“يا صباحَ الخيرِ كم أوحشتنا
يا مساءَ الخيرِ تُشجيكَ المنازل
لم يعُد للنبعِ غيرَ المنحنى
أرهفَ القلبَ على نبضِ المناجل
ما المنايا؟ إنها أقدارُنا
وامتدادُ البحرِ أحضانُ السواحل
لا ألومُ الدمعَ إن هامت به
وحشةُ النخلِ وأحلامُ البلابل
لا ألومُ الليلَ والنجمُ هوَى
يعتلى الفجرُ المتاريسَ الجنادل”
(جيلي عبد الرحمن- من رثائيات شهداء 19 يوليو 1971)
وها قد حلّت علينا ذكرى يوليو 1971 بشلالات دمائها وآلامها وبكل ما تثيره من أسئلة وجدل ونقاش يمور داخل الحزب الشيوعي وخارجه . غير أن ما جال بخاطري هذه المرة، التعليق على الكتابة الصادمة التي نشرها عبر وسائط التواصل الاجتماعي الزميل والصديق الفنان التشكيلي عبد المنعم الريح، مقترنا بتعليق رصين للأستاذة منى عابدين -ابنة سفير السودان المعروف حينها في لندن- والموثَّق موقفه وإدانته على رؤوس الأشهاد وأمام عدسات الكاميرا لاختطاف الطائرة التي كانت تقل الشهيدين بابكر النور وفاروق حمد الله أثناء توجههما إلى السودان. وغنيٌّ عن القول أن ذلك الموقف الشجاع قد كلّفه ثمناً غالياً ليس أقله السجن والفصل من الوظيفة.
لقد صُعقت وأنا أقرأ سلسلة التعليقات الثلاثة التي كتبها عبد المنعم الريح على شريط فيديو توثيقي عن 19 يوليو من إعداد الأستاذ عدلان عبد العزيز تجدونه في الرابط أدناه.
http://sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=9420&sid=f9657ac55a874d610ca869049b7643a7
جاء عنوان التعليق ” رداً علي الفيديو الذي أعدَّه المسخ اسحق فضل الله بالاتفاق مع الخنساء رفيقة الشهيد بابكر النور له الرحمة” وخُتم بعبارة “نيابة عن أسرة عابدين اسماعيل”.
وما بين العنوان و ذاك التوقيع سيلٌ من الشتائم والتجريح الشخصي الذي لا يليق، لا بأدب الحوار في مسائل عامة ما برحت محل جدال وخلاف فكري، ولا باحتجاج عبد المنعم نفسه على ابتذال ما هو عام إلى شخصي والخوض في وحل فجور الخصومة الشخصية وإسفافها.
فعلى نقيض ذلك تكاد مادة التعليقات كلها تصبُّ في قالبٍ شخصيٍ محض، وتوحي لقارئها وكأن حرباً ضروساً قد نشبت بين أسرة عابدين ورفيقة الشهيد بابكر النور وأسرتها على وسائط التواصل الاجتماعي!
ويا لفرحة اسحق أحمد فضل وأمثاله من مسخ الإنقاذ وأعداء الحزب وكل الوطنيين، بدءاً بباكر النور ورفاقه من كوكبة شهداء يوليو والسفير المرحوم عابدين اسماعيل وغيرهم، بهذا الغسيل القذر المبذول لهم طوعا بسخاء زميل شيوعي عضو في الحزب في ساحات الأسافير الرحيبة. وهذا ما دفعني إلى التعليق عن مغزى الخصومة والخلاف في ساحات العمل العام، خاصة حين تكون لتلك الساحة وشيجةٌ بالحزب الشيوعي وأعضائه وأصدقائه وحلفائه. فـ”ما هكذا تورد الإبل” كما قلت أنت يا صديقي عبد المنعم في استعارة مضادة المعنى والدلالة لعبارتك. وقد عنيتُ بهذا التعليق في الأساس الوقوف على مسألة هامة ذات صلة وثيقة بأداء الحزب وبنائه وسلوك أعضائه إزاء بعضهم بعضاً داخل حزبهم وفي إطار علاقتهم مع الجماهير وأصدقائهم وحلفائهم في أوقات المدّ والجزرِ والانحسار معاً. ولنا إلى اليوم في وثيقة “إصلاح الخطأ في العمل وسط الجماهير” التي خطَّها الشهيد عبد الخالق محجوب أسوةٌ وعبرة في كيف ينبغي أن نسلك في مسالك العمل العام وساحاته، كانت إسفيرية افتراضية أم كنا نعمل في غمار الناس مباشرةً في حياتنا اليومية الواقعية.
وغبطة اسحق أحمد فضل الله مضاعفة هنا هذه المرة لأنه “جاتو جاهزة ومملّحة” -كما يجري القول في المثل الشعبي- قصة ذلك اللقاء التوثيقي الذي أُقحم فيه اسمه إقحاما ونُسب إليه زوراً من بنات الخيال شرف “التغرير بخنساء واستغلال تقدمها في العمر ومن ثم استدراجها لإجراء المادة التوثيقية معها”. فعلى حد عبارة عبد المنعم: ” ونحن نعرف أن هذا الفيديو تم باتفاق بينها والمدعو اسحق فضل الله قبل ثلاثة أشهر، ومعروف الغرض الذي يسعي إليه هذا المسخ ووقعت هي في براثنه مستغلاً عوامل تقدُّم العمر”!
وهذه بصريح العبارة فِرية داوية لست أدري كيف يداري صديقنا الزميل منعم وجهه عنها . ولعل هذا التربُّص المبيّت منذ قبل ثلاثة أشهر هو الذي أعمى بصيرته وحجبها عن التمييز بين صوت صحفي جريدة “الانتباهة” المعروف وصوت الأستاذ عدلان عبد العزيز الذي أجرى اللقاء. فأيُّ خيالٍ مجنّحٍ هذا يا منعم الذي دفعك إلى خلط شنيع كهذا؟ دعك عن الصوت، فلو استمعت جيدا إلى شريط الفيديو لتنبهت إلى من أجرى اللقاء. هذه “طبزة” لا تليق بك ولا بمقام السفير عابدين اسماعيل، ولا بالحزب الذي تذود عنه كفاحاً في وجه الخنساء. أليس هذا التدليس خطأ بائنا في عملنا وسط الجماهير؟
ومن يقرأ تعليق عبد المنعم يلحظ أنه قد صبَّ على خصمه الوهمي خنساء لعنة ابليس فطردها شرَّ طردةً من فردوسِ الحزبِ واستبْرِقِه وسُندُسِهِ الخُضر إلى جحيم “جزيرة المُبعَدين” النائية القاحلة في بلاد الواقواق، راكلاً إياها بجرة قلم واحدة بعبارة “الزميلة سابقا”. بل مضي إلى دق إسفينٍ بينها وتقاليد المؤسسة التي انتمت إليها وزوجها ورفيق دربها الشهيد بابكر النور بقوله : ” ولكن هذه التخاريف تداوُلها في حد ذاته إساءة للصورة النزيهة التي حافظ بها الحزب علي شرف ونزاهة ومواقف الكثير من الوطنيين حتي وإن كانوا من غير أعضاء الحزب. فلم يحدث في تاريخ الحزب فجور الخصومة بهذا الشكل والطرح حتي لأشخاص شكّلت مواقفهم عداء سافراً للحزب. فلم يُعهد الحزب في تاريخه تصفية الخصومة باتهامات شخصية او اتهام بدون دليل. ولذا ما صدر في هذا الفيديو لا ينمُّ إلا عن أحقاد ووساوس لا تسندها وثائق أو أدلة إنما تنصبّ في مسار تشويه التاريخ وتشويه سيرة أشخاص عُرف عنهم الوطنية والنزاهة والشرف”.
أما الصورة العامة التي يرسمها عبد المنعم عن خصمه المتخيَّل اللدود فهي أنها تميل دائما إلى تفسير ذلك الحدث التاريخي الهام مدفوعةً بجائحة الغبن والحقد الشخصي الأعمى الذي يحضُّها حضّاً على البحث دائماً عن شماعة تحمّلها مسؤولية إعدام زوجها الشهيد.
ولا يكتفي منعم بذلك بل يمضي شوطاً أبعد بتوجيه اتهام قاتل لخصمه بالقول: ” وأضيف لقد تركت محارق الشجرة ١٩ يوليو الكثير من الجراح داخل نفوس أرامل شتي وأبناء في المهد لكنهم كلهم كانوا من السمو والتجرد بعدم تحميل جريمة إزهاق أرواحهم إلا لجلادهم”!
ويزيد على ذلك بالقول -مع الاعتذار المسبق عن طول الاقتباس الضروري لعدم توفر هذه التعليقات لقراء هذا المقال-
” لذا كانت عظمة من أدرك ذلك من أرامل وأبناء الشهداء ولم يجلسن في بيوت العزاء العمر جله ليكلن ويهلن التراب علي رأسهن ورأس شرف شهادة أزواجهن. فكل نفس ذائقة الموت ويكفي هؤلاء أن نالوه بشرف يحسدون عليه. فنحن لا نقيم للأبطال مأتما وعويلا بل نعلي الهتاف إثر الهتاف حتي ينضج الوعي الثوري. وأرجو أن نجعل من ذكري ١٩ يوليو فعلا شرفا ندعيه لا مهانة ومذمة ومندبة وعويل”.
صادمةٌ هذه التعليقات من نواح ولأسباب عدة. أهمها وعلى رأسها اختزال كل ما أوردته خنساء في الشريط المذكور إلى مجرد هجوم على شخص السفير المرحوم عابدين اسماعيل، علما بأن المادة الأساسية هي جزء من التوثيق لـ 19 يوليو وأن سيرة السفير لم ترد فيه إلا عرضاً. ومؤسف إغفال الزميل للحقيقة العلمية البسيطة وهي: إن كل ما تقوله خنساء وغيرها من رواة الأحداث والملابسات التي أحاطت بتلك الواقعة التاريخية المفصلية في مسار الحركة السياسية السودانية لا يعدو عن كونه ضمن المصادر الشفوية للتاريخ. وهي قابلة بطبيعة الحال للتدقيق والتمحيص والتحليل بأدوات ومنهج البحث العلمي. وعليه، فإن خنساء وغيرها من رواة الأحداث ليسوا جهيزة التي قطعت قول كل خطيب، وأنَّ رواياتهم ليست سوى مادة خام لكتابة التاريخ، وأنها تظل قابلة للتأويل بما في ذلك نقضها وتصحيح ما ورد فيها من أخطاء تقوم على تقديرات ذاتية للوقائع. ولئن كانت نظرة المعلِّق علمية وموضوعية الهدف والمقصد لما كان التشنج والانفعال وحريق الأعصاب أساساً، ولما دُقت طبول الحرب على خنساء، لأن من الطبيعي أن يجري فرز مياه الذاتي من الموضوعي في مجرى التحليل العلمي الهادئ لما يستقيه المؤرخون من تلك المصادر الشفوية. ألسنا نسعى إلى تطبيق المنهج العلمي في ممارستنا الثورية على الصعيدين النظري والعملي كما نقول نحن الشيوعيين ونعلنها في برامج الحزب وأدبياته؟ فأي مفارقة هذه للعلم نراها في التعليقات آنفة الذكر؟ وهذه ثانية ربما نجد إجابة شافية عنها في عموميات وأبجديات الفكر الماركسي وفي وثيقة “الماركسية وقضايا الثورة السودانية” الغراء على وجه الخصوص.
والمثير للانتباه أن هذه النظرة العلمية المتسائلة والمتفحصة لروايات التاريخ -والمنتجة للمعرفة والمعرفة النقيض بالضرورة – نلحظها بوضوح في التعليق الهادئ الرصين للأستاذة منى عابدين اسماعيل التي أحسنت مخاطبة خنساء بما يليق من توقير واحترام، بقدر ما أحسنت إثارة الأسئلة التاريخية الموضوعية المشروعة حول ما ورد من إفادات تتعلق بوالدها السفير المرحوم في شريط الفيديو نفسه. ومن حق مُنى أن تحصل على إجابات عما طرحته من أسئلة بطبيعة الحال. وهذا ما ينبغي أن يكون عليه سلوكنا في أدب الخلاف والحوار الفكريين، ديمقراطيين كنا أم أعضاء في الحزب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم