الفصل الثاني من الأرشيف: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ لأَنَاسِيَّ آمَنُوا بالبناء النهضوي للسودان من القواعد
ﺑِسم ﷲِ اﻟرﺣﻣن اﻟرحيم
الفصل الثاني من الأرشيف: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ لأَنَاسِيَّ آمَنُوا بالبناء النهضوي للسودان من القواعد ، أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أمرهم كَانُ عَجَباً ،
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ
وهل أتاك حديث الرسول (ص)”أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”
الفصل الأول: الرشيد سيد أحمد والإنجاز المبهر لمهندس من الزمن الجميل
الفصل الثاني: المهندس المستشار الرشيد وملحمة القاش حلول سودانية فذة لقضايا المياه لم تجد التوثيق الكافي
الفصل الثالث : المهندس المستشار الرشيد في رحلة رائدة ومثيرة لأسقاط الطعام لمتضرري الفيضانات
الفصل الرابع :المهندس المستشار محمد الرشيد قريش — مسىرة عمر في تسخير العلم والمعرفة في أكثر من 200 دراسة علمية لحل المشاكل الفنية للسودان والدول النامية.
*****************
الفصل الثاني:المهندس المستشار الرشيد سيد أحمد
مهنيو المياه والذين يحبون أن يقرءوا عن حلول سودانية فذة لقضايا المياه لم تجد التوثيق الكافي مدعوون للأطلاع علي ملحمة القاش ( 1 من 4)
استهلال:
في يوليو “2016 جاء في صحيفة الجريدة أن “مناسيب نهر القاش بولاية كسلا سجلت ارتفاعاً قياسياً في منسوب المياه بلغ (280) سنتمتراً، أدت الى حدوث كسر في ترعة خور سوميت بمربع 4 بالسوق الشعبي بالضفة الغربية لمدينة كسلا ، في ظل مخاوف من انهيار الجسور الواقية واجتياح (القاش) لمدينة كسلا، و(قد) قطعت مياه فيضان نهرالقاش الطريق القومي الرابط بين مدينتي كسلا وبورتسودان. وجرفت المياه أجزاءً واسعة من طريق الأسفلت على مسافة كيلومتر، مما أدى إلى توقف الحركة على الطريق القومي”
وفي يونيو2018 جاء في صحيفة الصيحة أن “نهر القاش اقتحم المنازل الواقعة قبالة النهر بمنطقة العالي بالسواقي الجنوبية بضاحية مدينة كسلا، وتسببت تدفقات المياه المرتدة من خور سوميت (أحد منافذ النهر) في إحداث أضرار بالغة بعدد كبير من المنازل … ورتب نزوح المواطنين المتضررين لأماكن إيواء تحميهم من ثورات النهر…” وارتفعت مناسيب النهر بصورة مفاجئة ليلة أمس الأول بعد هطول الأمطار الغزيرة التي ضربت المرتفعات الأرترية ومناطق متفرقة بولاية كسلا كانت مصحوبة برياح عاتية وزوابع رعدية.”
ما بين ملحمة توتي وملحمة نهرالقاش
“نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”(الكهف 13)
من منا لم يستمع لملحمة توتي التي يغنيها ابنها عن فيضان عام 1946 الشهير الذي بلغ تصريف النيل فيه عند الروصيرص 10800 م3 في الثانية وعند توتي 10300 م3 في الثانية وهو أعلي تصريف موثق في تاريخ النيل ، والذي فاض وحاول إبتلاع توتي بأهلها الذين تصدوا له ببسالة مشهودة نطقت بها كلمات الأعنية بصوت حمد الريح:
عجبوني اولاد الاهالي عجبوني وسروا بالي
طول الليل واقفين سواري ترسوا البحر بالطواري
ما شالونا باللواري
عجبوني الليل جوا ترسوا البحر صددوا
عجبوني اولاد الفرسان ملصوا البدل والقمصان
وصبوا البحر خرسان من شاوش لي برقان
عجبوني الليلة جوا ترسو البحر صددوا
الكوراك في العداره مرقوا اخوان السراره
مركز جاب الاشارة ما شالونا بالطيارة
عجبوني الليلة جو ترسوا البحر صددوا
عجبوني اولاد السرور فروا مثل الصقور
ترسوا البحر بالصفوف ما شالونا بالبابور
نحن فوق عزنا قبائل ما تهزنا
الارباب جدنا الليلة هوي يا جنا نحن الخير ضونا
نقول من منا لم يستمع لملحمة توتي هذه الا وهزت وجدانه وشعر بالفخر، لكن أقرأها الأن وكأنها قيلت لملحمة أخري لم تجد من يكتب لها شعرا يخلد مجاهدات الذين “ترسوا (بحر) القاش صددو” وهم بضع “فِتْيَةٌ آمَنُوا بربهم” وبمدينهم كسلا
التي قال فيها المبدع توفيق صالح جبريل
يا ابنةَ «القاشِ» إن سرى الطيفُ وَهْنا
واعتلى هائما، فكيف لحاقي؟!
أشرقتْ بها شمس وَجْدي
فَهْيَ بالحقّ جنّةُ الإشراق
اؤلئك فتية أقسموا جميعهم ألا يتركو القاش يبتلع المدينة وعلي رأسهم مهندس فذ من وزارة الري، ثم استمع أيها القارئء الكريم لملحمة القاش تلك وأحكم بنفسك:
الأطار التاريخي:
تدور أحداث هذه الملحمة بين عامي 1943 و1947 حينما قامت مصلحة الري بتكليف احد مهندسيها الشبان (32 سنة) للعمل بمكتب الري الرئيسي بمدينة أروما فعكف علي مدي سنين قصيرة علي تخطيط وتصميم كل الترع لمشروع القاش ومشروع دلتا طوكر وتشييد منشئات التحكم في المياه وترع وحياض الري لمشروع تسني باريتريا وعمل الميزانيات لها والمحافظة علي مجري القاش وخور بركة وتهذيبهما للحماية من – وضبط- الفيضانات من خلال إقامة السدود و منشئات ترويض النهر المختلفة (Cut-offs, Levees, Check Dams, Diversions)
وهو عمل بارز شهد له به كبير مهندسي الري الإنجليز عند انتهاء عمله في شرق السودان قائلا:
“أود أن أشكر لك… كل الحرص والتفاني في العمل والإخلاص للواجب الذي أظهرته…وللمعايير الهندسية العالية التي عالجت بها العديد من المشاكل الصعبة التي نشأت في القاش” (رسالة جورج ن. ألن — 1945)
وحين عرض هذا المهندس تجاربه تلك في ترويض القاش وبركة في “المؤتمر الدولي الرابع حول الري والصرف” الذي انعقد في يونيو 1960 بمدريد، (أسبانيا)، عجب المؤتمرون الأوربيون من أن مثل هذا العمل الهندسي الدقيق قد قام به المهندسون السودانيون في أربعينات القرن الماضي! — لكن لماذا تلك الأشادة؟
أسباب تثمين مستشار الري الأنجليزي والمؤتمرون الأوربيون لهذا الأنجاز يمكن ادراكها بصورة أفضل لو استذكر القاريء الكريم شيئين اثنين :
*طبيعة نظام الجريان (River Regime) لنهر القاش (وبركة) ،
*و”حالة الفن”(State-of-the-Art) في علم “المائيات” (الهيدرولوجيا، أي خصائص ، وآثار دفق المياه على سطح الأرض وفي التربة) ، و علم “الهيدروليكا” ، ( أي ميكانيكا المياه و المبادئ التي تحكم سلوك والسيطرة علي المياه) في عشرينيات القرن الماضي:
طبيعة نظام الجريان وصعوبة ترويض نهر القاش:
تبلغ مساحة حوض القاش (21000) كم2، ويبلغ انحداره (1/1000 بينما يبلغ حجم تصريفه (200-800) مليون م3
وهذا التفاوت في التصريف ذو أثر عميق علي المنطقة: فتدفقاته العالية مدمرة ، والمنخفضة منها ذات أثر ضار على الري وعلي تغذية المياه الجوفية لأن القاش هو المورد الرئيسي للمياه في المنطقة
والقاش نهرسيلي(Torrential )عنيف وموحل جدا (Very Muddy) مما يطمي قنوات الري بصورة بالغة ويستدعي ليس فقط تطهيرها ، بل أيضا اعادة تشكيلها علي نحو جديد (ٌRemodeling) (كتغيير انحدار القتاة ، أو تغيير مقطعها العرضي X-Section )، وفي بعض الأحيان قد لا تحقق اعادة التشكيل تلك النتائج المطلوبة (كما كان في حالة قناة Tendelai)
فبينما في القنوات المستقرة و الضيقة و العميقة نسبيا (Stable Non-varying Channel) المشكلة الرئيسية تتمثل في ايجاد أفضل موقع لتموضع منشئات (تحكم) رئيسية (Headworks) تستطيع سحب المياه في جميع مناسيب النهر،
لكن في (مجاري) القنوات العريضة أوغير المستقرة (Unstable) كنهري القاش وبركة ، فان نظام الجريان (Regime) يتغير، ويتقلب بين الجريان الصفحي (Sheet Flow) وتغير المجري Avulsion) ) فيجرد مواقع المنشئات الرئيسية القائمة من ميزتها، ويدفع في اتجاه هجرها ، في معظم الأحايين تكون هناك أحباس يسود فيها تغيير المجري أو نشر حمولته علي نطاق واسع (Avulsion) ، مما يجعل الموقع الذي كان مواتيا وقت التصميم وقد أصبح غير مواتي عند التشغيل !، ولا يمكن اقامة منشئات (تحكم) رئيسية (Headworks) دائمة عبره: (فقط مشئات قصيرة الأجل (1-2 سنوات مع معالجة التغيرات الملازمة لذلك في منسوب قاع النهر)
اذ أن أية منشئات رئيسية تقام عبره يمكن أن يجرفها التيار كما حدث مع الهدار (Weir) الذي شيد في كسلا عام 1905وانهار عام 1929 !
نهر ماكر- خطل سوق القاش إلي بيت الطاعة:
ان أية محاولة لحصر وحبس النهر في مجري محدد (River Confinement)، تؤدي الي رفع مستوى القاع باطراد في الأحباس السفلي ، نتيجة لترسب الطمي ، وفي النهاية يفيض النهر عند تصريفه العالي ويتخلي عن مجراه القديم !
وأية محاولة لتهذيب مجراه
(River Training) لاستعادة موقع المنشأة المواتي السابق، تعيقه دورات الجريان الصفحي وتغييرات المجري الحتمية والتي لا يمكن تجنبها ولكن يمكن أن تأخير وقوعها الي حين عن طريق السدود ( (Leveesلحماية الجسورالضفية، وتلك هي طبيعة “المشاكل الصعبة التي نشأت في القاش” ، حسب تعبير خبير الري الأنجليزي !، و”في نهاية المطاف” ، كما يقول مستشار الري موريس(1):
“سوف يفيض النهر
ويهجر مجراه ويستعيض عنه بانتشار صفحي ومياه راكدة (وللمفارقة هذا يمكن أن يكون مفيدا من وجهة نظر الري كمصدر للإمدادات المياه النظيفة ، لذا فدلتا القاش ودلتا البركة يوفران نظام ري سطحي ممتاز ومتحكم فيه
(Controlled Flood Irrigation)
ويكون في حالة دلتا القاش بالغمر من قبل القنوات
وفي حالة دلتا بركة (عند طوكر) من قبل الفيضان الطبيعي” (1)
المنهج الدراسي في قسم الهندسة في كلية غردون:
أما بالنسبة للمنهج الدراسي في قسم الهندسة في كلية غردون في العشرينيات من القرن الماضي حين كان هذا المهندس طالبا ، فهو لم يتعرض كثيىرا للجريان النهري “غير المضطرد وغير الثابت”
( (Un-Steady Non-Uniform Flow
الذي يسم موجات فيضان القاش وطوكر العارمة أو اندفاعها المفاجيء ، حيث أن كل خواص الدفق (كسرعة الجريان أو عمق المياه الخ …) تتغير علي طول المجري و مع مرور الوقت ، ذلك لأن النظريات في هذا الشأن لم تبدأ تتبلور الا في الثلاثينيات من القرن الماضي ، وقد كان جل تركيز المنهج الذي تلقاه هذا المهندس علي “التدفق المنتظم و المضطرد”
(Steady Uniform Flow)
والثابت نسبيا ، أي لا تتغير في خواص الدفق (كسرعة الجيران أو عمق المياه) علي طول المجري أو بمرور الوقت — كما في انسياب الترع– وهو أمر نادر الحدوث في الأنهاركالقاش أو خوربركة ذات “الفيضان اللمحي” (Torrential Rivers with Flash Flood)
والقاش وبركة “أنهار” عصية علي الترويض، فالقاش مثلا نهر عنيف ولا يكف عن تغيرمجراه كما أشرنا عاليه
(Channel Migration) ، وبالتالي لا يجدي معه نصب منشئات ضبط (Control Works) ثابتةعبر مجراه! فكون أن هذا المهندس استطاع أن يجد حلولا فنية ناجحة من خارج ما درب عليه في كلية غردون ، في خطوة متقدمة حتي علي “حالة الفن” السائدة وقتها (State-of-the-Art) في حق الجريان النهري “غير المضطرد وغير الثابت”
(“(Un-Steady Non-Uniform Flow ، الذي يسم موجات الفيضان العارمة و والأندفاع المفاجيء للأنهر المهاجرة (Migratory Rivers)كنهري القاش وبركة في السودان و نهر هنتر (Hunter)في استراليا ونهر بيتون(Beatton) في كندا ، ذوي السلوكيات المشابه، فذلك ما اعتبره الخبير الأنجليزي المتمرس ضربا من “المعايير الهندسية العالية” ، وقد وثق هذا الكاتب لتلك التجارب الفنية الناجحة علي شكل “دراسة حالة” (Case Study) لتدرس لدارسي هندسة الأنهار من الطلبة ، وذلك في ورقة بعنوان :
“A Case Study on a Pioneering Work of Successful Design & Execution of Stream Training & Flood Damage Abatement Plan, 1993”
ملحمة القاش التي جرت كل سنة علي مدي أربع سنوات:
وسائل درء الفيضانات المتاحة وقتها كمثل الحواجز الصخرية
(Bank Diking)
باستخدام سياج مزدوج
(Double Fence)
من قضبان الصلب المربوطة بالأسلاك تملأ بالصخور ثم يدفع بها الي قاع المجري لم تكن معروفة في السودان وما فكر أحد في استخدامها لكلفتها ،
لكن ما أقدم عليه هذا المهندس في البدء هواستخدام الحجارة في أعمال الحماية من النهر الا أن تيار نهر القاش الشرس كان يجرفها أمامه (Downstream) كل مرة ، فكان لزاما علي هذا المهندس ان يفكر في تطوير خطة بديلة وفعالة في أعمال الحماية من النهر،
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم