وعلى الأقباط السَّلام [1] .. بقلم/ كمال الجزولي
23 أغسطس, 2015
كمال الجزولي, منبر الرأي
80 زيارة
بَيْنَ غطاسِ حَنَّا وبَرَكاتِ وَدَّ الأرباب
(مَبْحَثٌ حَوْلَ دَوْرِ المَسِيحِيَّةِ السُّودانيَّة فِي دَعْمِ الوُحْدَة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإهداء: إلى روح صديقي سمير جرجـس، شيخ قبيلة الأقباط السُّـودانيِّين، بمناسبة الذِّكرى العَاشِرةِ لرَحيلِهِ، فقد ظلَّ ينافِحُ بالإظفر والنَّاب، عن كلِّ ما يجمع ويوحِّد، جَاهَدَ الجِّهادَ الحَسَنَ، أكمَلَ السَّعيَ، حفِظَ الإيمانَ، وأَخيراً .. وُضِعَ له إكليلُ البِرِّ!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السَّلام هو موئل الأديان والجَّوهر المشترك بين رسالاتها كمـا فـي نموذجـي الإسـلام والمسيحيَّة النُّصوص المقدَّسة لا تشتغل إلا عبر التَّركيبة الذِّهنيَّة والنَّفسيَّة التي تعكس قناعات المؤمنين وتصوُّراتهم عن الذَّات والآخر! ظلَّ التَّسامح والتَّثاقف الطبيعيَّين يشكِّلان عنصرَي غلبة في علاقات المسلمين والمسيحيِّين مِمَّا يجدر تسليط حزم كثيفة من الضَّوء عليه برغم الضَّجيج العالي للعوامل السَّالبة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
يكاد الإسلام والمسيحيَّة*، مثلهما مثل الأديان كافة، يتقاربان، بوجه عام، حدَّالتَّطابق أحياناً، في ما يتصل بمنظومة قيم “السَّلام” وما إليها من فضائل. وقدتكفي نظرة، ولو عجلى، إلى تعاليم هاتين الدِّيانتين، على هذا الصَّعيد، لملاحظة المعنى المشـترك بين القرآن الكريم، حيث يتَّخذ الحقُّ عـزَّ وجلَّ “السَّـلام” اسماً له: “هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السَّـلام” (الحشـر؛ 23)، وبين الكتاب المقـدَّس حـيث “الله هو إله السَّلام .. منه السَّلام وإليه السَّلام وبه السَّلام”. وكذا لملاحظة النسب الرُّوحي الوثيق بين “السَّلام” و”العمل الصَّالح” و”العدالة الاجتماعيَّة” في الحديث الشَّريف: “ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به” ـ رواه الطبراني عن أنس بن مالك (رض) ـ أو في قـول عمـر بن الخـطاب (رض): “ولانا الله عـلى الأمَّـة لنسدَّ لهم جوعتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم”، وبين المواعظ الكنسيَّة التي تحضُّ على فضيلة “ألا يجوع واحد فينا بينما الآخر يتخم من الشَّبع .. ولا ينام أحدنا وهو جائع أو مظلوم”. كذلك بين قوله تعالى: “ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمَّة ونجعلهم الوارثين” (5 ؛ القصص)، وبين بشارة الكتاب المقدَّس: “طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض”. وأيضاً بين تشديد التَّعاليم الكنسيَّة على أن “السَّلام” يعطى سعادة كاملة تكمن في عدالة التَّوزيع، والرِّضا، وتشديد التَّعاليم القرآنيَّة على “العدالة الاجتماعيَّة” كأحد أهـمِّ مقاصـد الإسلام الكـليَّة، ومن ذلـك إدراجها “الإنفـاق”، كوسـيلة لإعـادة توزيـع الثَّروة، ضمن عناصر “التَّقوى”، والمساواة بينه وبين “الإيمان” و”الصَّلاة” كما في قوله: “ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتَّقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصَّلاة ومِمَّا رزقناهم ينفقون” (2 ـ 3 ؛ البقرة). وأيضاً جَعْـلُ هذا “الإنفاق” من وجوه “الخير” التي يُجزى عليها، بقوله: “يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السَّبيل وما تفعـلون من خـير فإن الله به عليم” (215 ؛ البقرة). وكذلك المطابقة بين المفهومين القرآنيَّين لـ “الخير” و”العمل الصالح” في قوله: “والباقيات الصَّالحات خير عند ربِّك ثواباً وخير أملاً” (46 ؛ الكهف)، وفى تفسير القرطبي عن ابن عباس أن “الباقيات الصَّالحات” هنَّ كلُّ “عمـل صالح” من قول أو فعل.
