يوميات الثورة الكبرى (1): ليس للساسة والأحزاب .. فالأمر كله للشعب .. بقلم: عزالدين صغيرون
20 يناير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
33 زيارة
لم يعد ثمة شك في زوال هذا النظام الإسلاموي، إن هي إلا مسألة وقت ريثما تنظِّم قوى الثورة نفسها لتسديد ضربتها القاضية بعصيان مدني، يقللّ الخسائر ويحقن الدم السوداني الغالي الذي لطالما استرخصه هؤلاء المجرمون.
لقد استطاع النظام الاسلاموي خلال انفراده بالسلطة وبموارد الدولة طيلة ما ينيف على ثلاثة عقود أن يجرِّد القوى السياسية المعارضة من قدرتها على الفعل المؤثر لزعزعة سلطته، بتفتيت الأحزاب وتقسيمها وشراء ضعاف النفوس فيها بفتات ما يتساقط من فتات كيكة السلطة والثروة، كما ونجح في تفتيت قوى مؤسسات المجتمع المدني (النقابات والاتحادات القطاعية المجتمعية) التي كانت تشكّل ومنذ ما قبل الاستقلال حائط صد وقوة ضغط سياسية ضد كل أشكال التسلط والقمع ومصادرة حقوق الطبقات الوسطى والعاملة والفئات المهمَّشة، وإحلال كيانات بديلة موالية تقودها كوادره الحزبية وحلفاؤه العقائديين وفي الصف الثالث الانتهازيون الطفيليون.
وعبر صفقات اقتسام السلطة والثروة الخاسرة والعطايا والمنح الحكومية الرخيصة، وجرجرة الأحزاب والتنظيمات المسلحة وغير المسلحة معه إلى المواقف التفاوضية ضيقة الأفق، وراء سراب جولات عبثية ما بين الوساطات العربية والأفريقية والضغوط الدولية، نجحت السلطة الإسلاموية في تحييد الأحزاب السياسية، كاشفة ظهر الهبات الجماهيرية الشبابية االعفوية وصدرها يواجه بطش اجهزة السلطة الأمنية.
ومثلما ما هو متوقع، كفرت القوى الشبابية بهذه الأحزاب والتنظيمات المسلحة، وفقدت ثقتها ليس فقط في قصورها الذاتي، وفي قدرتها على تغيير هذا الواقع المذري، بل وحتى في نواياها وما تفكر فيه وتخطط له. ومن هنا حلَّق في فضاء السخط الشعبي السؤال الذي يثير الحيرة ويورث القنوط، وهو كثيراً ما يتردد في مثل هذه الظروف: البديل منو .. أو البديل شنو؟.
وتأتي على الفور الإجابة الجاهزة التي تسكن في الذاكرة السياسية السودانية: الأحزاب السياسية ورموزها هي البديل المنطقي.
إذن لا فائدة من أي حراك يضحي فيه الناس بأرواحهم!.
ولا أمل إذن في التغيير!.
في مثل هذه الحالات يلعب الشعب السوداني لعبته الذكية الماكرة .. الصمت!.
ومما يثير الدهشة أن هذه الحيلة والخدعة ظلت تنطلي دائماً على ذكاء السياسيين في السلطة والمعارضة، رغم تجاربهم المتكررة وحنكتهم في اللعب السياسي، ورغم مهارتهم في استخدام ما تتيحه لهم اللعبة السياسية من آليات الكذب والمناورة، والحربائية في المواقف والخداع، والاتجار بالمبادئ والشعارات الزائفة، بمكيافيلية كاملة الدسم.
فالذين في السلطة يغريهم الصمت بالمزيد من التسلط والدم والفساد، حتى يهترئ نسيج ما يغطون به عورة زيف مبادئهم وما يرفعون من شعارات، ويركنون إلى الدعة والاسترخاء، فيتفرغون إلى المدافعة بينهم على الوليمة.
وأما من هم في المعارضة فمنهم من يدفعه الصمت إلى القنوط من حركة يقوم بها الشارع تهز شجرة السلطة ليلتقط ما يسقط من ثمارها، فيمد يد التحالف ذليلة لمن بيدهم السلطة، ومنهم من يكتفي بأبسط الايمان فيقاوم بقلبه، كافاً يده ولسانه.
ولحظتها تحديداً تدق ساعة الفعل المبادر ليتحرك الشارع وتنطلق الهتافات من الحناجر معلنة انتهاء آخر فصول الصمت وبدء الطوفان.
وما انتهت به آخر فصول ماريل 1985، ابتدأت به أول فصول ديسمبر 2018. الأمر الذي يؤكد مدى حيوية جينات الثورة والحرية، واستمرارية انتقالها وتواصلها بين الأجيال السودانية.
فمن شهدوا ثورة أكتوبر 1964 أطفالاً، كانوا، بعد عقدين ونيف، هم من فجَّروا ماريل ماريل 1985.
ومن شهدوا الأخيرة أطفالاً أو ولدوا إثرها، هم من فجر بعد ثلاثة عقود أو أقل قليلاً ثورة ديسمبر التي نعيش فصولها الأخيرة الآن.
وبما أن حراك سوداني كان يضيف جديداً للحراك السابق له فإن ما قامت به سلطة الإسلامويين من إضعاف للأحزاب السياسية وتفتيت لقوى المنظمات المدنية، أتاح للجماهير خارج سياج هذه المؤسسات أن تتولى مبادرة فعل الثورة من أجل التغيير ، لتلحق بها الأحزاب.
وقد كانت إلتفاتة ذكية من أحد كوادر الإسلامويين أن ينبه جماعته في السلطة قبل أن تقع رأس الثورة في رأسهم إلى “أن تدرك السلطة الحاكمة أن من تفاوضهم في أديس أبابا أو في غيرها من العواصم ليسوا هم من يعارضها أو ينافسها على السلطة، بل أن عليها أن تتخذ القرار الصحيح والموقف السليم وتدفع الاستحقاقات اللازمة من أجل السودانيين وليس من أجل السياسيين، وتحطئي أن ظنت أن من يقف في مواجتها في هذه هي المفاوضات هم معارضوها، بل هو في الحقيقة الشعب الذي ظل يدفع ثمن هذه الأجندة الضيقة للطبقة الحاكمة”، بل ذهب في نفاذ بصيرته إلى أبعد من ذلك، منبهاً إلى أن “الجميع حكومة ومعارضة أمام لحظة تاريخية فارقة وامتحان عصيب أمام إرادة شعب طفح به الكيل لا يمكن أن تهزم” (1).
ولكن الجماعة – الطبقة السياسية في الحكومة والمعارضة – كانوا في غفلة عن هذا، حتى أتاهم اليقين.
ويقين الثورة: أن الشعب يقود الساسة في السلطة والمعارضة نحو التغيير، وبناء نظام سوداني جديد، بعقد اجتماعي جديد، تقوم دولته على الحرية والمساواة والتنمية الشاملة المستدامة.
هوامش
(1) خالد التيجاني النور، ساعة الحقيقة: الحل الشامل لأجل السودانيين لا السياسيين، صحيفة سودانايل 12 كانون1/ديسمبر 2018، نقلاً عن صحيفة إيلاف ١٢ ديسمبر ٢٠١٨.
/////////////////