تناقلت الأنباء هذه الأيام خبر وعكة وقد ألزمت القامة الغنائية الدكتور/ عبد القادر سالم، رئيس اتحاد المهن الموسيقة السودانية، فراشاً أبيضاً لبعض وقت.. وها قد بدأ تعافياً ولله الحمد.. نسأل الله أن يمتعه بالصحة والعافية.
هنا استدعت الذكرى محطةً قد حدثت قبل اثنتي عشرة سنة وشهرين وستة وعشرين يوماً من تاريخ اليوم الموافق الحادي عشر من سبتمبر عام 2021م.
كان الحدث محاضرة بعنوان ـ” التراث الغنائي السوداني بصفة عامة.. غربُ السودان مثالاً”. قدمها الفنان عبد القادر سالم، أمام جمع غفير من موسيقيين، فنانين، شعراء، أدباء، مخرجين، كتاب، صحفيين، إعلاميين ومهتمين بشأن التراث والأدب.
تشرفت بإدارة تلك الندوة مع إخوة رائعين.. كان اللقاء ضمن فعاليات تجمع الفنانين والموسيقيين السودانيين، بالتعاون مع الجالية السودانية بالرياض، المملكة العربية السعودية. حيث أقيمت تلك المحاضرة بالنادي الأدبي بالرياض.
في هذا المقام نرسل صوتَ شكرٍ وامتنان نيابة عن الجالية السودانية بالرياض، لأسرة ذلك النادي العريق، الذي أصبح شعلة ومنارة يهتدى بها في مضمار الأدب بضروبه المختلفة، وعلى رأسهم الدكتور/ سعد البازعي رئيس النادي آنئذ لرعايته ذلك اللقاء. فلهم منا كل تجلة وعرفان.. ولكل القائمين على أمر الصرح الشامخ.
قدم الدكتور عبد القادر سالم محاضرة شافية وافية، نالت إعجاب الحضور من الأخوة السعوديين والسودانيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى.. كان علماً فأبدع في مساء يوم الاثنين 22 جمادى الأولى 1430هـ الموافق 15 يونيو 2009م. وقتئذ سطر قلمي الكلمات التالية في حقه عند تقديمه.. فهلا نجول معاً لنقف عند أبرز ما وقفنا عليه..
محورُ الفعالية يلقيها علم من أعلام الفن والطرب السوداني الأصيل.. أهدتنا جنوبُ كردفان قامة من قامات بلادنا السودان.. ففي العام 1946م بزغ فجره بمدينة الدلنج.. شب، ترعرع ونهل من معين التراث متعلماً ومعلماً.
كان واعداً فوعد.. كان صاعداً فصعد.. إلى أن ذاع صيتُه في ربوع السودان وأرجائه منذ العام 1971م، كمطرب وملحن بلونية خاصة. خاصة جداً. يشهد على ذلك إنتاجه الفني حيث يكفينا عناء التمحيص والبحث والتنقيب في سفره المليئ ألقاً المتوهج من متون وحواشي الفن السوداني.. ما يزيد عن الأربعين أغنية، حصيلة رائعة في مضابط وتسجيلات الإذاعة السودانية. حيث ساح بنا في مراقي ومصاعد السلالم الخماسية، السداسية والسباعية تجوالاً سيمفونياً رائعاً.. وما يزيد عن العشر أغنيات بإخراج فني رائع “فيدو كليب” ضمتها مكتبة التلفزيون السوداني. صورت من ربوع كرفان الغرة أم خيراً جوة وبرة.. فأتت بثوب قشيب مهيب.. فكأني بمن يردد.. وتردد ويتفاعل وتتفاعل بإيقاعات المردوم.. الكمبلا.. الفرنقابية.. الجراري.. التمتم.. الكاتم.. تطول القائمة.. لتعانق سطور الزجل والبحور والمقامات.. لتعانق ما أنتجته الحكامات وما استساغه البرامكة.. في تصويرهم للسيسبان الني.. للزينة والزمام وأم ضفاير في قيادتها للرسن وأعتلائها للهودج بكل كبرياء.. وملاطفتها لخليلاتها عند أطراف الشبرية والعلية.. والتعلل والسمر.. يتجاذبون ويتجاذبن أطراف الحديث عن الكرم والشهامة والوفاء والذود عن الحياض.. تخالطهم أصوات النقارة من على بعد ممزوجة بما يصدح من أمكيكي والربابة والطار.. وتطول القوائم.. لسان حالهن وحالهم.. يَتَبَدَّى كبرياء لا ينتحب منهم أحد، يصورون حياة مجتمع عامر بكل جميل.. فكأني بهم وبهن ترديداً:
تلعثمت المليـــــــــــــــــــــــــــــحةُ في مقـــــــــــــــال
تجيب تلوح بالـكف الخضـيبِ
توسّدَتِ المليحــــــــــــــــــــــــــــةُ كـبريـــــــــــــــــاءً
وعـادتني وعـادت لي خــــــــــطوبي
ونادتني تســـــــوقُ إلىَّ خــــــــــــــــــــــــــــــــــــبراً
يُقَطّرُ أدمـع القـلب الســليـــــبِ
وذا موج يخبئ في اصطخــــــــــــاب
يعزيني بأنغامِ الــطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــروبِ
يـواســـيني بـأنســـام الليــــــــــــــــــــــــــــــــــالي
يواريني مـن الجــــــــــــــــمع المـهيبِ
ولســتُ بآبه يامـــوج دعـــــــــــــــــــــــــــني
أفيـق بصـحـــوة لا بالنــــــــــــحيبِ
*********************
وتلك التي تُعَبّر عن حرمانها بحرقة بائنه:
حرمونى السلام يا يمه.. سوولى زندية
وتلهمنا المخرجاتُ المحلية:
الخَضار (قَبّلْ) تعال.. والمنقة شايلة النوار
وعلى هامش حب كردفان ومقتول الهوى:
أتمنى يوم زولي القبيل.. يقطع معاي درباً عديل.. رحلة عمر مشوار طويل.. نمشيه في رمل الدروب..
تلك الدروب التي نأمل أن نلتمس بعضاً منها من خلال أعماله الخالدة: الليموني، المريود، أنا بطراكي، أسير غزال، برق العيون شحا، بسامة، غاب تومي، جيناكي، خفيف الدم، مكتول هواك، نجوم الليل، عمري ما بنسى، عابر سكة، ودي القليب، ليمون بارا.. وغيرها.. فأكني بالأندلسي في عِقْدِه الفريد جامعاً للمنثور في الأخبار والأنساب والأمثال والشعر والعروض والموسيقى.
محاضرنا باحث في الموسيقى التراثيةِ السودانيةِ عامة، وموسيقى منطقة كردفان على وجه خاص.. قدم العديد من المحاضرات والندوات والأوراق العلمية حول التراث الغنائي.. وله إسهامات بالكتابة في الصحف والدوريات.
محاضرنا باحث من طراز فريد.. شهد بذلك العام 2005م إذ نال درجة الدكتوراه في الفنون (في تخصص الموسيقى) من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عن أطروحته ورسالته.. “الأنماطُ الغنائية بإقليم كردفان ودورُ المؤثراتِ البيئيةِ في تشكيلها”. حيث خرجت بنتائج ونظريات سيعرض لها في حينها لو لم يداهمنا الوقت.
فالتراث والموسيقي كانا هماً وهدفاً اختطه لينفض ما علق من غبار السنين بالرصد والتدوين.. فقبيلة الهبانية كانت محوراً لدراسته في درجة الماجستير.. كانت أطروحته في العام 2002م بعنوان “الغناءُ والموسيقى لدى قبيلةِ الهبانية بجنوب كردفان “. تلك القبيلةُ الممتدةُ بجذورها من جنوب كردفان بمنطقة شركيلا.. إلى جنوب دارفور في معقلها برام “الكلكة” وهكذا تنداح في سوح البلاد.. فالظرفاءُ والوجهاءُ والشعراء يصفون الكلكة بأرض العز والوز والرز.. وأم نقارةً بتقول دِزْ.. وأم ورلاً كبير ما بفز. فكأني به ترديداً من خلال أطروحته:
أرضٌ بها (العِزُ) الأصيل ويا ترى // و(الوِزُ) في جنبــــــــــــــاتها يَتَسَــــــــنــَّـــــمُ
أرضٌ بها (الرِّزُ) الوفيرُ مُصَوِّرا // هِبةَ الإلـــــــهِ وإن ربــــــــــــــــــــي مُنْعِــــــــــــــــــــــــــمُ
أرضٌ بها (النقارةْ) قالت (دِزْ) لمن// سَمِعَ الأزيزَ.. بلحــــــــــــــــــــــــــــنها يترنــــمُ
أرضٌ بها (الوَرَلُ) الكبير مدافعا // لا (فَزَّ) يوماً من حمىً بل يَهْزِمُ
هذى ديار (الكَلَكَة) يعبقُ طيبها // أرضُ المآثرِ ليس سراً يُكْتَـــــــــــــــــــــــمُ
فالدكتور عبد القادر سالم باحث مهموم بتراث السودان فكِتابهُ (الغناء والموسيقى بإقليم كردفان) حينما صدر في العام 2007م كان سفراً يحكي لنا الكثيرَ والمثيرَ عما لم يلحظْه المتلقي العادي..
محاضرنا من المطربين السودانيين القلائل الذين خرجوا بنا من المحلية صوب الإقليمية بل العالمية.. فحقق وجوداً ملحوظاً في أوروبا منذ العام 1984م من خلال مشاركته في عدة مهرجانات وحَفَلات غنائية. فحطت رحالُه في كل من: فرنسا، انجلترا، إسبانيا، والديار الهولندية. السويد، النرويج، بلجيكا، والربوع السويسرية. إيطاليا، الدنمارك، اليونان، فلندا، آيسلندا والأراضي النمساوية. وكذا مشاركاتُه في كل من الكويت، نيجيريا، تشاد، اليمن، والمروج التونسية. الجزائر، جيبوتي، اليابان، ماليزيا وكوريا الجنوبية. كما تشهد مشاركاته الفاعلة في المهرجانات الدولية: مهرجان بفرنسا عام 2003م، مهرجان السلام ببرشلونه (اسبانيا) عام 2004م، مهرجان Africa Remix ببريطانيا عام 2005م، مهرجان المشرق بالسويد عام 2006م واسبوع السودان بسويسر في ذات العام. الشيء الذي أهله ليكون عضواً بارزاً متعاوناً مع مجلس الصداقة الشعبية العالمية منذ العام 1991م.
محاضرنا الدكتور عبد القادر سالم وقد نهل من معينه طلاب كلية التربية بجامعة الخرطوم. فالتربية تجري في عروقه ونبضاته حيث عمل معلماً في وزارة التربية والتعليم متدرجاً في مراقيها منذ العام 1963م وحتى عام 2005م. الشاهد في الأمر أن معلمنا قد عاصر مسميات عديدة شهدتها الوزارة التي ينتمي إليها آنذاك. فتارة نسمع “وزارة المعارف” فعدل المسمى بوزارة التربية والتعليم، وما أن لبث يتغلغل المسمى الجديد في وجدان الطلاب والتلاميذ وأولياء الأمور حتى تم تغييره ليصير” وزارة التربية والتوجيه” ولم يبق الحال على ما هو عليه بل شابه حذف وإضافات توالت وتتالت فصارت “وزارة التربية” ثم ما لبث المسمى يتحسس طريقه إلى أن عدل بمسمى آخر هو “وزارة التعليم العام”. لم يستقر الحال على ما هو عليه حتى عاودها الحنين لاسمها القديم “وزارة التربية والتعليم”. ذلك من نافلة القول.
تتويجاً للعطاء الثر.. لعطاء لا تخطئه عين.. لعطاء لا يتنازع فيه اثنان. ولا تتنازع فيه اثنتان. منحته الدولة السودانية في عام 1976م وساماً.. هو وسام العلم والآداب الفضي.. كما منحته جائزةَ الدولةِ التشجيعية في العام 1983م.
تلك لمحة عابرة..
د.عارف تكنة
11/سبتمبر/2021م
a.takana@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم