أستاذنا بروفسير هنود أبيا كدوف: شكراً جزيلاً ، فقد كنت على يقين أنك لن تقبل بهذا المنصب  .. بقلم: د. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

قرأت كما قرأ غيري نقلاً عن وسائط التواصل الإلكتروني وبعض الصحف الالكترونية أن السلطة الانقلابية التي تولت زمام الحكم بعد 25 أكتوبر 2021 قد عرضت عليك منصب رئيس الوزراء، في محاولة منها لفرض الأمر الواقع، وتثبيت سلطتها على الأرض. واطلعت على ذلك أيضاً في الرسالة الرصينة التي خطها د. سلمان محمد سلمان لإثنائك عن قبول العرض، كما علمت في نفس اليوم من خلال قناة الجزيرة مباشر أنك رفضت العرض، دون أي تفاصيل أخرى. وكان يقيني أنك لن تقبل بهذا المنصب في هذه الظروف ولن تعمل مع جهة انقلابية. وبالطبع فإن هذا اليقين مستمد من الصورة التي ارتسمت في أذهاننا عنك منذ عهد الدراسة وظلت ألوانها تتراكم وتتضح من خلال إسهاماتك الاكاديمية الفاعلة التي كانت محل تقدير واحتفاء من المجاميع الأكاديمية، وشكلت تصوراً عن طريقة تفكيرك حول كيفية حكم السودان، وضرورة الابتعاد عن الهيمنة والإكراه.
لست في مقام الندية والصداقة التي بنى عليها د. سلمان نصيحته وأسداها لك على الملا، وإنما في مقام التلمذة والانبهار بما حققته طوال حياتك المهنية منذ أن جئنا كلية القانون طلاباً وأنت أستاذ ملء البصر بقسم القانون الخاص. ولم يسنح لي الحظ بأن أكون في مقام الزميل، فعندما جئت الكلية أستاذا، كنت أنت قد غادرتها إلى ماليزيا.
كان قدرنا أن تكون من أوائل المحاضرين الذين تلقينا على أيديهم دراسة العلوم القانونية ونحن في الفرقة الأولى نتلمس طريقنا في شعاب كلية القانون، فكنت أحد ثلاثة أساتذة اقتسموا تدريس مادة مدخل القانون Introduction to Law، إضافة إلى دكتور محمد طه أبو سمرة ودكتور بيتر نيوت كوك عليهما الرحمة. وكان نصيبك تدريس القسم الذي يتعلق بالنظام القانوني في السودان، تعرضت فيه بصورة وافية لطبيعة الأنظمة السياسية التي حكمت السودان ومن بينها النظم العسكرية وأكثرت فيها من المقارنة مع النظم الغربية سواء كانت دائرة في فلك النظام القاري أو نظام القانون العام. وكانت محاضرات قيمة وعميقة في توضيح مخاطر اختطاف النظم السياسية عسكرياً وأثر ذلك على مسار البلاد السياسي. وقد رسخت هذه المحاضرات قيمة النظام المدني الديمقراطي في تطور الشعوب كما أوضحت مقدار الهدر الزمني والمادي الذي خصم من تطور البلاد ومن سيرها نحو دولة القانون.
ليس من حقي أن أزعم أن المبادئ التي عملت كلية القانون على ترسيخها في أذهان طلابها وسهر أساتذتها على بيانها، قد عصمت منسوبيها من السير في ركاب النظم العسكرية، فقد تولى كثير من الذين تخرجوا منها وبعض أساتذتها مناصب وزارية في حكومات عسكرية على امتداد العهد الوطني وأسهم بعضهم في وضع الأطر النظرية لها، وكانت دوافع كثيرين منهم لا تخرج عما أورده د. منصور خالد في كتابه: شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية، وهو يحاول إيجاد مبرر للتعامل مع نظام مايو بقوله: (عندما تسلمت رسالة شفوية من نميري يدعوني للانضمام إلى حكومته وأخرى من محجوب عثمان وزير الاعلام يطلب مني العمل معه كوكيل لتلك الوزارة لم أرفض ذلك لاعتبارات مبدئية، إذ كيف لي أن أفعل وأنا الذي اختار بعد تجاربه في الجزائر منهجاً يسارياً في الفكر السياسي، انعكس في أول كتاب منشور لي هو (حوار مع الصفوة) مع ذلك قررت التشاور مع الأصدقاء والآباء.) ورغم أن د. منصور نفض يده من النظام المايوي بعد سنوات قليلة وضرب بينه وبين نظام جعفر نميري عطر منشم، فإن النظر الفاحص لهذا التبرير لا يخرجه عن انتهازية سياسية تقدم النظرة الشخصية على الإطار المبدئي العام، وتعلي من شأن الاتفاق مع النظام الحاكم في أطروحاته حتى ولو جاء على ظهر دبابة.
ربما مد للكثيرين من الذين تعاونوا مع النظم العسكرية إقناع أنفسهم بصحة وجدوى التعاون مع النظم العسكرية انطلاقاً من اعتبارات فكرية، وهذا الأمر ينتفي في حالة الوضع الراهن. فالفترة الانتقالية ليست فترة تأطير فكري وإنما وضعت لها مهام محددة لا تخرج في مجملها عن إزالة تمكين نظام الانقاذ ووضع الأساس لدولة القانون وتهيئة البلاد للانتخابات بانتهاء الفترة الانتقالية، الأمر الذي يجعل يضعف من الأساس النفسي والعقلي للتعاون مع سلطات الانقلاب>
من الضروري أن نبدأ من نقطة لتوصيف طبيعة الإجراءات التي اتخذها الجيش في 25 أكتوبر والتوافق على أنها انقلاب عسكري على الاتفاق السياسي الذي تم بين قوى الحرية والتغيير من جانب والمجلس العسكري من جانب آخر، وعلى الوثيقة التي تم التواطوء عليها كأساس دستوري يضبط نظام الحكم خلال الفترة الانتقالية. وقد هدم انقلاب السيد البرهان أساس هذه الشرعية، وأنشأ سلطة أخرى قائمة على قوة السلاح. فلا مجال للحديث على نصوص الوثيقة الدستورية كوثيقة حاكمة. فالوثيقة التي يتم الاستناد عليها بعد إلغاء دور الشريك الآخر ووجوده تماماً هي وثيقة جديدة يفرضها حكم القوة. ورغم وضوح هذه الطبيعة إلا أن أصحابها لم يجدوا الجرأة للاعتراف بذلك وسعوا إلى خلق حالة من الغموض بتسميتها تصحيحاً لمسار العملية الانتقالية، وسيخلق هذا وضعاً قانونياً غريباً لبيان أساس الشرعية Grund Norm الذي تقوم عليه الصلاحيات في دولاب الدولة.
أخطر ما قامت عليه إجراءات الانقلاب في 25 أكتوبر هو مفهوم الوصاية التي ذكره السيد البرهان في فترة سابقة عندما مهد للوضع الانقلابي الجديد قبل حدوثه من خلال نذارته العامة التي أشاعها بوصايته على الفترة الانتقالية بقوله (نحن أوصياء على البلد وتحقيق أحلام شبابه، ولن تتمكن أي جهة من إبعاد القوات المسلحة عن المشهد) وبالطبع فإن شعور الوصاية شعور استعلائي يمنح صاحبه إحساساً بأنه يمتلك حقاً في التوجيه لا يمتلكه الآخرون وأنه فوق أجهزة الدولة والنظم الحاكمة. وهذا الوضع لا يتفق وأوضاع الشعوب التي تسعى إلى إقامة دولة قانون تكون الولاية فيها للمؤسسات والدستور المتفق عليه وليس للأفراد، ويناسب في ذات الوقت السعي للانقلاب على الوضع الدستوري القائم.
لا يخرج ما جرى في 25 أكتوبر عن الظروف التي حملت عليها بشدة في ورقتك الرصينة المنشورة Marginalization and Resistance: The Plight of the Nuba People والتي يمكن ترجمتها (التهميش والمقاومة: محنة شعب النوبة). فقد أرجعت أسباب الصراع التي انخرط فيها شعب النوبة إلى رفضه الخضوع لأنواع مختلفة من الإكراه قامت بها الحكومات السودانية لضمان الهيمنة السياسية، وقد ولد هذا الفعل حتماً عداوات ضد سياسات الهيمنة، وقد كانت الورقة موجهة بصورة أساسية إلى السياسات التي اتبعتها النظم العسكرية خلال اثنين وخمسين عاما من الحكم العسكري هي مجموع فترات الحكم العسكري في السودان. فمفردات التهميش السياسي والحرمان الاقتصادي والتلقين الاجتماعي والثقافي التي أشرت إليها في الورقة باعتبارها مخرجات لتلك الهيمنة، لم تكن سوى نواتج الحكم العسكري الممتد.
صحيح أنك ناقشت فيها أيضاً لبعض الحوادث التي تمت خلال الفترة الانتقالية الثانية وعلى وجه الخصوص حكومة دفع الله الجزولي، التي أعلنت إحباطها لمحاولة انقلاب يزعم أنها بإيحاء من السياسي المخضرم الأب فيليب عباس غبوش وبقيادة النوبة وعناصر جنوبية. وقد استنكرت على رئيس الوزراء مناشدته للشعب أن ينهض للدفاع عن “تراثه الثقافي” المهدد، وكان يجب أن تحدد مقدار الصدى الذي وجدته هذه المناشدة في الفترة الانتقالية الثانية. ففي ظل التدافع الديمقراطي كان لها من الاستهجان والاستنكار كبير نصيب. ولم تجد القبول الذي كان يتمناه السيد الجزولي دفع الله.
من يقرأ هذه الورقة ينتبه للورطة التي كان يمكن أن تجد فيها نفسك بين الإطار النظري الذي أوضحته فيها والواقع الفعلي بالتعامل مع قضايا المناطق المهمشة مع الوضع في الاعتبار أن جبال النوبة قد سلكت درب العصيان المسلح واجتذب أبناءها بعض الحركات العنيفة، ولم تعد جبال النوبة قبل 1989.
طافت بذهني حادثة عابرة إلا أنها عميقة الدلالة أود أن أذكرك بها وقد التصقت بذاكرتي وأتمنى أن تكون باقية في ذهنك أيضاً، ففي إحدى محاضرات قانون الأراضي التي كنت تقوم بإلقائها علينا ونحن في الفرقة الثالثة عرضت بالشرح بعض المثالب في القواعد المنظمة للأراضي التي وردت ضمن قانون المعاملات المدنية لسنة 1984 وهو أحد تشريعات حزمة قوانين سبتمبر التي أصدرها جعفر نميري في سعيه لأسلمة النظام القانوني، وتطوع أحد زملائي الطلاب بسؤالك في نفس المحاضرة، هل تمت مشاورتكم حول هذا القانون قبل إصداره، فكانت إجابتك حاسمة وحاضرة وتعبر باختصار عن رأيك في الحكم العسكري: إن العسكر لا يستشيرون وإذا طلبوا الرأي فإنهم يضعونه في السلة ويفعلون ما يريدون، ولذلك فأنت لست معنياً في تقديم آراء قانونية حول التشريعات التي يصدرها النظام الحاكم. وساهمت هذه العبارة وغيرها من الدروس في رسم صورة واضحة في أذهاننا عن معايب الحكم الشمولي وأثره الماحق في تطور النظام القانوني في السودان وتنحية أهل الخبرة إذا لم يكن لهم ولاء له.
شكراً لك أستاذنا بروفسير هنود على الاعتذار عن المشاركة في هذا الوضع الانقلابي، والتمسك بأسس متفق عليها لظروف الانتقال.
د. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
abuzerbashir@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً