم نشاط الطلاب و العمال و المدن. و انتظم في العمل السري بين عام ١٩٧١-١٩٨٥ عدا فترة اعتقاله عام ١٩٧٧. و اعتقل مرارا بعد انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ و تعرض في الاعتقال لأمراض ارتفاع الضغط و انزلاق الغضروف. لكنه ظل طوال فترتي الديكتاتوريتين عضوا في السكرتارية المركزية و اللجنة المركزية للحزب. بعد انتقال الحزب الي نشاط شبه العلن في ٢٠٠٥ واصل الزميل إسهاماته ثم انتخب الزميل عضوا في اللجنة المركزية للحزب في المؤتمرين الخامس -٢٠٠٩- و السادس -٢٠١٦- و عمل مسئولا عن مكتب الاعلام الحزبي بين ٢٠٠٩-٢٠١٦ و ناطقا رسميا باسم الحزب عن ذات الفترة. برحيله اليوم لا تنطوي احدي صفحات النضال الحزبي انما تنتصب أمامنا مآثر الشيوعيين السودانيين في سعيهم نحو بناء وطن شامخ ، وطن عال ، و قد بذلو في ذلك السبيل و لا زالوا يبذلون.
يوسف حسين: صوفي من أجل الشعب .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم سودانيل بتاريخ: 05 تموز/يوليو 2019 أوقفت قبيل 19 يوليو 1971 بأيام قليلة تاكسي طرحة من بحري إلى أم درمان. كنت في حالة شبه اختفاء من أعين أمن نميري بعد بدء هجومه على الشيوعيين ومنظماتهم في خطاب مارس 1971. فكنت أضع عمامة على رأسي متى وضعتها بان المستور، صلعتي، وانكشفت. ووجدت من ضمن الركاب رفيقنا يوسف حسين وهو في حالة اختباء كامل. طبعاً. سلمت عليه. ويبدو أنني سرحت في الأنس وخرج مني كلام “كبار كبار” في السياسة وغيرها. فقال لي يوسف بطريقته الجافة: “والله حقو تلبس العمة دي فوق خشمك المرة الجاية”. وأصاب الرجل.إننا نستقبل عهداً ديمقراطياً قاتل من أجله الراحل يوسف حسين له عمراً طويلاً. والديمقراطية صنو الحزبية. وما أخشاه ألا نحسن للديمقراطية المنتظرة لأن جيلنا الثائر لم يتصالح مع الحزبية طوال مقاومته للإنقاذ. فوقف أداء الأحزاب وصفوتها منذ الاستقلال حجر عثرة دون أن يتواضع الجيل على زواج الحزبية والديمقراطية الكاثوليكي. فظللت طوال ثلاثين عام الإنقاذ، وقد تعاقبت أجيال الشباب علينا، أسمع كرهاً مخيفاً في الحزبية وتكريها فيها. وبدا لي كأن الجيل سيقيم نظامه الديمقراطي على غير عمد الحزبية. ولكنه لم يأت ببيانه على ذلك بعد.ومن هنا مدخلي على الرمزية السياسية للراحل يوسف حسين الكادر التنظيمي المتفرغ بالحزب الشيوعي منذ النصف الثاني من الستينات. وكانت أكبر عاهات الحزبية عند الجيل الحاضر هي التفرغ للحزب. وهذا فهم قاصر. فليس من مؤسسة تريد لنفسها حضوراً مبروكاً مستقراً في مجتمعها خلت من المتفرغين. وقال أحدهم مرة إنه لو غادر القساوسة الكنيسة لتلاشت المسيحية. ولولا الخليفة والمقدم والوكيل لتفرقت الختمية والقادرية والأنصار أيدي سبأ. ووددت دائماً من الكادر المتفرغ للحزب الشيوعي الكتابة عن حياتهم في سكة الخطر. وقلّ الكاتب بما فيهم الداعية الذي هو أنا. ولولا كتاب كامل محجوب، الذي تفرغ في الخمسينات للعمل في منطقة الجزيرة، المسمى “وتلك الأيام” لما وقفنا على خلفيات موكب مزارعي الجزيرة الذي اعتصم به الآلاف في ميدان عبد المنعم (الأسرة ألان) في 1953 ليضغط على الحاكم العام للاعتراف باتحاد المزارعين بقيادة الشيوعيين. ولربما لهذا قال البشير مرة إن المزارعين “تربية شيوعين”. وقال شيوعي ماكر عن جماعة انشقت عن الشيوعي وكونت حزبها: “أها البتفرغ ليهو منهم؟”سميت المتفرغ للقضية مثل يوسف ب”الأفندي المضاد” لأنه نقيض الأفندي الذي ترعرع منذ عهد كلية غردون على أمن الوظيفة وامتيازاتها. وكتبت عن حيوات جماعة منهم فيهم عبد الله عبيد وأحمد شامي ومحمد عبد الرحمن شيبون ومحمد إبراهيم نقد وعمر مصطفى المكي وعن اليسر الذي اتخذوا به قرار التفرغ للحزب وهم شباب لم يطر شاربهم. ووصفتهم بجيل الفراشات استمطروا أنفسهم نحو لهب الماركسية والطبقة العاملة. وشهد الله لولا هذه الجماعة من المتفرغين، حلقة المتفرغين كما نسميها، لراح لحزب شمار في مرقة بعد مغامرته في 19 يوليو التي ذهبت بزبدة قياداته منذ الأربعينات. وعُرفت هذه الفترة الكارثية ب”فترة التجميع” التي لعب فيها المرحوم نقد بمعاونة طاقم المتفرغين مثل الراحل يوسف حسين والتجاني الطيب والجزولي سعيد وعبد الحميد جزيرة (لطول مكثه مسؤولاً عن منطقة الحزب بالجزيرة) والسنجك بتاع الرونيو وسليمان حامد دوراً رائداً شجاعاً استخلص فيه الحزب من براثن نميري السفاح. بل كان سعيهم المحموم إلا يعتقلوا هو واجبهم ليبقوا يلملمون شعث الحزب. وسمعت قصصاً تروى عن شجاعة رفاق فروع الأحياء في حفظ هذه الحلقة من المفرغين من أعين الأمن وكانت اسماؤهم يلعلع بها المذياع. ولم يمر أكثر من شهر من مذبحة الحزب في يوليو 1971 حتى استجمع الحزب نفسه. وحمل لنا بريد الحزب السري البيان الأول له بنحو شهرين من الهزيمة الكاسحة يكذب للناس من “فتنا وقالو للناس انتيهنا”. ويعجز قلمي عن وصف السعادة التي غمرت الشيوعيين المعتقلين بالسرايا بسجن كوبر وهم يطالعون المنشور مغرورقي العيون. وكانوا اطمأنوا أن هتافهم في المعتقل: “عاش نضال الحزب الشيوعي. عاش كفاح الطبقة العاملة” حق لا أمان عذاب. دور المكن أبو الكلب. ليس من ناع ليوسف حسين لم يذكر زهادته. وهذه الزهادة في وصف الأفندي المضاد الوظيفي. سلك طريقاً غير طريق الأفندية المفروش بالامتياز والترقي ليشق طريقاً من المسكنة الاختيارية وصفت لواءها في كتابي “محمد عبد الرحمن شيبون: جمر الجسد، صندل الشعر” عن شباب اليساريين في الاربعينات والخمسينات. وكان هذه طريقهم لسودانية مبتكرة أحيوا بها سنن الزهادة الصوفية السودانية من تجريع الجسد الغصص ليخلو العقل والفؤاد لوجه القضية. ووجدتني أرثي لمن وصف الشيوعيين بالمروق من التقليد الثقافي السوداني. فالتفرغ، وقد عشته، كان سبيلهم إلى هذا التقليد. فقد أخذوا الشيوعية حقاً من مصدر مبتكر ولكنها لم تأت بكتلوج للكيفية التي سيجري تطبيقها في السودان. ووقع من اعتنقها وتفرغ لها على تقليد الزهادة الصوفية في حين درج الأفندي في نعماء الوظيفة الغربية المستوردة أيضاً. عانق الأفندي المضاد المتفرغ إرثاً في العيش على الكفاف طلباً للحق بينما خرج الأفندي إلى تقليد مستحدث عن منافع الوظيفة.إذا بقي من يوسف رمزاً للجيل وموعظة فهو سهره منذ شبابه إلى سبعينيته على قضية اعتقدها وأفرغ حياتها له. ومشي يوسف في السكة التي افترعها أستاذنا عبد الخالق محجوب. فسأله نميري في تحقيق صفيق بعد القاء القبض عليه عن كيف يعيش عمراً بغير وظيفة يطعم منها، بعبارة، لماذا أنت افندي مضاد؟ وقال أستاذنا: عشت بما تيسر.رحم الله يوسف حسين وأحسن إليه وزادنا الله من أمثاله ممن رهنوا حياتهم بمسألة لم يزغ بصرهم عنها خوضاً صعباً في وعثاء الحياة والسياسة.
———————-
ببالغ الحزن والاسى ينعى التحالف الديمقراطى بالولايات المتحدة الامريكية
المناضل المهندس يوسف حسين عضو اللجنة المركزية للحزب
الشيوعى السودانى الذى وافته المنية اليوم بالخرطوم . نودع مناضلاً جسورا لم يساوم او يهادن فى قضايا الوطن ، انحاز منذ بواكير شبابه لهموم الشعب وتوقه للحرية والسلام ، وتفرغ منذ تخرجه من كلية الجيولوجيا، جامعة الخرطوم منتصف الستينات للعمل في الحلقات القيادية لحزب الطبقة العاملة، حزب الكادحين وكان الحزب كل حياته، ظل وفيا لمبادئه لم يلن، لا لسجون الرده ولا معتقلات الدكتاتوريات التي مرت علي البلاد . ورفاقي طيبون ورقيقين كأفراح حمامه ربما لا يملك الواحد منهم حشو فم فيمرون علي الدنيا خفافا كالنسم وعلي عاهلهم عبء كبير وفريد عبء ان يمض في العتمه مصباحا وحيد . له الرحمة والمغفرة ، خالص التعازى للاسرة والاهل والوطنية السودانية بكل تنوعهاالتحالف الديمقراطى الولايات المتحدة الأمريكية
———————–
عبد الرحمن بركات ( ابو ساندرا ) : محمد ابراهيم نقد / التيجاني الطيب / يوسف حسين
امانة عليك يا يوسف بلغهم تحياتي و بشرهم ان ما قاله عبدالخالق محجوب رداً على سؤال المحكمة : ماذا قدمتم عبدالخالق؟ أجاب الشهيد الهمام : قدمت الوعي ما استطعت . بشرهم انه قد تحقق و بان اثر الوعي في نضال شعبنا و ثورته المجيدة ، و اغشى محجوب شريف و محمد الحسن سالم حُميد و محمد وردي ، قول لهم ان الشباب الثائر استخدم قصائدكم شعارات يرددها الكولينق و تجاوب المنصات و ينتشر ، كما الوعي ، وسط المظاهرات الهادرة ، اناشيدهم يرددها الشباب خلال الاعتصام و في المظاهرات و كذلك في فعاليات الخارج المكرسة للأغنية الوطنية لدعم الثورة ، بلغهم ان حزبهم يتمدد و في كل صباح جديد يكسب مؤيدين عرفوه من خلال مواقفه الحازمة المنحازة للثورة و الرافضة لأي حلول استسلامية ، انت و هم ستظل ذكراكم باقية و مواقفكم نضرة و جذوة نضالكم متقدة ، و سيظل وعيكم الثاقب يسري في شرايين الثورة و يزودها بطاقات جبارة و جسارة فائقة و يقين قوي بانتصار الثورة و إقامة البديل الديمقراطي . لا تنسى ان تقول لهم ان شعارات المؤتمر الخامس قد تحولت الى هتاف راسخ في الثورة ( حرية سلام و عدالة ، الثورة خيار الشعب ).
———————-
أمين محمد إبراهيم :
وداعاً المناضل الثوري الفذ والقيادي الشيوعي البارز الأستاذ يوسف حسين. في هذا الظرف الدقيق من تطور الثورة السدانية يفتقدك الحزب الذي أرسيت دعائم بنائه مع رفاق لك (منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا). لعقودٍ ست ظللت في مقدمة الصف تحمل مع رفاقك مشاعل الوعي والاستنارة (والقيم الجديدة والسير). الآن وشعبنا يتنسم أريج الحرية والسلام والعدالة بفضل بشائر ثورة 19 ديسمبر المجيدة 2018م نستطيع أن نقتطف (بتصرف) وبإطمئنان خاطرة الشهيد عبد الخالق الوسيمة ونقول: “إن طاقة الوعي الذي ألقى بها الحزب الشيوعي في بركة الحياة السياسية الساكنة لا زلت دوائرها تنداح وتنداح “.نم هانئاً مطمئناً فالثورة التي أسهمت في إشعال شموعها لا زالت تعيش، وستنتصر!!، طالما بقي الشعب يغني مع الفيتوري و وردي: أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش. فأطلعي رأية أكتوبر فالثورة ما زالت تعيش..
———————-
د. الشفيع خضر سعيد :
ليوسف حسين، لا يملك القدر إلا أن يستجيب، حتى يتحسس يوسف ثمرة إنقطاعه الكلي والصارم والنقي بعيدا عن زيف الضحكات. تحسست إبتسامته الأخيرة أفئدة وأرواح الملايين من شباب ٣٠ يونيو الماضي، وما أحلاها من ثمرة ليوسف. احدهم كان يسميه “يوسف مانديلا” تيمنا بأسطورة النضال والصمود، وأنا زدت فأسميته “يوسف حسين” تيمنا…وداعا أيها الصديق المبدئي.
———————-
حكيم شمية :
اختاره المكتب السياسي ليترأس وفد الحزب الشيوعي للقاء وفد لجنة مناهضة سد كجبار في مايو 2007.شخص في غاية البساطة والوداعة يحرك قلم الجاف(بيك) بين أصابعه ويفركه بيديه احيانا بقلق لا يشبه سمات وجهه ولا هدوء محياه ونبرات صوته. كان واضحا وهو ينقل إلينا موقف الحزب الشيوعي الداعم لقضية كجبار واسدي الينا الكثير من النصح، وقال:نحن بدورنا سنفسح لقضية كجبار مساحات في صحيفة الميدان ودار الحزب مفتوح لكم . اشهد ان لقاءنا مع وفد الحزب الشيوعي برئاسة يوسف حسين ..ولقاء اخر بعد ذلك بمحمد ابراهيم نقد كان خير معين لنا وفتح لنا آفاق كثيرة واضاف لمعركة المناهضة الكثير من أسلحة الوعي. في الخالدين المناضل الصادق يوسف حسين لة الرحمة ولاهلة وأصدقائه ورفاقه الصبر وحسن العزاء
ياسر عرمان : *يوسف حسين: لو ولد قبل مائة عام، لكان ولياً يزار*
منذ أن إلتقيته للمرة الأولى في سجن كوبر وأمضيت معه عاماً في قسم الكرنتينة (ب) في الفترة من مارس ١٩٨٤م – الي فبراير ١٩٨٥م، ظل طيف يوسف حسين وملامحه النضيرة دائماً في خاطري، تمر أزمنة مشرقة وأخرى عجاف وماتزال الأشواق تشدني لهذا المناضل الفريد والإنسان من الطراز الرفيع. مرت فترة ليست بالقصيرة، وربما تعود فكرة هذه المقالة لنحو عشرين عاماً، ناقشتها مع نفسي مراراً ومع عدد من الأصدقاء ولم تبرح فكرة الكتابة عن يوسف حسين ذهني. لم أمجد الأحياء يوماً وأرى في تمجيدهم مغامرة غير مأمونة الجوانب، ولكن حينما يتعلق الأمر بمناضل فالح وصالح مثل يوسف حسين فإن تمجيده مستحق وواجب، فهو إنسان مجيد جسد لي دوماً معاني الإخلاص والإلتزام والزهد والنزاهة، وهي قيم يحتاجها عالم اليوم الملئ بالوجبات السياسية السريعة.منذ عدة أشهر إنتشرت في وسائل التواصل الإجتماعي عند فئات اليسار صورة زاهية ليوسف حسين في شبابه بين عملاقين من عمالقة النضال، هما الشهداء الشفيع أحمد الشيخ وقاسم أمين، والحقيقة إن يوسف ينتمي بحق لأزمنة العمالقة وهو إمتداد حقيقي لتلك المسيرة من الإلتزام ونكران الذات، وكأن الصورة لم تؤخذ صدفة بل أخذت بعناية لثلاثة من أهم بناة الحركة التقدمية السودانية.في القاهرة حينما زارها جون قرنق للمرة الأولى طلبت من العم والمناضل الكبير الراحل محجوب عثمان أن يفعل كل ما في إمكانه لحمل يوسف حسين لحضور عشاء رتبه الأستاذ فاروق أبوعيسى في منزله للدكتور جون قرنق دي مابيور، وكان عشاءاً مشهوداً حضره عدد كبير من قادة العمل العام سودانيين ومصريين، وكنت قد إتصلت قبلها بيوسف حسين لدعوته فأجاب بتواضعه المعتاد بإن هذه المهمة ليست من مهامه، فهي لزملاء آخرين، وذكرت له إنني طالما حدثت دكتور جون قرنق عنه وهو يرغب في مقابلته، فإعتذر ولكن حينما إتصلت بالإستاذ محجوب عثمان لاحقاً أكد لي إنه لن يترك يوسف حسين حتى يأتي به، وكما وعد فعل، وحينما كنت أقدم الدكتور جون قرنق لبعض السودانيين المتواجدين وعرفته على يوسف حسين، قال لي إنه يريد أن يلتقي به قبل مغادرة القاهرة، ومن قبل ذلك وفي مناسبات مختلفة دار حديث بيني وبين الدكتور جون قرنق عن تجربة الحزب الشيوعي في العمل السري وأهميتها للحركة الشعبية في بناء أجهزة عمل سري جماهيري في مدن وريف السودان، وقد إهتم قرنق بهذه الفكرة وناقشها أكثر من مرة مع قادة الحزب الشيوعي لاسيما مع الأستاذ التجاني الطيب وكان يريد أن يعرف أكثر عن طبيعة عمل (المتفرغين) وهم (المحترفين الثوريين) الشيوعيين، وإستغرب عندما حدثته عن عدد منهم، وإن بعضهم لا يعرفهم الناس على مدى عقود طويلة بأسمائهم الحقيقية، وإنهم يستخدمون أسماء حركية، وإن عددا منهم هجر الحياة العامة ووظائف مرموقة للعمل سراً وعلناً للحزب، وحدثته عن يوسف حسين وإنه تخرج من جامعة الخرطوم في قسم الجيولوجيا، وكان من المبرزين في دفعته، وحدثني في سجن كوبر بإن الشهيد عبدالخالق محجوب طلب منه التفرغ، وإنه تفرغ للعمل الحزبي منذ الستينيات، وحدثته عن الميزات والصفات الشخصية ليوسف حسين، وعن زهده وتقشفه، وإلتزامه الصلب، وإن الحركة الديمقراطية التقدمية السودانية قد قامت على أكتاف رجال ونساء من أمثال يوسف حسين.
كان جون قرنق ذلك الثوري الساحر الموغل في التمرد يرغب في إجراء مناقشة معه حول كيفية بناء قواعد عمل سري للحركة الشعبية حتى تتمكن من إيجاد معادلة قويمة بين الكفاح المسلح والعمل السلمي الجماهيري، وهي ذات المهمة المطروحة اليوم، ولكن ذلك اللقاء لم يتم.
في أمسية جميلة بلندن وبصحبة علي عبد اللطيف حسين وعلي خليفة عسكوري قمت بزيارة الأستاذ نبيل أديب وهو الآخر في الجانب التقدمي من التاريخ، ذكر لي بأنه قد عاصر يوسف حسين أيام حركة الطلبة وحضر معه إجتماعات لقيادات الطلبة بعد أن تخرج يوسف حسين من جامعة الخرطوم، قال إنه حينما يدعونه لتناول أكل الجامعة مجاناً وهو خريج أنذاك، فقد كان يرفض ذلك ويأتي بطعامه معه، ولا يقرب طعاماً ليس من حقه وهي قصة تعكس جوانب عميقة من مبدئية يوسف حسين وصدق إلتزامه، وحدثني من أثق به إنه في بداية حكم الإنقاذ حينما إحتار البعض في تحليل ظاهرة الإنقاذ فإن يوسف كان شديد الوضوح حول صلتها بالإسلاميين وقاد التحليل الحزبي على ذاك المنوال.
في الولايات المتحدة الأمريكية جمع بعض رفاق يوسف حسين مبلغا معتبرا من كتيب كان قد أصدره يوسف حسين، وحينما جيئ إليه بحصيلة بيع الكتاب رفض إستلام المبلغ ووجه بتسليمه لمالية الحزب، وهذا هو يوسف حسين الذي يشكل الزهد صفة مقيمة لايمكن أن تتحدث عنه والا طالعتك، وهو بحق يغشى الوغى ويعف عند المغنم، كما ذكر عبد الخالق محجوب بعد ثورة أكتوبر مستلهماً عنترة بن شداد. وقد أعطى حياته كلها لوطنه ويستحق أن تحنى له الجباه، وها أنذا أفعل ذلك في مقالتي هذه.
في سجن كوبر حينما كنا في قسم الكرنتينة (ب) كان الأخوان الجمهوريون في قسم الكرنتينة(ج)، وأحياناً كان السجانون يسمحون بالزيارات بين الأقسام في أيام الجمع والعطلات والأعياد، تعرف الجمهوريون على يوسف حسين وأحبوه جوهراً، وقال عنه أحدهم عبارة لا تزال تطرق أذني بعد أكثر من ٣٠ عاماً (لو ولد يوسف حسين قبل مائة عام لكان ولياً يزار). كان يوسف حسين في السجن كثير الصمت يداوم على القراءة والمحاضرات والإجتماعات الحزبية ويلعب كرة الطاولة والضمنة ولايعرف النميمة المنتشرة في السجون في بعض الأحيان.
رغم سنوات السجن الطويلة التي تسببت له في كثير من الأمراض ولكني لم أره منهزماً أبداً، بل كانت روحه المعنوية دائماً عالية، ورغم الحزم والصرامة التي ترسم الإنطباع الأول عنه عند مقابلته، ولكنه خفيف الدم أيضاً يتذوق النكتة ويحكي النكات. في السجن وفي مناسبات مختلفة يردد المعتقلون الهتافات، الا إنه في الغالب كان يلتزم الصمت وطوال عام لم أره منفعلاً يردد الهتافات الا في ١٨ يناير ١٩٨٥م يوم إعدام الأستاذ الشهيد محمود محمد طه، فقد جرت مراسم الإعدام في حوش الطوارئ الملاصق لقسم الكرتنينة (ب)، وقد كنا نسمع هتافات الإسلاميين بوضوح ونرد عليها بهتافات معاكسة تمجد الأستاذ محمود محمد طه وهو في الطريق الي عليائه السامق وصعوده نحو الأبدية طائعاً مختاراً، وبعض الناس ” أرواحهم ملك للأمة متى طلبتها وجدتها”، كما عبر الشهيد أنطوان سعادة، ويوسف حسين شديد الشبه بالمتصوفة فهو مثلهم أتى الي الدنيا فقيراً وسيخرج منها مثلما أتى لم تأسره من الدنيا قشورها ولم تلفت إنتباهه قصورها، ولم يلتفت الا لمعاناة الناس والنضال من أجل عالم أفضل ولو أراد جميل الطعام وغالي الهندام والتطاول في البنيان لما كلفه ذاك كثير عناء، منذ تخرجه من جامعة الخرطوم في الستينيات.
في الماضي فصل يوسف حسين من مدرسة خور طقت مع الدكتور علي الحاج وآخرين، وأمضى سنوات طوال في سجون السودان المختلفة ولم يزل زاهداً ومؤمناً بالشعب السوداني، وما إلتقيت بالذين أعرفهم ويعرفون قدره الا وطلبت منهم حينما يرجعون الي الخرطوم نقل تحياتي وسلامي له، وفي جولات المفاوضات المختلفة في أديس أبابا كانت وصيتي الدائمة لصديقنا العزيز وأخانا الكبير الأستاذ كمال الجزولي أن ينقل التحايا والأمنيات الطيبات ليوسف حسين فمحبته عندي راسخة ومن محبة السودان، فالسودان إن لم يعني إنسانه والذين ضحوا من أجله فماذا يعني؟
حينما كنت في طريقي للإنضمام للحركة الشعبية قبل (٣١) عاماً كتبت له رسالة قصيرة من أبيات المناضل العمالي عالي الكعب والهمة الراحل الحاج عبد الرحمن (يا يوسفاً منا إليك تحية وسلاماً – عز الرحيل فقد سقاك حمام) وتركتها مع أحد الأصدقاء كتبها الحاج عبد الرحمن لصديق عمره السامق كالنخلة قاسم أمين.
قبل بداية الحرب الثانية والحالية كانت حواس الشم عندنا تؤشر الي إن نظام المؤتمر الوطني سيبدأ الحرب، وفي إحدى الأمسيات كان لدي عمل واجب الإنجاز مع قوى الإجماع الوطني، كلفت به مع الأستاذ صديق يوسف، وفي طريقي الي منزله طلبت من الصديق العزيز وابن طريقنا المشترك حاتم قطان أن يأتي معه بالأستاذ يوسف حسين وإلتقيته تلك الأمسية في بهاء من حوار، فهو بالنسبة لي يمثل زادا من ثبات وأوردة من التضحية والوفاء، وقد نصحت عددا من الذين أعتز بمعرفتهم بالتعرف بيوسف حسين فإن التعرف عليه قيمة مضافة في حد ذاتها.
في سجن كوبر طلب المهندس الراحل قاسم عباس من زوجته أن تشتري ملابس له وليوسف حسين ورفض يوسف حسين أن يستلم الملابس لأنه متفرغ حزبي يعيش على ما يتلقاه من التفرغ وعود نفسه على حياة بعينها، وحينما حدثني قاسم عباس الذي يعرف يوسف جيداً بكى فهو يحب شجاعته وصبره على المكاره.
مدون في التاريخ لا شك إن يوسف حسين ورهطه من قبيل نقد وتجاني والجزولي وعبد الحميد والسنجك وأنور وسليمان حامد والتجاني ساكن جاد كريم والآخرين وهم كثر تحدوا المشانق التي نصبت وبفضلهم عادت الحركة التقدمية الي الحياة من جديد، فيوسف حسين صاحب أفضال كبيرة ووهج لا ينقضي.
جذبتني الحياة الي حب الشهداء والشجعان والأوفياء والأذكياء، ويوسف حسين تحلى بالشجاعة والزهد، وصورته في ذاكرتي لا يعلوها غبار الزمن، ولا صدأ الأيام، فالحركة الوطنية السودانية منذ فجرها ضمت الكثيرين من الأوفياء الأنقياء ذهب بعضهم ولا يزال آخرون. لطالما شدني وإستوقفتني شخصيات مثل الحاج نقد الله مده الله بزاد من قوته حتى ينهض فارساً من جديد في حوبة الوغى، وعمي الراحل الحاج مضوي محمد أحمد ذلك الإنسان المصنوع من ماء الشجاعة، وفي ذهني الرجال والنساء الشجعان على إمتداد هذا النهر في غابات الجنوب. في سجن كوبر أذكر جيداً إن مدثر إبن إخت يوسف كان يداوم على زيارته وأتذكر قلة ملابسه التي إختارها زاهداً، كان لديه (قميصا) أثير يطلق عليه (قميص) مقابلة الحكام، وكان صديقنا الضوء أحمد بابكر يطلق على يوسف حسين (الليث الأسود) وعلى تجاني الطيب (الليث الأبيض)، للحديث عنهم دون معرفة الآخرين. رفم مرور السنوات وتباعد المسافات يظل يوسف حسين عصياّ على النسيان وتحتشد ذاكرتي بصور الاف المناضلين أحياء وشهداء، مع ذلك تظل صورة يوسف حسين بازخة، وأعلم إنه لا يحب التمجيد ولكنني أفعل ذلك لأنني وددت أن أحيي هذا المناضل وأردت أن يعلم هو الأثر الباقي الذي خلفه عند جيلنا وثانياً أردت للأجيال الجديدة ومن يطلعون على هذه المقالة أن يدركوا قيمة هذا المناضل الإستثنائي، ولعل الأصدقاء الذي إلتقيتهم في ذاك العام في سجن كوبر يتفقون معي حول قيمته وجلده وصلابته، تمر أمامي الآن صور بعضهم، وعذراً لمن لم تسعفني الذاكرة بإستعادتهم في هذه اللحظة، وأذكر منهم رمضان سعيد – فوزي أمين – الضوء أحمد بابكر – محمد محمد خير – منصور الطاهر – الراحل قاسم عباس – ود أبو – هوث قور – ومحمد يوسف ( من اللجان الثورية)- الراحل أحمد خليل – جوني جوك ذلك النيلي الفارع الشجاع الذي إلتقيته لاحقاً في غرب الإستوائية في ١٩٩١م في مدينة كايا ، وراح ضحية الصراعات الداخلية في الجيش الشعبي، وهو إنسان عنيد لا يتراجع عن مواقفه حتى ولو أودت بحياته وهذا ما حدث، والمجد لله في الآعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة.كان بودي أن أعطي إضاءات اشمل حول يوسف حسين فهو بالفعل يستحق ذلك، ولكن (جري وطيران) العمل السياسي اليومي (الذي لم تجده النعامة) والأوضاع التي تواجهها الحركة الشعبية ماتتطلبه من جهد أضطرني للإيجاز، ولكنني سوف أكمل لاحقاً رسم هذه الصورة واللوحة الثورية التي في خاطري منذ سنوات.
أود أن أقول إن يوسف حسين ممثل حقيقي لجيل الستينيات وناطق بإسمه، هذا الجيل ذو الإسهامات الكبيرة في الحياة الثقافية والسياسية والإجتماعية السودانية والإحتفاء به إحتفاء بجيل الستينيات، فمن غيرهم يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر، كما عبر الناطق الآخر محمد المكي إبراهيم.
وأخيراً أقول: يوسف حسين “ما زولاً لعب”.
يوسف حسين .. يا صارم القسمات يا حي الشعور حسن الجزولي :
* رحم الله يوسف حسين الذي هد برحيله الفاجع ركناً عزيزاً، شغلنا تواتر الأحداث السياسية في الفترة الماضية، رثاء هذا الانسان النادر الوجود، فقد تمثلت فيه المقولة الصارمة أن الانسان هو مجموع أقواله وأفعاله، وإن طبقنا هذه القاعدة فسنكتشف أن يوسف قد التزم بقيمتها نصاً وفعلاً، في كل مسام حياته العامرة بحب الانسانية والكون والعمل من أجل أن يتفانى حد الفناء الذاتي في سبيل إسعاد الآخر الذي وهب جلً حياته العامرة من أجله، فقد كان إنسان السودان على وجه الخصوص بمثابة دائرة الاهتمام الأولى له في نشاطه العام والخاص، ولأجل ذلك تحول يوسف بانتمائه الطبقي الذي اختار الحزب الشيوعي السوداني لكي يصير الحاضنة الثورية لما آمن وعمل من أجله، فينجح أيما نجاح في نهاية عمره العامر بتعمير حياة إنسان السودان فيتحول لمتصوف ثوري يتبتل في محراب النضال الذي خاضه بلا هوادة حتى أفنى ذاته العاشقة في المعشوق!.
* أول عهد معرفتي بيوسف كانت في دار مديرية الخرطوم الحزبية التي كانت كائنة بمنزل الشهيد عبد الخالق محجوب في حي الشهداء فترة الانتفاضة عام 1985، رأيته بمكتبه الاداري يقلب أوراقاً أمامه، بينما كان المكان يعج بعدد من الشيوعيات والشيوعيين الذين تواجدوا لمختلف الأسباب والذين أذكر من بينهم الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم، وكانت أول ملاحظاتي عنه صمته ذاك الذي يمكنك أن تفسره بالتعالي!، فحين كان الجميع يتجاذبون أطراف الأحاديث ويتبادلون الضحكات والقهقات العالية، كان هو منكباً على أوراقه معتنياً بها دون كبير إعتناء بهذه الأجواء الاجتماعية التي من حوله بين رفاق حزبه، ولا أخفي إحساساً إعتراني لحظتها بأني لم أستسغ ذلك، فنما عندي شعور بأن هذا (زميل) متغطرس!.
* مرت السنوات وغادرت للدراسة بجمهورية هنغاريا الشعبية وقتها، وأذكر أن زارنا الراحل في النصف الثاني من سنوات التسعينات والديكتاتورية العسكرية تنشر ظلالها القاتمة على الحياة السياسية في السودان، جاءنا لطواف حزبي كُلف به من قيادة الحزب بالداخل وكان وقتها خارج جديد لنج من (بيوت الأشباح) التي أُودع إليها بعد استطاعة أجهزة أمن نظام إنقاذ الأخوان المسلمين التوصل للمكان الذي كان يتواجد فيه وهو مختفي عن الأنظار منذ وقوع الانقلاب المشؤوم ووأده للديمقراطية الوليدة. حيث خضع لتعذيب وحشي سرد لي وقائعه لاحقاً بعد لأي وجهد جبار ومحاولات متعبة استطعت خلالها أن أنتزع تفاصيل واقعة التعذيب منه، وأظنها كانت من الحالات النادرة جداً ليوسف وهو يتحدث عن نفسه!. الشاهد أن أفراد الأمن الذين تولوا تعذيبه من أجل انتزاع أي معلومات تتعلق بحزبه وأجهزته وكوادره المختفيه وبعض الأسرار التنظيمية والادارية الأخرى، فلم يتوصلوا لشئ، وفي نهاية الأمر صاغوا تقريراً لنافع علي نافع مدير جهاز أمن النظام وقتها أشاروا فيه إلى أن الرجل لم يستجب مطلقاً لما طالبوه به من معلومات لا سلباً ولا إيجاباً، فتركوه لحال سبيله، معترفين ببطولته النادرة التي احتمل فيها بجلد كل ذلك التعذيب الذي وقع عليه، وهو ربما يكون فيه تبريراً لعدم اعتقال الراحل فيما بعد إلا لفترات محدودة وقصيرة!، وقد كانت أكثر جزئيات إفاداته حول واقعة تعذيبه غرابة وعجباً هي حضور نافع علي نافع (حفل الشواء) الآدمي الذي كان تعذيبه يتم في أجوائه، حيث كان نافع يتابع التعذيب بغبطة وسرور!.
* كلفني وقتها فرعنا فرعنا بهنغاريا لملازمته والاشراف على إقامته، وبهذه الصفة تقربت منه أكثر، لأكتشف ما جعلني أراجع إنطباعاتي السابقة عنه حينما رأيته لأول مرة بمكتبه في مديرية الخرطوم، فيما يخص ما خرجت به من أن (الزميل) متغطرس ومتعالي، حيث اكتشفت إنساناً بالغ الرقة والظرافة، وأن خلف شخصيته تقبع خصال أخرى من القدرة على المؤانسة وخفة الظل والتهكم غير الضار، عكس ما كنت أعتقده بأنه شخصية بمحمولات دم من الوزن الثقيل!.
* وهكذا ظللت متقرباً أكثر لحسين طيلة الفترة التي مكث فيها معنا والتي امتدت لبضع أسابيع، فتنزهنا سوياً وطفت معه معالم العاصمة بودابست وجمالها الفائق الذي جعلها تحمل لقب (عروس الدانوب)، تسكعنا وساهرنا وتآنسنا وتحاورنا فأصبح بالنسبة لي أحد أقرب الأصدقاء الذين استمتع أيما استمتاع بالعديد من موضوعاته وونساته الشيقة، وأذكر حين عملي معه فيما بعد في صحيفة الميدان التي كان أحد من أقنعوني بان أعمل فيها والتعاون مع هيئة تحريرها إضافة لمهامنا الحزبية المشتركة معاً أن اصطفاني وأصبح يخصني برائق الموضوعات والطرائف التي كان يرويها لي بمتعة مشتركة.
* أعطى يوسف إنطباعاً لدى قطاع عريض من الزملاء أعضاء الحزب وبعض المعارف، أنه شخص جاف وناشف في التعامل مع الآخر، حدثني الصديق بروف محمد المهدي بشرى أنه فى سنوات النظام المايوي ويوسف مختبئ عند أحد الزملاء، ذهب لزيارة ذلك الصديق فوجد معه يوسف الذي لم يكن بشرى يعرفه، فسلم عليه بشكل عادي باعتباره ضيفاً على ذلك الزميل الذي تداول معه موضوعاً يتعلق بصحيفة الميدان السرية وقتها، وفيما بعد عرف من ذاك الزميل أن من كان متواجداً معه هو يوسف حسين وأنه قرر الانتقال من منزله ذاك مفضلاً تغييره إلى أي منزل آخر ليس لأي سبب سوى أن الزميل سمح بأن يناقشة مهدي بشرى حول الميدان السرية في حضوره!. والواقع أن شخصية الرجل تحمل بالفعل ملامح الصرامة والجدة والمبدئية في كثير من القضايا والمواقف والموضوعات، وأنه عند بعض الحالات يبدو شرساً وصعب المراس، لا يقبل بالفوضى والتسيب والاهمال، خاصة فيما يتعلق بالتراخي و إهمال إنجاز التكليفات الحزبية والمهام التنظيمية، وعرف عنه قلة الكلام والثرثرة التي لا لزوم لها والزائد من المتن والحواشي عند الكتابة أو المشافهة، ينفذ لمعالجة الموضوعات بمباشرة ودون تعقيد أو تقعير، فتراه يساهم في الحلول دونما مشقة كالسهل الممتنع، الذي يترك انطباعاً بالادهاش كون أن ما توصل إليه قد فات على الآخرين مع أنه كان في متناول اليد!.
* ولكنه من الجانب الآخر وكما سبق وأن أشرنا أعلاه يملك صفاة نادرة من الرقة واللطافة والظرافة المدهشة، وفي ذلك يكمن سر امتلاكه للعديد من الصداقات المختلفة في الحزب بين زملائه وفي حيه ونادي البحراوي وبين الجيران وأهل حيه بالدناقلة شمال.
* يا ريت أركز لكم قليلاً لأنقل لكم ظرف الرجل بنماذج قد تبين أكثر أنه يملك في واقع الأمر شخصية جديرة بأن تكون فاكهة مجالس للانس والأخوانيات.
* ففي أولى سنوات إختفائه مع آخرين من قيادات وكوادر الحزب في أعقاب الهجوم الضاري على الحزب، إثر فشل انقلاب 19 يوليو عام 1971، حدث وأن يوسف كان يستقل عربة تاكسي هي عبارة عن طرحة وليس كطلب (بمعنى أنها تحمل خمسة ركاب دفعة واحدة لتكون وجهتها مكاناً مشتركاً لهؤلاء الركاب وقد توقفت هذه الخدمة مع نهايات الثمانينات مع أنها اقتصادياً تناسب هذه الفترة تماماً!) وتصادف أن استقل معه د. عبد الله علي إبراهيم نفس الطرحة، وكان أيضاً ضمن المختفين، الراحل يوسف كان يجلس بالمقعد الأمامي وأستاذنا عبد الله كان بالمقعد الخلفي، أخذ عبد الله يثرثر حول موضوعات ما كان ينبغي التطرق لها في ظل ظروف استثنائية لكادرين حزبيين مختفين عن الأنظار، كان عبد الله يواصل ثرثرته بينما يوسف قابعاً في مقعده الأمامي وكأن الأمر لا يعنيه بشئ وهو في صمته المعهود ذاك!، وعندما زادت (طربقة) عبد الله، أوقف يوسف التاكسي في مكان معين وترجل عنه بعادية شديدة وكأنه وصل لمشواره، وبعد أن حاسب صاحب التاكسي إنحنى على نافذة العربة الخلفية التي كان يجلس بقربها عبد الله وهمس له قائلاً:ـ العمة اللابسا فوق راسك دي كان مفروض تلفها حول خشمك) ثم غادر لحال سبيله!.
* الحكاية الثانية كنت أستقل معه سيارته البيضاء المتواضعة بالمقعد الخلفي بينما العم محمد عمر الكابتن بالمقعد الأمامي، وأثناء استمتاعنا بأغنيات الحقيبة التي كان يوسف يحرص على الاستماع إليها في عربته بواسة تسجيل الكيتروني مدمج، توقفت العربة نتيجة لزحمة الطريق بشارع المك نمر وبدأت تزحف زحفاً ضمن صف طويل من العربات، في الأثناء حضر أحد باعة الخردوات الذين يعج بهم شارع المك نمر وهو يحمل (قبعات) فسأله الكابتن عن سعرها، فوجدها البائع فرصة ليبيع الكابتن واحدة منها كصيد ثمين وقع له في طريقه كعادة وإلحاح أؤلئك الباعة، فبدأ في مفاصلته حتى وصل معه لسعر مغري جداً للسلعة، إلا أن الكابتن رفض الشراء وأوضح له قائلاً :ـ يا ولدي أنا أصلو ما عاوز أشتري، بس سألتك ساكت لأنو الشارع واقف، أشتري كسكتة أعمل بيها شنو؟ فقال له البائع – في محاولة لكسبه كزبون – : تلبسا يا حاج في (راسك)، هنا وبسرعة بديهته وتهكمه رد يوسف حسين قائلاً للبائع بذاك الهدوء والسمت المتأني:ـ هو لو عندو (راس) كان سألك من تمن الكسكتة؟!.
* الثالثة ذهبت إليه في أيامه الأخيرة وهو بمكتبه، مقترحاً عليه منحنا (تعليقاً) كتصريح لصحيفة الميدان حول المرسوم الذي كان قد أصدره الفريق أول عبد الفتاح برهان بخصوص اللجنة التي شكلها صباح ذلك اليوم كما ورد بالأخبار والخاصة بمعالجة وضع الحركات المسلحة، وبعد أن استمع لي بذاك الهدوء – ويبدو أن أوجاعاً حول كتفه ورقبته قد عاودته بشدة ضمن الأمراض التي بدأ يحس بها واضطرته الاستشفاء بمستشفى تقى التخصصي بأم درمان ومن هناك غادر، رد علي قائلا:ـ طيب ،، حسع أنا مع مرسوم برهان ده ،، وجع رقبتي دي (أعلقو) في رقبة منو؟!.
* الأخيرة كنت معه بغرفته بمستشفى تقى قبل يوم واحد من مغادرته، وحدث أن رافقه حفيدة أيمن عبد الرؤوف إلى الحمام المرفق، وكان أيمن ملازماً له طيلة فترة مكوثه بالمستشفى، عند عودته من الحمام وقبل أن يعود مستلقياً على سريره لاحظت أن الملاءة غير مستوية على مرتبة السرير، فبدأت في معالجتها بينما الراحل يقف بقربي متكئاً على حفيده، ويبدو أنه لم يحتمل الوقوف طويلاً وكان في عجلة من أمره ليستلقي سريعاً على السرير، فانتهرني قائلاً :ـ يا حسن البتعمل فيهو ده ما عندو أي أهمية حسع!.
* كان عن حق صارم القسمات وحي الشعور ،، صارم القسمات وصافي البسمات ،، صارم القسمات وأخو أخوان في الملمات، كان ينشغل بألم الآخر حتى لو عندو شوية صداع!، رجل متواضع في حياته الخاصة والعامة ،، عاش على الكفاف وتنفس برئة حزبه وشعبه ووطنه، وفي شأن كفاف عيشة هل التقيتم بشخص يختصر وجباته اليومية معتمداً على كباية شاي حمراء وقطعتين من بسكويت مفضلاً كسب الوقت لانجاز واجباته الحزبية التي أمامه من إضاعته في البحث أو إعداد وجبة دسمة تقيم أوده! ،، لقد إفتقدت برحيله صديقاً حسن المودة للأبد ،، فرحم الله يوسفاً ويا للأسى والأسف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الصورة المرفقة للراحل وهو يقف على اليسار ضمن بعض زملاء الدراسة بجامعة الخرطوم أوائل ستيننات القرن الماضي ويظهر معه كل من عثمان جعفر النصيري أحد رواد المسرح الجامعي وقتها والمهندس هاشم محمد أحمد الكادر المهني بالسكة حديد
وداعا المناضل يوسف حسين .. تاج السر عثمان :
نودع الزميل المناضل يوسف حسين الذي رحل عن دنيانا صباح الخميس 4 يوليو 2019م بعد حياة حافلة ومفعمة بالنضال ونكران الذات من اجل الحزب والوطن ورفعة شعبنا.بمزيد من الحزن والأسى.
كرّس المناضل يوسف حياته بثبات وعزيمة لا تلين لها قناة، من اجل الحزب والوطن، وظل ثابتا وراسخا رغم العواصف وتقلبات الحالة عنيفها وناعمها. منذ طفولته اهتم بقضايا الكادحين، ولا غرو انه انحدر من اسرة عمالية، حيث كان والده يعمل عاملا في مصلحة الوابورات بالخرطوم بحري، التي ولد فيها عام 1938م، وتلقى تعليمه الابتدائي والاوسط بها بعدها التحق بمدرسة خورطقت الثانوية التي واصل فيها نضاله السياسي والنقابي وتم انتخابه في اتحاد الطلاب عام 1957م وقتها وكان نضال الحركة الجماهيرية مستعرا ضد حكومة السيدين، وضد المعونة الامريكية التي تفقد البلاد استقلالها. وقانون الطوارئ ..الخ.
وكان اضراب طلاب خور طقت الشهير، والذي ادى لفصل لجنة الاتحاد من المدرسة ، بعد فصله واصل يوسف دراسته، والتحق بجامعة الخرطوم، حيث واصل نشاطه في الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، وساهم في النضال ضد الديكتاتورية العسكرية الأولى، وكان عضوا في اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وتعرض ايضا للفصل السياسي، حتى قيام ثورة اكتوبر 1964م.
ورغم نشاطه السياسي الكثيف، الا انه كان مبرزا اكاديميا، مما دحض دعاية الادارة الاستعمارية بان النشاط السياسي يتعارض مع الدراسة والاهتمام بالاكاديميات.بعد تخرجه في كلية العلوم(جيولوجيا) عمل لفترة بسيطة بمصلحة المساحة وبعدها لم يتردد في التفرغ للحزب، وظل متفرغا حتى رحيله، عمل يوسف باخلاص وجدية في كل المسؤوليات التي اوكلت له مثل: العمل الاداري للجنة المركزية، مكتب طلاب الجامعات والمعاهد العليا، ومكتب التعليم الحزبي، ومناطق مثل: الجزيرة ، سنار، سنجة، الخرطوم..الخ كان يوسف رمزا للثبات والدفاع عن وحدة الحزب والالتزام برأي الاغلبية والاحتفاظ برأيه والدفاع عنه باستقامة، وظل مع وحدة الحزب في كل المعارك والصراعات الداخلية التي خاضها الحزب، بعد ردة يوليو 1971م تم ضمه للجنة المركزية، بعد الانقسام واستشهاد قادة الحزب “عبدالخالق والشفيع، وقرنق) ،الضربة الكبيرة باستشهاد قادة انقلاب 19 يوليو وتشريد واعتقال الالاف من الشيوعيين والديمقراطيين، كان يوسف من الذين اختفوا وجمعوا الحزب بعد 22 يوليو 1971 وكان مسؤولا عن لجنة العمل التنظيمي”مكتب التنظيم المركزي حاليا” وتعرض للاعتقال لسنوات طويلة في سجون نظام الديكتاتور نميري حتى تم اسقاطه في انتفاضة ابريل 1985م وحررته الانتفاضة مع زملائه من المعتقل.بعد انتفاضة ابريل 1985م عمل سكرتيرا سياسيا لمديرية الخرطوم، اضافة لعمله في سكرتارية اللجنة المركزية وفي لجنة التقرير السياسي للتحضير للمؤتمر الخامس بعد قرار اللجنة المركزية في اكتوبر 1985م بالتحضير للمؤتمر الخامس وتم تكوين لجان المؤتمر ولجنة للعيد الاربعين للحزب ولكن انقلاب 30 يونيو قطع الطريق امام التحضير للمؤتمر.وبعد الانقلاب الدموي في 30 يونيو اختفى يوسف وساهم في تجميع الحزب واستمرار نشاطه وتعرض للسجن لسنوات طويلة وتعذيب وحشي في بيوت الاشباح التي لخص تجربتها في كتاب عن التعذيب، وكان رمزا للصمود والثبات.بل كان من الذين علموا الجبل الثبات، بعد المناقشة العامة التي فتحها الحزب حول متغيرات العصر في اوائل تسعينيات القرن الماضي، ساهم فيها يوسف بنشاط في الكتابة لمجلة “الشيوعي” حول تكتيكات الحزب (العدد 158) ومجلة قضايا سودانية التي كان يصدرها الحزب في الخارج وكان يكتب باسم “حسن تاج السر” وكان عضوا في لجنة تسيير المناقشة العامة التي كونها الحزب ضمن لجان التحضير للمؤتمر الخامس في دورة اللجنة المركزية في ديسمبر 1997م وساهم مع اللجنة في تلخيص حصيلة المناقشة التي استمرت 14 عاما في خمسة كتب صدرت لعضوية الحزب كما ساهم في لجنة التقرير السياسي “للمؤتمر الخامس” حتى تمت اجازته من اللجنة المركزية وناقشه المؤتمر الخامس واجازه بعد الملاحظات والاضافات وتم نشره مع البرنامج والدستور المجازان في المؤتمر الخامس في كتاب.كما عمل يوسف في لجنة الاتصالات السياسية وناطقا رسميا للحزب، وتم انتخابه عضوا في اللجنة المركزية للمؤتمر الخامس، وتمت اعادة انتخابه ايضا في المؤتمر السادس عضوا في اللجنة المركزية.اهتم يوسف بالعمل الفكري والنظري، رغم نشاطه العملي والسياسي الكثيف وكانت له كتابات راتبة في صحيفة “الميدان” العلنية والسرية وفي مجلة “الشيوعي” التي تصدرها اللجنة المركزية حيث عمل مسؤولا عن هيئة تحريرها قبل المؤتمر الخامس.وكانت له مؤلفات صدر منها ثورات الربيع العربي، ونظرية الحزب الشيوعي، ومؤلفات اخرى لم تنشر. متابعة أعماله ونشرها، كما اهتم يوسف بالشعر والادب الشعبي.
رغم صرامة يوسف ومبدئيته فيما يعتقد انه الحق الا انه كان انسانا رقيقا، وصبورا، لا يعرف الشكوى واليأس، وكان انسانا بحق كما يقول الشاعر:
هين تستخفه بسمة الطفل الغرير قويا يصارع الاجيالا
حاسر الرأس عند كل جمال مستشف من كل شئ جمالا
وكان حاضر الطرفة ويحب الاطفال حبا جما وكانت دائما جيوبه ملأى بالحلوى، يقدمها للاطفال الذين يلتقون به، كان قليل الكلام كثير الافعال، يتحدث فيما يعلم، وفي الموضوع المحدد، وكانت له القدرة على تلخيص عشرات الاوراق في سطور قليلة، لقد كان حقا ركيزة مهمة في الحزب الشيوعي وكما يقولون:
الموت تقاد في كفه جواهر، يختار منها الجياد.رغم نشاطه الكثيف السياسي والحزبي الا انه كانت له علاقات اجتماعية واسعة في الحي وفي نادي الاتحاد، ومحافظا على الارتباط الاسري. رحم الله الاستاذ/ يوسف الذي ختم حياته بكل ما هو جميل وانساني، وظل متفرغا وعضوا باللجنة المركزية حتى رحيله العزاء لاسرته وابنته سيدة وزوجته، ولكل الشيوعيين والديمقراطيين، ولجماهير شعبنا في هذا الفقد الجلل، والذي قلّ ما يجود به الزمان، وستظل ذكراه خالدة وباقية، وسيرته النضالية العطرة تنير الطريق للمناضلين، ومواصلة النضال لاستكمال مهام ـثورة ديسمبر 2018م حتى تحقيق اهدافها.
يوسف حسين من خلال مجايليه.. عبد القادر اسماعيل احمد :
بحي الوابرات بمدينة بحري وفي حلة الميري الشهيرة التي كانت تقع في المنطقة أسفل جسر المك نمر الحالي وفي العام 1938 ووسط أُسرة عمالية، ولد المناضل يوسف حسين محمد الأمين وانتقل بعدها مع اسرته للعيش في حي الدناقلة شمال العريق ببحري نفسها، وفي يوم الخميس 4 يوليو 2019م خرج سكان هذا الحي، وعائلة يوسف حسين وزملائه في الحزب الشيوعي والحركة السياسية السودانية وعارفي فضله لوداعه الأخير.
مسيرة الراحل يوسف حسين في هذه الدنيا كانت مسيرة حياة مليئة بالتجارب الإنسانية والنضالية الفريدة، وأثر كبير كان لهذا القائد الفذ على الحياة الداخلية والتنظيمية في حزبه وعلى مجمل الحياة السياسية السودانية، مرَّ فيها يوسف حسين عابراً في المراحل التعليمية بمدارس بحري الإبتدائية تلميذاً بها، ثم منها إلى مدرسة بحري الأميرية ثم إلى مدرسة خور طقت الثانوية ومنها إلى كلية العلوم بجامعة الخرطوم، وكان لكل خطوة خطاها يوسف حسين في هذا المشوار أثرها على تكوينه الثقافي وتقدمه الأكاديمي ووعيه بهموم وطنه وقضايا بلاده العامة، ولكل مرحلة فيها تجربتها التي أثرت في خيارته الحياتية.
من وقت باكر عرف يوسف حسين العمل السياسي، وخطى في دروبه منذ أن خاض وزملائه في مدرسة خور طقت الثانوية تجربة تكوين إتحاد طلاب للمدرسة في عمل سياسي طلابي سري، حظي بقبول أساتذتهم في المدرسة ولكن لظروف المرحلة تم تحويل جسمهم النقابي للجنة تعمل على تنظيم شئون الطعام وخدمات الطلاب بالمدرسة دون أن تكون هي إتحاداً للطلاب. ولم تقف إسهامات يوسف حسين في مدرسته الثانوية عند هذا الحد، بل نشط في العمل السياسي المعارض حتى فصل وعدد من زملائه من المدرسة.
كانت جامعة الخرطوم التي أهلته مقدراته بالرغم من الفصل السياسي والجلوس لإمتحان الشهادة السودانية من منزله، إلى ولوج كلية العلوم بها من باب التفوق الأكاديمي متحدياً كل تلك الظروف، إحدى أهم محطات تجربته السياسية قبل أن يرتقي في السلم القيادي للحزب الشيوعي السوداني ويتربع على أعلى هيئاته القيادية لأكثر من نصف قرن.
ولزملاء يوسف حسين وداخلية الرهد وفرع الحزب الشيوعي السوداني بالجامعة ومجالس إتحاداتها على مختلف اتجاهاتهم السياسية في النصف الأول من الستينيات زكرياتهم مع يوسف حسين القائد الطلابي، التي لم تخرج عن عناوين صمته المؤدب ودقته العالية وصرامته في العمل السياسي. مر يوسف حسين في تلك الفترة بتجربة الإعتقال االتحفظي للحد من نشاطه السياسي وسط طلاب جامعة الخرطوم التي كانت تشكل رأس الرمح في نضال السودانيين ضد الحكم العسكري الأول في السودان.
كفاءة يوسف حسين الأكاديمية وتفوقه الدراسي تشهد له بها قوائم الشرف بجامعة الخرطوم التي تخرج فيها من كلية العلوم ضمن أول المتخصصين في علم الجيولوجيا في السودان ضمن دفعة لا تتجاوز الستة طلاب، وفي وقت كان يمكنه فيه بموجب هذا التخصص النادر والدقيق أن يرتقي سريعاً في سلم الخدمة المدنية في السودان أو خارجه، زهد يوسف حسين في العمل والوظيفة بعد فترة قصيرة قضاها موظفاً في مصلحة المساحة، وذهب بعدها خلف قناعاته الفكرية والسياسية محترفاً للعمل السياسي في الحزب الشيوعي السوداني.
كما لرفاقه في دهاليز العمل السري للحزب الشيوعي السوداني إبان فترة ديكتاتورية وصراعها الدامي مع الحزب الشيوعي مابعد 1971م، قصصهم، ولهم معه من زكريات المنفى والإختفاء فصلاً يحكي بإعجاب عن صمود وقوة يوسف حسين على مبادئه أمام أعظم تحديات تلك الفترة العصيبة.
ومن زاملوا يوسف حسين في المعتقلات التي قضى بها سنوات عديدة سجين رأي وأسير قضية يحكون بشرف عن صموده وبسالته أمام كل ما تعرض له من ضغوط وتعذيب في ظل نظام مايو وفي سنوات بيوت الأشباح التي كتب يوسف حسين ونشر ماكتبه عن تجربته بها، وربما هو أول من أعطاها هذا الإصطلاح الذي يعبر ببلاغة عما كان يحدث لهم بداخلها، (بيوت الإشباح)، وله عنه مكتوب.
من أهم التجارب التي أهلت يوسف حسين للوصول إلى هرم القرار السياسي في الحزب الشيوعي السوداني هي عمله في أنشطة التحضير للمؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني في النصف الثاني من الستينيات، وطوافه على مختلف المدن والمناطق الحزبية في أنحاء واسعة من السودان مشاركاً في إعداد دراسة الواقع وتحليل المجتمع السوداني من الناحية الطبقية وحصر قضايا قطاعاته الاقتصادية ومناطقه المختلفة التي كان يعكف الحزب على إعدادها ما قبل المؤتمر الرابع، واجيزت من قبل عضويته لتصبح التتقرير السياسي للمؤتمر وأهم وثيقة سياسية صارت تحكم عمل الحزب إلى جانب برنامجه السياسي لأربعة عقود من الزمان.
كما أهلته أيضاً التجارب العديدة التي خاضها بحكم تفرغه للعمل السياسي مناضلاً في صفوف الحزب الشيوعي السوداني، في جبهات عمل متنوعة وبمناطق مختلفة من أقاليم ومدن السودان في سنجة وسنار والجزيرة وحلفا والخرطوم. صعد يوسف حسين إلى اللجنة المركزية للحزب في أعقد الظروف الأمنية وأكثرها خطورة على الحزب وكادره، وظل قائداً سياسياً نشطاً إلى جانب العديد من قادة الحزب الآخرين الذين تصدوا لتلك الظروف ببسالة تحفظها لهم الأجيال اللاحقة.وعادت عضوية الحزب الشيوعي السوداني وجددت ثقتها فيه في مؤتمر الحزب العام الخامس وانتخبه زملائه في اللجنة المركزية عضواً بالمكتب السياسي للحزب ومن ثم إلى سكرتارية لجنته المركزية، وعاد المؤتمر العام السادس للحزب ليجدد ثقته في يوسف حسين عضواً بلجنة الحزب المركزية. دقة الراحل يوسف حسين، إلتزامه الصارم برؤية حزب وموقفه من القضايا السياسية وتقديره الصحيح لوزن الكلمات وحركته الرزينة بين مترادفاتها إضافة إلى ثقة زملائه الكبيرة في أنه سيؤدي مهام هذا المنصب بالكفاءة المطلوبة وقناعتهم بأن المنصب يتطلب وجود من هو في إنضباط يوسف حسين، عمل فقيد الشعب والبلاد ناطقاً رسمياً باسم الحزب الشيوعي السوداني لسنوات. ميَّزَتْ مسيرة يوسف حسين في الحزب الشيوعي السوداني عدة سمات؛ إنضباطه ببرنامج الحزب، لائحته وقواعده المنظمة، خطه السياسي، سابق قرارته حول الموضوع المحدد دون أي مجاملة أو تسويف. وضوحه في كل مناقشاته للمسائل الحزبية والتنظيمية دون أي حسابات ربح أو خسارة غير ما يقوده إليه تحليله المعتمد على المنهج الماركسي وحيثيات ما هو متسق مع مصلحة الجماهير.عدم معرفته للمساومات ورأيه القاطع كالسيف، خاصة عندما يصل حزبه إلى بر القرار الجماعي المتسق مع ما يحكم حركة الحزب من متغيرات الحراك السياسي من وثائق وقرارات سابقة وحقائق واقعية.
نشاط قلمه، فمنذ أن وصل يوسف حسين هيئات الحزب القيادية لم يحضر اجتماعاً حزبياً محدد القضايا وواضح الأهداف، إلا وهو يحمل مساهمة مكتوبة، لا يفترض فيها الكمال ولا حتى صحة الرأي الذي يقدمه، ولا يرفض أي قرار جماعي يرفض وجهة نظره أو يعدلها غير عابئاً بما أنفقه فيها من وقت وجهد، فهو محترف وهذه هي وظيفته ومساهمات يوسف حسين المكتوبة إلى جانب سلامة النواحي المنهجية التي تحرص على أن تكون عليها، فقد إتسمت بالحرص الشديد على سلامة لغتها حتى ولو كانت رؤوس مواضيع لمجرد التذكر في الاجتماعات. حرص يوسف حسين على خروج الحزب موحداً في مناقشاته في كل القضايا المطروحة، الموقف الذي وضعه في خانة وحدة الحزب ضد جميع الإنقسامات التي طالت مسيرته السياسية والتنظيمية.
صمت يوسف حسين الذي يعرفه عنه الجميع ويعتبرونه أحد أهم صفات الراحل، لا تعرفه الاجتماعات الحزبية ولا المناقشات الفكرية، التي إن خاضها يوسف حسين أظهر براعة في الحديث، وعمقاً في الرؤى، وسعة في المعلومات، وحرص شديد على مواصلة الحديث حتى تكتمل وجهة نظره أو بقدر ما يسمح به وقت فرص المداخلة والنقاش داخل الاجتماعات. ويفقد الأستاذ يوسف حسين ما إتصف به من صمت مؤدب حال أخطأ من هو أمامه في إحدى مسائل اللغة العربية، وحين يخوض مناقشات في الشعر والتاريخ العربي، فقد كان الراحل يوسف حسين مثقفاً ثورياً يلم بالعديد من ثقافات شعوب بلاده ومجتمعاتها، مهتماً بالعديد من صنوف الأدب الشعبي من شعر وحكاية وأمثال سودانية من مختلف الثقافات، ويجيد توظيف التراث في خطابه وكتاباتاته. برحيل الأستاذ يوسف حسين يكون الحزب الشيوعي السوداني قد فقد أحد أهم أعمدة الحزب وركائزه القوية التي إمتد عطائها لعقود من الزمان، سيفتقد رفاقه في المركز العام للحزب طلته اليومية الملنزمة بتوقيت الثامنة صباحاً، وسيكون موحشاً تصفحهم للصحف اليومية وتبادل أخبار الشأن السياسي دون تعليقات يوسف حسين على قلتها، وقلة مشاركته في مثل هذه المناقشات لاتأتي لعدم مقدرته على ذلك، أو عدم رغبته فيه، وإنما لإلتزام إعتاده لسنوات بحكم عمله كمحترف سياسي يقضي بعدم إبداء الأراء خارج أطرها المحددة. ستفتقد صحافة الحزب الداخلية والخارجية اسهاماته المميزة، وستلتئم اللجنة المركزية للحزب في دورتها القادمة دون المداخلات المكتوبة والمركَّزة للأستاذ يوسف حسين حول ما يُطرح من أجندة.
لن يفتقد يوسف حسين زملائه في الحزب الشيوعي السوداني لوحدهم، ستفتقده اسرته الصغيرة وأهل بيته في الدناقلة شمال، وستفتقده عائلته الكبيرة، بل سيفتقده جميع سكان الحي الذين قضى يوسف حسين حياته التي تمتع فيها بحرية التواجد في منزله ووسط أهله غير سجين أو مختفي، بينهم، ويجمعون جميعاً على أنهم لم يسمعوا منه إطلاقاً وطيلة فترة إقامته معهم كلمة تغضب أو تحزن أحد الجيران أو المعارف.
سيفتقده أصدقائه على تربيزة (الكشتينة) التي يداوم عليها أغلب أمسيات الإسبوع بنادي الإتحاد البحراوي، ولن تخلو زكرياتهم عن ساخر تعليقاته أثناء قضاءه ذلك الوقت بينهم، وسيفتقد مزاق (لبان شِكْلِتْ الأبيض) الأطفال الذين كانوا يقابلونه في الطريق، وتبعث فيهم هديته البسيطة تلك مشاعر البهجة والسرور.
الا رحم الله الأستاذ يوسف حسين بقدر ما قدم لوطنه وشعبه، حزبه، مجتمع حلته واسرته من وقت وجهد وحب في صدق ونبل نادر.
أعدت هذه المادة عن الراحل يوسف حسين من خلال مقابلات تمت مع عدد من الذين زاملوه في مراحل ومواقع حياته المختلفة شملت: ابن إدريس محمد تابر / بدر علي/جعفر محمد جبريل إبراهيم / سليمان حامد / عبدالرحمن دريسة / عبدالمنعم محمد عطية / مرحوم محمد إدريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوسف حسين، حياة بكاملها منحها للحزب الشيوعى. جابر حسبن :
(للحقيقة وجهان/والثلج أسود) -درويش-
1: الواقعى. فجر الخميس 5/7/2019م، حوالى الرابعة صباحا، رحل عن عالمنا القائد الشيوعى الفذ يوسف حسين محمد الأمين بمستشفى (تقى) بأمدرمان. نعم، فى يوميات حياته كلها، فى تفرغه الكامل لمهام حزبه، فى الإختفاء بوعورته وقسوته، وفى العلن الجهير،جعل الخيالى هو الواقعى الأكيد. 56 عاما من سنوات حياته الخصبة جعلها فى خدمة الحزب، فى خدمة شعبه ووطنه وقضاياهم الجليلة لأجل الحرية والديمقراطية والسلام.
حياته،كلها، منذورة للمهام والواجبات الحزبية والنضالية، تلك الحياة، هى، جميعها، مكرسة لأجل الحياة، وحياته الشخصية عنده، هى جوهرة فى مكان القلب من ذلك الوعى الذى وجه حياته بكاملها، فكان يقولها:
نحن لا نعرف دربا غير هذا فى الحياة ومضى، مثلما يمضى شيوعى لتنفيذ مهمة
لربما كانت لتوزيع بيان أو جريدة ربما كانت قصيدة أنها دوما مهمة
ربما كانت صمودا فى الخنادق ربما كانت صعودا للمشانق أنها دوما مهمة.
كان قريبا، ومقربا من الشهيد عبد الخالق محجوب الذى رشحه للتفرغ الحزبى، فكان أن تفرغ تفرغا كاملا منذ العام 1965م، فور تخرجه فى جامعة الخرطوم حيث درس علم الجيلوجيا، متفوقا على دفعته، وحتى رحيله المفاجئ.
يوسف، برغم ما كان يبدو عليه من صرامة صلبة، كان هينا، مثلما غمام خفيف، عابرا تكاد لا تحس له جلبة بعيد عبوره. لطيفا حين تجالسه وتسامره لحظات سمره القليلة، عندما يكون قد فرغ، بالكاد، من واجباته ومهامه الحزبية (الكثيرة)، وهى، تلك الواجبات والمهام، عادة ما يضعها أعلى سلم مشغولياته، فى أعلى جدول اهتماماته اليومية. وحين يشغل حيزا سكنيا صغيرا يجعله مستقرا له أوقات اختفائه إبان عمله السرى، يكون وجوده لا تكاد تشعر بوطأته تلك الأسر الباسلة التى كانت تستضيفه لبعض الوقت بعيدا عن أعين الأمن التى لطالما طاردته وأحكمت على تحركاته الحصار. فمطالبه، لكى يكون فى الحياة، من مأكل ومشرب، عادة ما يمتنع عن عديدها، فيكتفى بالقليل الذى يقيم الأود، وأما (المكيفات) فلم يكن يهتم أو يفكر فيها مطلقا! بالطبع، أن عدم اكتراثه لتناول الغذاء من طعام وشراب فى مواقيتهما، سوف يؤثر، لاحقا، على صحته العامة وطاقاته الحيوية التى، لاشك، أن لها مطلوباتها الموجبة فى استمرار الحياة. هكذا، ولأجل هذا، صرنا نراه (نحيلا) يكاد يشف جلده لترى عظامه! فى ظنى، بدرجة تقارب اليقين عندى، أن أساس علته التى أودت به تعود، بالذات، إلى تلك (الحالة) التى جعلها، بإصرار عنيد، منهاجا فى حياته الخاصة. لا شك، أنه كان يعلم جيدا تلك الحالة التى هو عليها ومآلاتها، يعلمها كذلك رفاقه فى الحزب ومعارفه وأسرته أيضا. وللأسف العميق، أننا جميعنا، لم نتعامل حيالها بمسئولية وحرص وجدية، بالنظر إلى صحته وحياته نفسها، فأخذنا من عطائه وحياته الكثير الخصب ذو القيمة والجدوى، ولم نأبه لتداعى صحته وإعتلال جسده. ترى، هل
(قصرنا) فى حقه، أم، بالأحرى، فى حق أنفسنا فصرنا نتحمل وزر رحيله المفاجئ عنا؟
2: فى أوقات المذابح والحصار.
بعد مذابح الشجرة فى يوليو1971م، حين أعملت المشانق والرصاص ضد قادة الحزب الشيوعى ومناصروه من الديمقراطيين والمستقلين وأنصار الحريات، شرعت أجهزة الأمن والجيش الموالى للسفاح نميرى فى مطاردة كل تلك القوى الحية فى المجتمع، وإكتظت سجون البلاد بالمعتقلين السياسيين، وظللت سماوات السودان ظلام الديكتاتورية الأسود، فأصدرت السلطات منشورات مصحوبة بصور لقادة الحزب مطلوبون أحياء أو أموات، ل : نقد وسليمان حامد والجزولى سعيد ويوسف حسين وغيرهم. كانت المهمة المركزية، ذات الأولوية القصوى فى عمل الحزب وقتها، تأمين قادة الحزب وإعادة تجميع عضوية الحزب، من قاعدته إلى أعلى مستوياتها. فى ذلك الوقت العصيب، كنت أشغل مسكنا صغيرا من (الجالوص) بمنطقة برى الدرايسة، فى مواجهة الفضاء الساحلى الذى يشغله معرض الخرطوم الدولى الآن. يتكون المنزل من صالون وحيد فى مواجهته غرفة صغيرة مكدسة بالأثاث القديم نستعملها كحمام فنستعين عليه ب (طشت وجردل للماء)، أما المرحاض فكان عبارة عن حيز ضيق جدا بحفرة وبلا سقف أو باب! والحال كذلك، كنت قد كلفت بتأمين كل من: سليمان حامد ويوسف حسين والراحل فاروق ذكريا، كل منهم على حده ريثما يتم تأمين مقر أفضل لهم. منذ ثورة أكتوبر 1964م المجيدة، قادت العمل الجماهيرى بمناطق برى (القوى الأشتراكية بالبرارى) وبذرت، بوعى وإقتدار، بذور النضال وقيم الثورة الوطنية الديمقراطية فى وعى الجماهير، حتى غدت قوة جماهيرية كبرى فى مسيرة نضال شعبنا، تلك البذور، العفية والحية، تلك الروح الثورية الجسورة، هى التى أتت بالثوار(أسود البرارى) إلى ميدان الإعتصام وإلى صدارة ثورة ديسمبر الراهنة. لهذا، فى حمى مقاتل الشيوعيين تلك، ظلت دوريات الأمن المددجة بالسلاح، وبالدبابات والكلاشنكوف والدوشكا تجوب شوارع وأزقة البرارى، على إتساعها وتباعدها، تفتش وتترصد قادة الحزب يوسف حسين ورفاقه، ليلا ونهارا بلا إستثناء. فى ذلك المنزل الفقير الهادئ، المنزوى كوكر القنفذ، وفى فترات الإختفاء القاسية تلك، ظل يوسف، مثلما رفيقاه، سليمان وفاروق، هادئا بصورة مذهلة، يبدو مطمئنا لمآلات الأحداث التى ستلى تلك المجاذر الدموية. يغسل ملابسه ويكويها بنفسه، يستحم ويحلق ذقنه ويمشط شعره القليل غير الكثيف، يعد لنا الشاى والقهوة فيتناول منهما القليل أو غالبا لا يفعل، يقرأ بهدوء ثم يجاذبنا الحديث فى شأن الأحداث وعن شئون ومشاغل الحياة، كم كان يحدثنا عن المرأة فى حياتنا وعن الحب والشعر والأغانى، عن المسرح التاريخى عندنا، وعن تاريخ السودان الحديث، عن الزراعة والتعليم ومناهجه وعن الصحة، عن الثورة الوطنية الديمقراطية وضرورة بناء الحزب والحفاظ على وحدته وتماسكه. لم يكن له من شاغل فى الحياة، كما بدأ لى وقتذاك ومن بعد، إلا الحزب وقضايا الشعب والوطن، يحلم، بقدر سعة الأحلام وتساميها وروعتها، بأن يرى السودان حرا، ديمقراطيا يعمه السلام والحرية، تحت ظلال الدولة المدنية الكفيلة برعاية وصيانة تنوع شعوب السودان. بسبب من تلك القناعة، وذلك اليقين عنده، كان يخرج، تماما مثلما كان يفعل سليمان وفاروق، ليلا ، نظيفا وأنيقا، فيذهب راجلا لأداء واجب حزبى فى أطار خطط الحزب فى تلك المرحلة الخطرة من حياة الحزب، فيعود باسما وراضيا، كمن أتى أمرا جليلا يحوز على وعيه وواجباته، مشرقا بالحياة وبأمل الغد، تلك من مآثر أؤلئك السلالة المبجلة من قادة الحزب. تلك الفترة أيضا، أستطيع أن أقول، بإطمئنان وثقة، أننى قد لامست قلبه النبيل الرقيق، مما شجعنى لأن أخوض معه فى الأحاديث الشخصية جدا التى لا يستطيع العديدون من رفاقه أن يحادثونه بشأنها. فإنكسرت أمامى، وفى تعاملى معه من بعد، تلك الصرامة، ولربما تلك(الغلظة) التى تبدو عليه فى تصور عديدون عنه. كان، على قول إدريس جماع( هينا، تستخفه بسمة الطفل…)، وليوسف قصة لطيفة مع الأطفال الذين يصادفهم فى مساره الثورى، لكأنه يرى فى ملامحهم صورة السودان الجديد، مستقبل الوطن، سلامه وحريته وديمقراطيته، تلك الملامح التى رأها يوما توفيق زياد فى عيون الجزولى سعيد وهما، معا، على ضفاف الفولجا:
(إنني أذكر “عثمان” صديقي مرة عند رصيف النهر في موسكو،
تنزهنا سوية … ووقفنا فجأة عند سياج، صدمتنا طفلة كالمرمر المصقول
تصطاد فراشة … فإذا “عثمان” يبكي أو يكاد إنني أذكر ما قاله آخر جملة،
قال لي:” أسمع … إنني أعطي حياتي كلها… حتي أري السودان يبني من جديد !)…
صوته كان عميقا وجريحا وسعيد )…
لربما، تتمكن يوما، الأستاذة نعمات أحمد أن تكتب عن الأطفال فى حياة يوسف، ستزيل تلك الكتابة لا شك، قدرا كثيرا عن صورة (الصرامة) التى يقولها البعض عنه دون أن يعايشونه عن قرب، لربما.
3: عن عائلياته وشئونه الشخصية:
صحيج، ظل يوسف طوال حياته، يبتعد، بتصميم لا ينفد، عن الحديث عن عائلياته وشئونه الشخصية، فيسمح، فقط، بالحديث عن حياته الحزبية فى عمومياتها، وفى مسيرة نضاله فيما يتعلق بها بالشأن العام. فى لحظات وبرهات قليلة من عمره، كان يتناول، بتحفظ مقصود، شئونه الشخصية، وجعل ذلك لدى من إعتبرهم خلصاء وأحباب، سواء فى الوسط الحزبى أو من معارفه لدى أهله. وبرغم هذا(التحفظ المقصود) فقد ظلل محبوبا لكل من عرفه وعايشه ومحل تقدير واعجاب بسبب من سيرة حياته الفقيرة. كثيرون من رفاقه عدوه(راهبا) متبتلا فى محراب الحزب العلمانى، و(زاهدا) مثلما زهادة المتصوفة فى الحياة. وكلاهما، لم يجانبا الصواب فيما يخصه، فلديه غير قليل من تلك الصفات. ومن المعلوم، أن لدى صاحب تلك الصفات شيئا من اللطف والرقة وإستحسان البهجة والفرح فى مواضعهما.
فى العهد الديمقراطى الثانى، حوالى العام1987م، بعد الإنتفاضة، كنت، وقتذاك، بكسلا، حين هاتفنى ليخبرنى بأنه قد تزوج، هكذا دون أن أعلم أو أشاركه فرحه، وأنه قادم لكسلا لتمضية (شهر العسل) معى! سعدت بقراره هذا، وكنت أعلم أنه لن يقدم على الزواج إلا فى الديمقراطية، ولكنى، لدواعى أعلمها عنده أنه لن يجعل من طقوس زواجه، أن تكون مهرجانا كبيرا تحفه مظاهر الترف غير المحمود حسب رؤيته وقناعاته، فذلك شأنا خاصا لا يجوز أن يكون شاغلا للناس! تزوج يوسف من الأساذة نعمات أحمد حسن العطا، أبنة أبن أخت الشهيد هاشم العطا، وأنجبا، لاحقا إبنتهما الوحيدة (سيدة). قضوا معنا نحو أسبوع بمنزلنا بحى العمال بكسلا. تلك الفترة، كانت، هى أيضا، التى أتاحت لى قربا حميما منه، من قلبه وروحه ورؤاه. كنت أجالسه ساعات عديدة نكاد لا نكف فيها عن الحديث، حديثا لطيفا وعميقا فى كل شئ تقريبا، حد أن أكرر عليه كثيرا، بإلحاح مستمر، أن يذهب عنى لعروسه، لكنه كان يصرفنى عن ذلك بتغيير وجهة الحديث إلى ما هو أهم، إلى الشأن العام وشئون الحزب. كنت أحس أنه سعيدا بزواجه، فقد استطاع، أخيرا، أن يفرغ من تلك (المهمة) التى، وذلك كان ظنه، من شأنها أن تعوق مسار نضاله الذى هو مسار حياته نفسها. لربما بسبب من ذلك كله كان يرفض اقتراحاتى عليهما أن نذهب فى جولة بالعربة إلى السواقى وبعضا من منتزهات كسلا، فكان يرفض متعللا بأنه لا داعى لكل ذلك، فعلناها مرتين أو ثلاث، حتى أنه كم طلب منى، برجاء لا يمكن أن اتغاضى عنه، أن لا أخبر الرفاق بحضوره لكسلا، فلا داعى لذلك كما كان يقول ويكرر! والحال كذلك، فقد أقتصرت فترة بقاءه معنا على تمضيتها فى المنزل، يقرأ فى معظم الأوقات أو نكون فى الحوار وفى الحديث العام. يوسف لم يكن غريبا عن المدينة وأهلها، فقد كان يأتيها كثيرا فى مهمات حزبية، وتلك أيضا، أوقاتا كانت تجمعنا معه فنجالسه عندما يفرغ من واجباته الحزبية، لكنه، أتى للمدينة حوالى ثلاث مرات معتقلا فى سجن كسلا العمومى وبقى فيه سنوات عديدة جعلته عارفا بتفاصيل دقيقة عن مبنى السجن وتفاصيل أقسامه كلها وأدارته، وله فيه، حتى يوم رحيله، معارف وصلات ظل حفيا بها وحريصا على استمرارها. وليت العميد سجون عوض حمد، الذى كان مديرا لسجن كسلا وقتذاك، يكتب عن معرفته بيوسف وعن فترات اعتقاله تلك، فلديه الكثير من الصفات النبيلة والمواقف الشجاعة التى رأها وعايشها عند يوسف فى ظروف الإعتقال.
4: اللقاء الأخير:
كان ذلك يوم 21/أكتوبر/2017م، حين أتى يوسف مدنى برفقة صديق أبو فواز رئيس (حشد) الوحدوى، ممثلين لقوى الاجماع الوطنى لمخاطبة إحتفالية مدنى بذكرى ثورة أكتوبر المجيدة. وكانت (الميدان) قد قامت بتغطية شاملة للأمسية نشرتها فى حينها. بعد الفراغ من تلك الأمسية، ذهبت برفقتهما إلى منزلى ليقضيا ليلتهما معى. بدأ لى يوسف، تلك الليلة، مثل غطاء مطروح على السرير، نحيلا وضامرا، متعبا، تكاد ترى كم هو متعب ومرهق، لم ينام سريعا، وأحسسته غير راغبا فى الحديث، قال بأنه يود أن يحاول النوم لربما يأتيه، رفض العشاء، ألححت عليه لتناول كوبا من اللبن أو العصير فرفض، ذكر أنه لا يحس به جوعا، فأكتفى بالماء. تلك الليلة، وعند الصباح وأنا أودعهما، ظللت قلقا على صحته، لم أكن مطمئنا بشأن حالته العامة، وكنت سألته أن كان يشكو من شئ، فنفى عنه ذلك وأكتفى بالقول(أنا تمام). لم أراه بعد ذلك، إلا عبر مهاتفات قصيرة جلها تتعلق بعمله الحزبى، وخلالها ظللت، كل مرة، أستفسره عن صحته، فلا يزيد عن أن يجيبنى (تماااام). وبسبب من قلقى، ظللت غير مصدق لهذه ال(تمااام)، لكأنه كان يخفى ما يعلمه عن صحته، ولا يخشى موتا يأتيه فى أى وقت وأن تعددت أسبابه.
اللقاء الشخصى الأخير بيننا، كان نهار الأثنين 16/7/2018م بمكتبه بالمركز العام للحزب بالخرطوم حين ذهبت إليه برفقة الأستاذ تاج الأصفياء عثمان سعد تلبية لموعد حددناه معه لإقامة حوار معه يحكى فيه عن ذكرياته الحزبية والإنسانية التى سبق وجمعته بالشهيد عبد الخالق محجوب، تلك الذكريات التى سنضمنها محتويات مخطوطة كتابنا الذى نسعى لإصداره عند إكتمال عملنا فيه.
فى ذلك اللقاء، بدأ لكلينا، التاج وأنا، أنه على قدر عال من الحيوية، فظل يحكى
بترتيب ودقة عن (ذكرياته) ومواقفه مع الشهيد عبد الخالق. وقتها، لم أشعر أنه يخفى آلاما أو مشاكل صحية عنا، فظل يدلى بشهادته عبر ذاكرة حية متقدة وبتفاصيل دقيقة لكأنها قد حدثت بالأمس. لاحظنا، معا أيضا، أنه كان لطيفا وودودا جدا معنا طوال الساعات الثلاث لوقت اللقاء، ثم أخذنا خارج مكتبه ليقدمنا لمن اخترناهم ليحدثونا عن مآثر الشهيد عبد الخالق. من بعد ذلك اللقاء الهام، لم ألتقيه إلا عبر الهاتف، وكان مخططا أن نلتقى للإعداد لعمل حزبى تحت اشرافه، ظللت أترقب ذلك اللقاء، وذلك العمل، حتى إندلعت شرارات ثورة ديسمبر وتواترت مساراتها صوب الإنتصار وتحقيق أهدافها فى أحد أهم وأعظم شعاراتها(حرية سلام وعدالة). لعله، وقد داهمته العلة، كان يراقب أخبار الثورة من على سرير المرض، مبتسما وبه شيئا غير قليل من الرضا. ترى، هل كان راضيا عن الرحيل فى زمن الثورة وهى فى صيرورة إنتصارها؟
5: لا نودعه، هذا الإنسان الشيوعى الفريد:
يوسف حسين، دعنى الآن أقول إليك:
لقد ولدت، يوم ولدت… خلف واجهة السماء أكلت قليلا قليلا، ضحكت وحلمت
عشت مثل الظل تسعى للضوء والضياء ثم أريتنا كيف نتغنى بالشمس بالشمس كلها، تلك التى تتنفس فى كل صدر وفى كل العيون كم علمتنا كيف نلقى بحزم الظلام إلى النار ونحطم أقفال الظلم الصدئة ألم تقل:
الثورة حاضرة والثوار حاضرون ومقبلون لا يخافون، لأنهم واثقون بالشعوب وأن الطغاة زائلون.
وأنت يارفيقنا لم تمت، (وهل يموت من كان يحيا كأن الحياة أبد)
العزاء لأسرته الصغيرة، لنعمات وسيدة لعطا وأهله، للحزب وللرفاق، لمعارفه وتلاميذه الكثر فى مدرسة الحزب والنضال، وللشعب السودانى الذى وهبه حياته كلها، وستظل تلك الصفحات من سيرة حياته مصانة فى كتاب تاريخنا الوطنى. يوسف حسين، كن فى الخلود يا حبيبنا، ومعنا فى الحياة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يوسف حسين، الجبل ليس له ضجيج* المنصور جعفر:
بعد ان أشهر الشعب قوته الضاربة في 30 يونيو 2019 وطأطأت الكواسر والضباع رؤوسها ان للبطل الرفيق يوسف حسين مغادرة هذه الحياة.أسهم الرفيق يوسف حسين إسهام الأبطال في القضاء على ثلاثة عهود عسكرية لتحكم نظام السوق وتماسيح السوق في حياة الشعب السوداني.
تسلح بالوعي وانتظم به ونظم آلاف النضالات التي شملت مع أسهامه في تنظيم الحزب الشيوعي تنظيم كثير من الأنشطة الديموقراطية بكل معاني الكلمة، في مجال المنظمات والروابط الإشتراكية، وفي مجال الجمعيات التعاونية، وفي النشاطات الثقافية والاعلامية، وفي العمل السياسي بما فيه من أفكار واختلافات وتوافقات، وعمل مكتبي، ووثائق تأسيس، برامج عمل، وتنظيمات رأسية وأفقية، وعضوية، وإجتماعات علنية واجتماعات أخرى سرية، محاضر وتقارير، وبيانات، ندوات، تحالفات، منشورات، مطالب، مذكرات، عرائض ومواكب، وتظاهرات وإضرابات واعتصامات. وما بين هذه وتلك من جهود وتضحيات، وتحمل اساءات واعتقالات وتعذيب وسجون. لا مبالغة أن في خضم كل نضال جمعي شهده السودان، كان للحزب الشيوعي والرفيق يوسف حسين في قلب آلته التنظيمية إسهام من يدرس أكثر ويعمل أكثر وينظم أكثر، ويضحي أكثر، ثم يعف عند المغنم.
وقف الرفيق يوسف حسين بصلابة ضد الإمبريالية والإستعمار، وكان من أوائل المنتبهين لخطورة الإرث الإستعماري في تكوين الدولة وتأثير سياستها وتكوينها الإداري في توزيع موارد المجتمع وفرص التنمية، وفي هذا السياق الوطني اهتم بمصمون الأدب السياسي الذي صاغ بعضه في الخمسينيات الرفيق الراحل الأستاذ حسن الطاهر زروق، أول نائب برلماني للشيوعيين في أول برلمان للسودان، وبذلك الأدب المتجدد، وبرفضه آنذاك تحكم الإستعمار في تجارة وتمويل السودان، أنتبه الرفيق الراحل يوسف حسين الى طبيعة ترابط الإستغلال والتهميش في فترات ما بعد الإستقلال والصلة العضوية فيها بين طبيعة التمويل الدولي للتنمية الرأسمالية، ونموء حالة التفاوت الطبقي والتفاوت بين الأقاليم. لمع إسم الرفيق الراحل يوسف حسين بعد خروجه للعمل السياسي العلني في عام 1985بعد كسر الشكل العسكري الثاني لتحكم السوق العالمي والداخلي في حياة الشعب السوداني، حيث واجه الرفيق الراحل مع الشعب ثلاثة قضايا: 1- قضية المعيشة والحريات النقابية،
2- قضية الحرب والسلام،
3-قضية الديموقراطية المناسبة لحل هاتين القضيتين.
ربطت الظروف الحل الإصلاحي لقضايا المعيشة بالحقوق الإجتماعية والنقابية للكادحين وحرية التقابات في المطالبة بالإصلاحات الضرورية لشؤون العاملين والعمل، بينما أرتبط حل قضية الحرب والسلام بتقسيم عادل لفرص التنمية ومقاليد تنظيمها في/بين أقاليم السودان. وارتبط تحقيق هذين الحلين بضرورة تطوير التمثيل البرلماني (الليبرالي) بتحقيق تمثيل برلماني مباشر لقوى العمل ومجتمعات العمل العام. بالصورة التي يتوافق عليها “المؤتمر القومي الدستوري” لكل فئات المجتمع السوداني السياسية والنقابية والعسكرية إلخ، وهو المؤتمر الذي كانت التوقعات تشير إلى عقده في يوليو 1989 لولا حدوث الانقلاب العسكري الثالث وقبام الجبهة الإسلامية لطفيليي السوق بقطع طريق تقدم الشعب. بصلادة ورسوخ يهز الجبال واجه الرفيق الراحل يوسف حسين مع بقية قادة العمل النقابي والسياسي الموجة الأولى من ويلات القمع والحرب والفساد، وانتصروا للشعب أيما إنتصار بتعالبهم على آلامهم وآلام أسرهم، حتى خجلت منهم البسالة، وقد درحوا بها الإنقلاب الإسلامي من مرحلة القوة والبطش الدموي وأنزلوه إلى مرحلة السياسة ومنها لمرحلة الإنقسام.
في نشاطه وفي “المناقشة العامة” لوجود وفاعلية الحزب الشيوعي السوداني تصدى الرفيق الراحل يوسف حسين لنزعات الاستالينية المتمثلة في تأجيل الجزء القاعدي من الديموقراطية المركزية، وانتقد الرفيق يوسف لت وعجن البيروفراطية والتنظير، واهتم بتحقيق ترقية متكاملة كل مقومات التنظيم بمقرطة العلاقة الجدلية بين الانضباط والمرونة على اساس دراسة الواقع وطبيعة معالمه الحية، كذلك وكد الرفيق الراحل على أهمية القوام الطبقي والتنوع الإقليمي لنشاط الحزب وإثراءهم الأسس الوطنية للديموقراطية والأسس الديموقراطية للعمل الوطني. كانت كثير من التظاهرات والانتفاضات والحركات المطلبية والحركات المدنية التي شهدها السودان في فترتي التسعينيات والألفينات وكذلك تنظيمات العمل المدني والحقوقي خارج السودان، نشاطات وثيقة الارتباط بنشاط الكثيرين، لكن لعل أكثرهم صمتاً وتدبيراً وعملاً ومتابعة لانتظامها أو ضعفها وجهداً لتنميتها كان الرفيق الراحل يوسف حسين.مع جولات “الإيقاد” واتفاقات “ماشكوس” و”نيفاشا” تصدى الرفيق الراحل يوسف حسين بشكل حكيم لتياري الانتهازية، السوداني منهما والأجنبي، حيث وضح طبيعة النفع الذاتي لتحركات بعض عناصر وزعماء القوى الرجعية في الشمال، واشياههم في الجنوب، وكشف طبيعة نشاطات الحصار واغراءات فك الحصار الخارجي وكون الارتباط بها استجارة من الرمضاء بالنار.
العزاء للسودان في بطل صنديد أضاء مع الآخرين وعي الشعب والوطن بقضية التنظيم وقضية التهميش.
كان أنصع من النهار وأروى من النيل، ترتيبه أحد من السيف وكلامه أهدأ من الصمت، وسكوته بليغ، الجبل لا يتكلم وليس له كالطبول ضجيج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
#وداعاً صديقي يوسف حسين – صوفي الوطنية السودانية الزاهد.. عبد المنعم خليفة:
كم عزَ عليَ وأحزنني رحيل صديقي الوفي النبيل صوفي الوطنية السودانية الزاهد – المهندس يوسف حسين – عليه رحمة الله ومغفرته ورضوانه تزخر السيرة الوضاءة للراحل العزيز بفيض من الدروس الملهمة والباقية، متجسدة في ما تتضمنه من عطاء وطني غير محدود، وبسالة واحترام وثبات وصمود، وعمل متواصل ودؤوب من أجل رفعة الوطن وتقدمه، وصبر وقوة احتمال فولاذية للشدائد والقساوات.هي سيرة مثالية حقاً، وجديرة بأن يوثق لها توثيقاً كافياً، حيث أنها ترقى إلى مستويات الذرى التاريخية السامقة في جميع هذه الميادين.ولشد ما يحز في نفسي أن ظروفاً قاسية حالت دون أن أسعد بلقاءات ودودة وحميمة مع صديقي الراحل العزيز، مثل تلك التي كانت تجمع بيننا في بواكير الصبا والشباب في سنوات الدراسة الثانوية والجامعية. لقاءات كنت أرنو إليها بأمل وشغف، علها تنعش الروح وتروى الظمأ بالذكريات العذبة والفواحة بأريج الوطنية، والمتسمة بالتطلع الوثاب لإرساء قيم الخير والجمال والاشتراكية والعدالة الاجتماعية في وطننا.
حرمتنا من مثل تلك اللقاءات الأثيرة إلى نفوسنا، ظروف الغربة عن الوطن بسبب (الصالح العام)، وظروف السنوات، بل والعقود العديدة، التي قضاها الراحل العزيز خلف الأسوار، أو تحت الأرض حفراً بالأظافر، مستمدا العزم من نفس أبية تشع رضاءً وحبوراً ومسرة.شهدت ثانوية خورطقت الفيحاء بداية صداقتنا التي أينعت وازدهرت وترسخت جذورها فيما بعد لتوفر لنا سعادة حقيقية نتفيأ ظلالها. جمعت بيننا في تلك السنوات الزاهية الرؤى الفتية الحالمة بمستقبل زاهر لبلادنا التي كانت تخطو نحو تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية بدرجة عالية من العزيمة والتفاؤل والثقة. كما جمع بيننا التطلع لأن ننهل من ينابيع الوعي الجديد على ضوء النجيمات البعيدة.ومما وثق من عرى صداقتنا، الاهتمامات الأدبية المشتركة، بمشاركة نخبة من أدباء خورطقت آنذاك، أذكر منهم الشعراء: صافي الدين حامد البشير، ومحمد المكي إبراهيم، والأديب المبدع علي خليفة مهدي، والمثقف المستنير محمد سليمان. وكان الراحل العزيز رئيساً لتحرير صحيفة (أراء) الجدارية، الني كانت تزدان بكلمة المحرر التي يدبجها، وبالشعر الرصين والموضوعات الفكرية الثرية. كما وحدت بيننا عضوية اتحاد الطلاب، التي كانت محصلتها النهائية الفصل النهائي لكلينا، لنشق طريقنا إلى مدارس المؤتمر والأحفاد، اللتين هما ثمرة جهود مؤتمر الخريجين والتجار الوطنيين الرامية لدعم التعليم الأهلي. ولقد عرف عن الراحل العزيز تفوقه الدراسي. فرغم فصله من خورطقت وهو في السنة الثالثة (وليس الرابعة)، إلا أنه نجح في تحقيق نتيجة باهرة في امتحان شهادة لندن (والتي كانت تسمى آنذاك شهادة أكسفورد) ويتم الجلوس لها في (مدرسة كمبوني). فقد أحرز يوسف حسين درجة الامتياز (A) في المواد التسع التي جلس لها.
مرة أخرى جمعني مع الراحل العزيز العمل الطلابي في جامعة الخرطوم، والمشاركة في أعمال المجلس الأربعيني ولجنة اتحاد الطلاب، والذي كانت أجندته حافلة بالمهام ذات الطبيعة القومية على الساحة الوطنية، وأنشطة التضامن مع حركات التحرر الوطني الإفريقية والعربية. ومن بين أبرز الأنشطة التي أضطلعت بها لجنة الاتحاد التي كان رئيسها آنذاك يوسف حسين، (بالاشتراك مع لجنة اتحاد طلاب المعهد الفني)، تسليم المذكرة التاريخية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في الثامن من نوفمبر 1961، والتي تضمنت المطالبة برجوع الجيش إلى الثكنات لتأدية مهامه الأصلية، وعودة الحكم الديمقراطي المدني. كانت نتيجة تلك الخطوة الجسورة استضافة لجنتي الاتحادين لمدة أربعة أشهر في زنازين البحريات بكوبر العتيد. وكان من مزايا تلك الصحبة محدودة المكان أنها مثلت فترة خصبة في تاريخ صداقتنا، حيث مكنت جذورها من أن تمتد إلى غور أرض الوطن، وأفرعها إلى عنان سمائه. كما أتاحت كذلك فرصة فريدة للتعرف عن قرب على العديد من جوانب شخصية ذلك الإنسان المتميز بالهدوء والتهذيب والأدب الجم. كان يتحدث بصوت خفيض النبرات، ويعبر عن ما يريد بعبارات فصيحة ومحددة وموجزة، مما يعكس قدراً عالياً من القناعة والثقة التي يتمتع بها. كذلك تميزالراحل العزيز بتوازن ذهني ونفسي ملحوظ، بعيداً عن الإثارة والاستثارة؛ مما جعل بعض الأصدقاء يطلقون عليه لقب (الرجل الذي لا يندهش)!وإن كنت قد جنحت إلى إبراز بعض الجوانب المتعلقة بعلاقتي وصداقتي الشخصية مع الراحل العزيز، إلا أنني أرى أن الراحل العزيز يوسف حسين – عليه الرحمة – أوفى لوطنه كأمثل ما يكون الوفاء، وأعطى لشعبه كأجزل ما يكون البذل والعطاء.. كل ذلك بتجرد كامل ونكران ذات ودون ضجيج أو إدعاء زائف، بل بصمت مدهش من (رجل لا يندهش ) رحم الله صديق الصبا والشباب أخي يوسف حسين وأحسن إليه.. العزاء لأسرته ورفاقه وأصدقائه ولشعب السودان، الذي نذر عمره كله من أجل رفعته وتقدمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوسف حسين: وهتفتُ ليتك لا تزال .. ياسر عرمان :
رحل يوسف حسين، كما عاش، دون بهرجة وضوضاء وقشور، رحل (تاج السر) الذي احتفظ بالسر، وكافة الأسرار في أقبية التعذيب وسنوات السجن والقهر الطويلة، محتفظاً بأسرار مساهمته العميقة في بناء الحركة الجماهيرية منذ أن كان طالبا، شارك يوسف من مواقع القيادة في ثلاث ثورات؛ ١٩٦٤-١٩٨٥-٢٠١٩، والحركة الجماهيرية ارتوت من حبّات عرق يوسف حسين ومن التزامه القاطع، ولم يبخل عليها بعمره، شبابه وشيخوخته (والدُّجى يشربُ من ضوء النجيمات البعيدة) كما عبّر تاج السر الآخر. وفي الثلاث ثورات كان يوسف حسين مِلء السمع والبصر، لم يهزمه المرض وسنوات العمر وتقلبات الحياة السياسية، حمل كل ذلك فوق ظهره، وأبداً لم ينحنِ، ومشى باستقامة قلّ نظيرُها، وأتقن حرفة النمل والصبر على المكارهـ والأخلاق عالية الجودة والزهد، وقد ضرب بالدنيا عرض الحائط، وتحلى بشجاعة نادرة، وحينما زاره الموت من بلاده البعيدة والقريبة أيضاً استقبله بثبات بعد أن أكمل مشاركته في ثلاث ثورات.رحل يوسف حسين، مأسوفاً عليه، وخلّف أسىً وحزناً ودمعة، عند عارفي قدره وفضله، وهو بحق أيقونة المنظمين الثوريين وقديسهم في محراب الشعب، يوسف حسين كان من الذين هزموا مشانق نميري وسجونَه، وبيوت أشباح الإنقاذ، وحتى رمقه الأخير لم يبدل تبديلاً.يوسف حسين كان ولا يزال بطلاً من أبطالٍ شخصيين بالنسبة لي، وكان يستحق جنازة وطنية، فهو ربما كان صاحب أفضل صفات شخصية في العمل السياسي المعاصر، والأطول قامةً في العزوف عن بهارج الدنيا (كان جمل شيل بشد الحيل) وكان توقيتُ رحيله بعد الثورة من ابتسامات الحياة له، فقد التقى للمرة الثالثة بأهازيج الشباب والنساء ورأى هزيمة الإنقاذ، وهو صاحب سهمٍ ونصيبٍ كبيرين في هزيمتها. لقد أدى واجبه كاملاً، فالمعاني العميقة لحياة يوسف حسين وقدرته على التضحية تظل درساً لشباب اليوم، ولقد كان بحق أستاذاً لا يضاهى من أساتذة جيلنا، في صدق الانتماء وأخلاقيات العمل السياسي. لقد كان لي شرف التعرف عليه، ولقد أسعدني بأن مقالتي عنه بعنوان “لو ولد يوسف حسين قبل مائة عام لكان وليّاً يزار” قد إطّلع عليها قبل أن يرحل، وذكر لي صديق عزيز، طلبتُ منه أن يتأكد تسلّمه تلك المقالة، قال بتواضعه الجم والمعتاد: “هذه المقالة وصلتني من أكثر من شخص، أنا لا استاهل كل ذلك، كان على فلان أن يكتب عن موضوعات أهم”.عند زيارتي الأخيرة للخرطوم لم يسقط يوسف حسين سهواً، فقد طلبتُ من صديقين أن أقوم بزيارته، لم يتحقق ذلك بسبب اعتقالنا وابعادنا، ثم رحل هو، ولا زلتُ أهتف ليتك لاتزال. سأعود للكتابة عنه مرةً أخرى. فكما كانت إسكندرية كمان وكمان، فيوسف حسين كمان وكمان وكمان.