وعيٌ يصنع الممكن: كيف نقرأ السودان في مرآة التغيير الصعب؟

قراءة نقدية مقارنة في ضوء كتاب Switch: How to Change Things When Change Is Hard

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو

عطفاً على سلسلة المقالات التي ابتدرتها بمقالي الموسوم «طيّ الوعي: السودان بين محاولة التغييب واستعادة البصيرة»، لفت انتباهي مولانا أحمد عمر إلى كتاب Switch: How to Change Things When Change Is Hard، وأهداني نسخة منه لقراءتها في سياق البحث عن مدخلٍ منهجي لاستعادة البصيرة. وفي ما يلي قراءة أولية لهذا العمل، لا باعتباره دليلاً إجرائياً جاهزاً، بل بوصفه إطاراً تفسيرياً يمكن من خلاله إعادة النظر في إشكالية الوعي والتغيير في الحالة السودانية.

ليس العنوان الذي ننطلق منه هنا ترفاً لغوياً، بل هو مقاربة مفاهيمية مكتملة: الوعي يصنع الممكن. فالممكن لا يتولد من معطيات الواقع وحدها، بل من كيفية إدراك هذا الواقع وإعادة بنائه ذهنياً وقيمياً. حين يضمر الوعي أو يتشظى، ينغلق الأفق مهما اتسعت الموارد، وحين ينتظم ويتماسك، ينفتح الممكن حتى في أكثر اللحظات تعقيداً. من هذا المنظور، تصبح قراءة السودان في “مرآة التغيير الصعب” محاولة لفهم كيف تعيق بنية الوعي نفسها إمكانات التحول، لا مجرد رصد تعثرات الواقع.

يقدّم كتاب Switch تصوراً تحليلياً للتغيير يقوم على ثلاثية دقيقة: توجيه العقل، وتحفيز العاطفة، وتهيئة البيئة، عبر استعارة “الفارس والفيل والطريق”. فالعقل، بوصفه الفارس، يحتاج إلى وضوح في الاتجاه حتى لا يضل المسار؛ والعاطفة، بوصفها الفيل، تحتاج إلى دافع يحركها ويمنحها طاقة الاستمرار؛ أما البيئة، فهي الطريق الذي ينبغي أن يُعاد تصميمه بحيث يدعم السلوك المرغوب ويقلل من كلفة الالتزام به. غير أن القيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن في بساطته التفسيرية، بل في قابليته لإعادة القراءة في سياقات مركبة، حيث لا يكون الخلل جزئياً بل بنيوياً، كما هو الحال في السودان.

في السياق السوداني، لا تبدو “صعوبة التغيير” مجرد مقاومة سلوكية، بل حالة مركبة من اختلال التوازن بين عناصر التغيير الثلاثة. فالعقل الجمعي يعاني من تعددية غير مُدارة في الرؤى، تفتقر إلى مرجعية جامعة تُحدد الاتجاه. والعاطفة الجمعية مثقلة بإرث من الصراعات والانكسارات، ما يجعلها تميل إلى التوجس أو الانفجار بدل أن تتحول إلى قوة بناءة. أما البيئة، بمؤسساتها وأنساقها التعليمية والإعلامية، فهي لا تعين على التغيير بقدر ما تعيد إنتاج أنماط التفكير ذاتها. في هذا التشابك، يصبح التغيير معطلاً في بنيته، لا في أدواته فحسب.

وتتجلى ذروة هذا التعقيد في ما يمكن تسميته بلحظة حرب أبريل 2023 في السودان، التي لم تضف مجرد أزمة جديدة، بل أعادت تشكيل المشهد برمته على نحوٍ أكثر التباساً وانسداداً. فقد دفعت هذه الحرب بالحالة السودانية إلى مستوى أعلى من “الحالة الصعبة”، حيث لم يعد التغيير متعسراً فقط، بل بدا في نظر كثيرين مستحيلاً. لم يكن ذلك نتيجة العنف وحده، بل نتيجة ما أنتجه من تشظي في السرديات؛ إذ لم يعد هناك توصيف واحد للحرب، ولا اتفاق على أسبابها، ولا حتى تصور مشترك لمخارجها. تعددت الروايات، وتعارضت التفسيرات، وتباينت الحلول إلى حدّ التنافي، الأمر الذي عمّق من ارتباك “الفارس”، وأربك “الفيل”، ودمّر “الطريق” في آنٍ واحد.

في ظل هذا الانسداد، يتضاعف خطر الوقوع في وهم العجز الكلي، حيث يبدو المستقبل مغلقاً، ويُختزل الفعل العام في مجرد ردود أفعال متفرقة. غير أن المنهج الذي يقترحه كتاب Switch يفتح، رغم ذلك، نافذة مختلفة للتفكير، عبر فكرة “النقاط المضيئة”، أي البحث عمّا يعمل داخل هذا الظلام الكثيف، لا بوصفه استثناءً عابراً، بل كدليل على إمكانية كامنة يمكن البناء عليها. وهنا تبرز الحاجة المنهجية، لا النفسية فحسب، إلى استعادة تلك اللحظات التي أثبت فيها المجتمع قدرته على تجاوز الانقسام وصناعة المعنى.

وفي هذا السياق، تظل ثورة ديسمبر المثال الأبرز على هذه “النقطة المضيئة”، لا لأنها نجحت سياسياً على نحو كامل، بل لأنها كشفت عن إمكانية تشكّل وعي جمعي متماسك في ظرف بالغ التعقيد. لقد مثلت تلك الثورة لحظة نادرة من الاتساق بين عناصر التغيير؛ حيث تبلور “الفارس” في شعارات محددة عبّرت عن إجماع قيمي: الحرية، السلام، العدالة، وهي شعارات لم تكن مجرد أدوات تعبئة، بل تجليات لوعي استطاع أن يحدد وجهته بوضوح. وفي الوقت ذاته، تحولت العاطفة الجمعية إلى قوة دافعة، تجاوزت الخوف إلى الفعل التضامني، بما منح الحراك طاقة استثنائية. أما “الطريق”، فقد أعيد تشكيله مؤقتاً، حيث تحولت الفضاءات العامة إلى مساحات لإنتاج الوعي، لا مجرد مواقع للاحتجاج.

غير أن القراءة النقدية لهذه التجربة لا تقف عند حدود استعادتها بوصفها لحظة مضيئة، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة شروط عدم استدامتها. فقد كشفت ثورة ديسمبر أن الوعي يمكن أن يتشكل بسرعة حين تتوافر شروطه، لكنه لا يستمر ما لم يتحول إلى بنية مؤسسية وقيمية قادرة على إعادة إنتاجه. وهذا ما يجعل استلهامها اليوم، في ظل تعقيدات ما بعد حرب أبريل، ضرورة منهجية، لا حنيناً سياسياً. فهي لا تقدم حلاً جاهزاً، لكنها تقدم نموذجاً لكيفية تشكّل الوعي الذي يجعل الحل ممكناً.

من هنا، فإن استدعاء فكرة “النقطة المضيئة” في الحالة السودانية لا يعني البحث عن أمثلة ناجحة فحسب، بل إعادة بناء منهج التفكير ذاته: الانتقال من تضخيم التعقيد إلى تفكيكه، ومن استهلاك الأزمة إلى إنتاج البدائل. فالمشكلة لم تعد في غياب الرغبة في التغيير، بل في غياب الإطار الذي ينظم هذه الرغبة ويوجهها.

وعليه، فإن الإشكالية المركزية التي يطرحها هذا المقال يمكن تلخيصها في أن السودان لا يفتقر إلى لحظات الوعي، بل إلى القدرة على تحويل هذه اللحظات إلى مسار مستدام. وهنا تتجلى الفكرة الحاكمة: الممكن ليس ما تسمح به الظروف، بل ما يسمح به الوعي.

في لحظةٍ يبلغ فيها الانسداد أقصاه، لا يُصنع الخروج بتبدّل الوقائع وحده، بل بإعادة تشكيل الوعي الذي يعيد قراءتها وترتيبها؛ فالتعقيد حين يكتمل يفتح، paradoxically، أفق التحول، وما يبدو نهايةً قد يكون بدايةً مؤجلة. من هنا، لا يكمن الرهان في كثرة المبادرات، بل في بناء وعي جمعي منظم يستلهم النقاط المضيئة—وفي مقدمتها ديسمبر—ويحوّلها إلى مسار مؤسسي متصل؛ عندها فقط لا يعود الممكن احتمالاً بعيداً، بل نتيجة حتمية لوعيٍ أدرك ذاته، وشرع في صناعة مستقبله

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

السلام المستدام بوصفه تحوّلاً في الوعي: من تفكيك بنية الحرب إلى إعادة تخيّل السودان

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو في اللحظات التي تبلغ فيها الأزمات ذروتها، لا يعود الخطر …