“السَّلام”، إذن، بجذره الضَّارب في أعمق قيم “الخير” و”العمل الصَّالح” و”العدالةالاجتماعيَّة”، هو موئل الأديان، والجَّوهر المشترك بين تعاليمها وأهدافها، كما قدرأينا في نموذجي الإسلام والمسيحيَّة.
(2)
على صعيد آخر، ومع التَّسليم بإعلاء الإسلام لفضيلة العفو والصُّفح، وحضِّالمسيحيَّة على “إدارة الخدِّ الأيسر”، فإن هذه القيم ذات الصِّلة الوثيقة بـ “السَّلام”لا تتحقَّق بغير استيفاء أشراطها واستحقاقاتها الموضوعيَّة. فـ “العفو”، فيالإسلام، لا يكون فضيلة إلا بعد توفُّر شرط “الاقتدار” على نقيضه، وتلك هي دلالة”العفو عند المقدرة”. وفي المسيحيَّة أيضاً يطرح القسُّ الجنوبأفريقي ديزموند توتوفهماً عصريَّاً لفضيلة “الصُّفح” المسيحيَّة بما أسهم به، ضمن مشروع “الحقيقة والمصالحة”، في اجتراح معالجة الجِّراح النَّاجمة عن التَّعانف المتطاول في ذلكالبلد، استلهاماً لروح الكتاب المقدَّس. فالشَّرط الأساسي لذلك المشروع هو حصول الضَّحايا على اعترافات واعتذارات صريحة وعلنيَّة من جلاديهم، في ما يشبه طقس “التَّطهُّر الكنسي”، أو ما يستوفي، في الإسلام شرط تعديل المواقف، بحيث يصبح الضَّحايا في وضعيَّة “القدرة” على أخذ جلاديهم باعترافاتهم، فتنفتح الأبواب على مصاريعها لاحتمالات العفو، حين تطيب النفوس المكدودة، ويسكن الألم النَّابح، ولا تتبقى سوى الموعظة التَّاريخيَّة كضمانة لعدم تكرار ذلك مستقبلاً. ومن نافلة القولأن الجَّلاد الذي يرفض الاعتراف لا يعود أمامه سوى المثول أمام المحكمة، في دولةيُفترض فيها احترام القضاء المستقل، كي ينهض حكم القسط، وفق هذا النَّمط الكلاسيكي من الانتصاف، على ساقيه، وتأخذ العدالة مجراها. وهكذا، فإن “السَّلام” ، في الدِّيانتين، لا يكون، قط، حقيقيَّاً، ولا مستداماً، بغير توفُّرأهمِّ أشراطه واستحقاقاته، والتي هي أبعد ما تكون عن مجرَّد “التَّسليم” المجَّانيبالأمر الواقع!
(3)
وبما أن “السَّلام” يمثِّل، بطبيعته، علاقات صراع اجتماعي، وأن التَّعاليم المقدَّسة لاتشتغل، عمليَّاً، في مستوى هذه العلاقات، إلا من خلال التَّركيبة الذِّهنيَّة والنَّفسيَّةالتي تفرز قناعات المؤمنين وتصوُّراتهم عن الذَّات والآخر، وفق معطيات الظرفالتَّاريخي، الاقتصادي السِّياسي، والاجتماعي الثقافي المحدَّد، فإنه لا يكفى، لفهموتقييم موقف هذه المجموعة الدِّينيَّة أو تلك من قضية “السَّلام”، محض الاقتصارعلى اجترار النُّصوص، على ما لها من قيمة استثنائيَّة، بل لا غنى عن مقاربة هذاالدَّور من مداخل أخرى أوثق صلة بالقناعات والتَّصوُّرات التي يشكِّلها المؤمنونأنفسهم من خلال علاقات صراعهم الاجتماعي، وهي، بلا شكٍّ، مداخل سوسيو ـثقافية بطبيعتها.
(4)
ولدى ذكر “المجموعات المسيحيَّة” السُّودانيَّة قد ينصرف الذِّهن إلى الطوائف الثَّلاث: الكاثوليكيَّة، صاحبة الكنيسة الأقدم، والبروتستانتيَّة أو الأنجيليكانيَّةَّ، ثم القبطيَّة الأرثوذكسيَّة. ولثلاثتها وجود في الشَّمال، وفي الوسط، وفي جبال النُّوبا، مع تمركز الثِّقل الأساسي للكاثوليكيَّة في الجَّنوب “سابقاً”. كذلك قد ينصرف الذِّهن إلى كيانات النَّشاط الاجتماعي المؤسَّسي للمسيحيِّين، خصوصاً الأقباط، كالنَّادي القبطي، والمكتبة القبطيَّة، وجمعيَّات أصدقاء الكتاب المقدَّس، وما إلى ذلك. على أنه، برغم كلِّ ما يمكن رصده من اختلافات وخصائص مائزة لهذه الطوائف والكيانات بين بعضها البعض، أو بينها وبين طوائف وكيانات المسلمين، وبرغم كلِّ ما كتب وقيل، وما قد يكتب ويقال، عن أدوار سياسيَّة سالبة لبعض المبشِّرين الأجانب، وأشهرهم تاريخيَّاً سلاطين وأهولدر اللذان بقيا، سنين عدداً، في أسر الدَّولة المهديَّة، أو عن مراراتٍ رتَّبتها، على صعيد علاقات المسلمين والمسيحيِّين،استراتيجيَّات الإدارة الاسـتعماريَّة (1898م ـ 1954م)، أو أخـطاء الحكـمالوطـني، سـواء فـي دولة الخـليفة (1885م ـ 1898م)، أو الدَّولة الوطنيَّة الحديثةبعد الاستقلال السِّياسي منذ 1956م، فإن أهمَّ ما يهمُّنا، هنا، ليس اجترارالجَّوانب السَّالبة في الذَّاكرة التَّاريخيَّة لهذه العلاقات، على أهميَّة استبصار ذلكلأغراض حسن الاعتبار، وإنما التَّأكيد على، وإبراز، الجَّوانب الإيجابيَّة التي يفترض إصلاح البناء الوطني تأسيساً عليها، واستشرافاً لمستقبل مأمول منالتَّعايش، والتَّساكن، على قيم ومبادئ السَّلام، والمساواة، والمواطنة، والمشاركة،والدِّيموقراطيَّة، والحريَّات، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعيَّة. ولئن كانت “الوحدة الوطنيَّة” هي الفضاء الذي يفترض أن تشتغل فيه كل هذه القيموالمبادئ، فإن أحوج ما نحتاجه الآن هو نفض الغبار عن المشترك الدَّاعم لعناصرهذه “الوحدة” في الوعي الاجتماعي، وفي العقل الباطن الجَّمعي. ذلك أننا، وبرغمإكثارنا من الحديث عن “الوحدة في التَّنوُّع”، و”التَّنوُّع في الوحدة”، نتحمَّل كامل المسؤوليَّة، خصوصاً جماعتنا المستعربة المسلمة ضمن منظومة تعدُّدنا السُّوداني،عن “تمكين” التَّيَّار “السُّلطوي” وسط هذه الجَّماعة، والذي لطالما استعلى، وما زاليستعلي، بالدِّين، والثَّقافة، واللغة، والعرق، وما ينفكُّ ينبش عن “الفروق”، لا بغرضالوعي المشروع بـ “التَّمايز الثَّقافي”، كقيمة في حدِّ ذاته، بل، للأسف، بغرض دعمالنَّزعة “الاستعلائيَّة الحربيَّة”، وما تستتبع من ردود أفعال سالبة تراوح ما بين العلوِّوالخفوت، من أوَّل اللواذ بالبندقيَّة إلى آخر الانكماش، والتَّراجع، والانسحاب منالحياة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، بل ومن الوطن نفسه، مِمَّا ظللنا نشهد، بوجه مخصوص، في عقابيل صدور قوانين سبتمبر عام 1983م، ثمَّ، بالأخصِّ، عقبانقلاب الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة في الثَّلاثين من يونيو عام 1989م، وذلك ضمنكابوس عدم الاطمئنان بالوطن الذي ترتَّبت عليه موجات متلاطمـة من هجـرةالدياسـبورا إلى صـقيع المنافـي الاخـتياريَّة! لذا، وفى سبيل الإضاءة المطلوبة، الآن، وبإلحاح أكثر من أيِّ وقت مضى، لكلِّ مامن شأنه أن “يجمع”، لا أن “يفرِّق”، وأن يدفع بالمجموعات المسيحيَّة، على وجهالخصوص، لانتزاع حقِّها، إن لم نقل استعادة دورها، في المبادأة بالفعلالاجتماعي والسِّياسي الإيجابي، فإن من واجبنا، علاوة على إبراز التَّوافق بينالقيم المشتركة في الإسلام والمسيحيَّة، أن نمهِّد أيضاً لمداخل مرغوب فيها علىطريق إعادة الاعتبار لحقائق في الثَّقافة والاجتماع في بلادنا، مِمَّا يستحقُّ المقاربة، تأسيساً على فرضيَّة تؤكد أن المجموعات المسيحيَّة ظلت تلعب دوراً مهمَّاًلا غنى عنه، بل ورياديَّاً أحياناً، في ترسيخ “السَّلام”، ودعم “الوحدة”، وتبيئة “التَّساكن” الإيجابي، وأن التَّسامح ظلَّ يشكل دائماً عنصرَ غلبة في علاقاتالمسلمين والمسيحيِّين، مثلما ظلَّ النُّزوع إلى التَّثاقف الطبيعي بمثابة رمَّانة الميزان في هذه العلاقات، الأمر الذي يجدر تسليط حزم كثيفة من الضوء عليه، برغمالضَّجيج العالي للعوامل السَّالبة، كون ذلك هو الأبقى، والأرسخ، والأكثر وثوقاً فيتشكيل بنية الوعي الاجتماعي، والأقوى تأثيراً، من ثمَّ، على نسيج “السَّلام”المستدام و”الوحدة الوطنيَّة” المأمولة، خصوصاً بالنِّسبة للأجيال القادمة، وأنه لا مآلبدون ذلك، في رأينا، غير الاستسلام لسحائب من اليأس المتراكم بعضه فوق بعض،كقطع الليل البهيم.
الهامش:
* كانت هذه الورقة، في أصلها، مناقشة أوليَّة لورقة الأب فليوس ساوث فرج، كاهن كنيسة الشَّهيدَين بالخرطوم، بنفس العنوان، أمام ورشة عمل “المنتدى المدني القومي” بالنادي العائلي بالخرطوم، بين 22 ـ 23 ديسمبر 2003م، حول “تحدِّيات السَّلام في السَّودان”.
(نواصل)