22 عاما مرت كطيف “عبر ” … يا لها من سرعة عجيبة كان يوم الثلاثاء يوم رحلت العام 1989وكنت حينها فى الخامسة والثلاثين من عمرك الغض،يا للعالم المتسارع الخطوات فما زال صوتك يرن فى أذنى ، ما زالت كلماتك ،ضحكاتك ترن فى القلب
ـ أسمعى يلا معاى سوق ليبيا
أعقد الحاجب دهشة لماذا سوق ليبيا ؟
ــ حاوريك عالم ما شفتيهو ، حصل مشيتى سوق ليبيا ؟
غالبا كانت الاجابة بالنفى ، فهو عالم لم أدخله ، لكنى دخلته رفقة عميرى ، كنا نتجول بين “الرواكيب ” نقعد الى بائعات الشاى حيث تمتد “القعدة “الى حين نحس بالملل ، كنا نحس الملل سريعا ، ربما كانت تلك الخاصية احد مكوناتنا معا ،عاشقين للتغيير ،كنا نتجول من “راكوبة الى اخرى ” مظللين بضحكات البائعين التى كانت تنطلق لحظة دخولنا اليهم ، فى كل مكان كنت تنشر الضحكات والناس يلتفون حولنا ضاحكين ، غالبا كنا نشترى “جزم القطيفة ـ الكولدورويد ـ واحدة لك واخرى لى ، فتعلمت ارتداء تلك الاحذية الى الان …
ذات يوم صيفى حار قلت لى
ــ عازمك عند ناس عبد الحكيم غدا ، حنمشى بيت ناس حكيم فى شمبات …
نزلنا فى سوق شمبات للخضار ، كان سوقا مكتظا بالبشر الذين يفرشون بضاعتهم على “مساطب ” ربما كانت مبنية من الطين ، لا أذكر ، الخضروات كانت مرصوصة الى تلك المساطب ، “مفرهدة ” قال
ــ الغدا سلطة بالدكوة
اشترينا يومها بصل أخضر ، وطماطم وفلفل اخضر ، قلت معلقا على الفلفل بقولك
ــ نحنا ما قاعدين نهتم بالغذاء الجيد بالمناسبة ، الفلفل دا زول كوييس جدا
واشترينا دكوة من إمرأة لطيفة كما وصفتها ، حملنا خضارنا باتجاه بيت عبد الحكيم الطاهر “عبد الحكيم كان دفعة العميرى فى معهد الموسيقى والمسرح ،
يومها لم يكن حكيم موجودا ، فقامت سعاد زوجته بواجب الضيافة حيالنا ، فقدمت لنا غداءا “فارها” يومها ، أكلنا وضحكنا فى غياب حكيم الذى تمنيناه معنا يومها …حيث لم تتكرر تلك الزيارة قط …
خرجنا بعد ذلك حيث توجهت الى بيتنا فى امبدة وانت الى ابوروف
المرة التالية كان المشوار الى شارع الجمهورية ، قال وهو ينظر فى ميناء ساعته
ــ انتى الليلة يوم كم ؟
قلت
ــ يوم 21 ابريل
يلا معاى
ترجلنا عن البيجو التى كانت سيارته المفضلة ، رغم انه كان عاشقا للفولوكسواجن
كانت بيضاء وصغيرة نسبيا عن البيجو الاخر ، حيث اشتهرت تلك الفترة من الثمانينات بعدد من انواع البيجو ، دخلنا الى دكان ما ، كان معبأ بملابس الاطفال عن آخره ، لم يترك لى مجالا لافهم ، كنت قد فهمت ما يعنى ، كان هذا حاله كلما حان عيدميلاد عزة ابنتى ، تركنى واقفة فى مدخل الدكان ، جال وجال دون ان يعيرنى اهتماما ، كان يتعمد ذلك كل مرة ، حين وصل الى موقع المحاسب فى المحل ، لفّ له البائع تلك المشتروات ، التى قال إنها “سر ” لا يهمنى ، خرجنا من المحل ، قال مادا الى ّ بتلك اللفافة
ــ دى هدية عزة ، مش بكرة عيد ميلادها ؟كل سنة وانتى طيبة وهى طيبة
رفت دمعة ، بل سالت ، مسحها بلطف وقال ضاحكا
ــ أنا أخوك وحبيبك وصحبك وابوك لابو اهلك زاتو ….
بعدها غرقنا فى موجة من الضحك ، حيث كنا نعبر الشارع حيث تقف البيجو ، لحظتها كان ينادى على أحد ما “محمد ” فتلفت عدد من المارين وكان يبدو كأنه لم يقل شيئا
عبد العزيز العميرى ، كان شخصا نادرا من الذين حين أكون رفقته خاصة وهو سائق احس أمانا غريبا رغم انى اخاف من السائقين فى السودان بلا استثناء ، ذلك انه يعرف جيدا كيف يقود سيارته ويقودك من ثم الى عوالم تدخلها لاول مرة ولن تدخلها بعد ذلك بالقطع ، أدخلنى الى محل “ابراهيم الحلبى ” قال لحظة دخولنا الوحيدة تلك
ــ دا احسن زول بعمل عربات مصنوعة باليد ، عارفة بعمل اسبيرات زى الحقيقية ، فنان بالجد
تجولنا فى المكان بلا هوادة ، كان يرفع الاسبيرات المنشورة على الارض وقلبها تقليب العارف …
أول مرة أدخل الى مطعم فى الخرطوم وكنت حينها “جديدة قادمة من الابيض، ولم نكن نقبل على محلات الاطعمة الا عابرين لشراء الباسطة من جروبى ، أو الطعمية من البائع فى الشارع ، أو الاقاشى من رجل كان يفترش الارض قرب بيت العميرى فى الابيض ” لكن فى الخرطوم كانت تلك الاماكن الكبيرة غريبة علينا ، خاصة محلات السندوتشات ، حيث قال لى
ــ عازمك
ولم يقل اين ؟ حين وصلنا الى المكان قادنى دون ان يقول كلمة حتى دخلنا محل السندوتشات “داك بيرجر ” حينها قال
ــ داك بيرجر الله يسلمك ، اتفضلى
كان المحل جديدا يومها ، وكانت تفوح رائحة طعام شهى ، أكلنا وخرجنا ، ولم أعد الى ذلك المكان قط الا بعد تسعة عشر عاما على رحيل العميرى ، وجدته وقد أعتراه البلى ، لكنه لم يعتر روحك التى ما تزال تهفهف فى الروح كما هى ، ما زلت تشكل حضورا لم ينعقد لمثلك فى حياتى ، فما زلت نفس “الزول ” الذى لن يبدلك ابدا بما حوى العالم ، ايها الانسان الجميل ارقد بسلام ، فعلى قبرك وعلى روحك سلام يخفق ابدا ، لك كل الرحمة والمحبة التى لاتنفد قط …
Salma Salama [fieroze@hotmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم