صديق الزيلعي
كتب الصديق والزميل أمير زين العابدين نور الدائم، مقالا موضوعيا في الرد على مناقشتي لمقاله. ولأهمية مقاله، ولاهتمامي الحقيقي والمستمر، بفتح مساحات للحوار العقلاني والجاد، قمت بنشره في صفحتي في الفيسبوك. لعل ذلك يكون درسا للآخرين للحذو حذوه. والأهم اننا، في هذا المنعطف التاريخي، والأزمة الكارثية، نحتاج لأعمق الحوارات، وأكثرها جدية، للوصول لحلول لازمة بلادنا، المتراوحة منذ الاستقلال، وازدادت عمقا وتعقيدا، بعد هذه الحرب المجرمة. حوارات تطرح رؤى، ذات نظرة مستقبلية، تحمل تحليلا باطنيا لواقع السودان، وتنتج بدائل حقيقية، قابلة للتطبيق، وليس شعارات مجردة ومعلقة في الفضاء.
اتفق تماما، مع معظم ما طرحه الصديق أمير، في مقاله للرد على ما طرحت. لذلك لن ارجع لتلك القضايا المتفق حولها، والتي أتمنى ان نبني عليها، ونخطو خطوات للأمام في تفعليها. لكني سأناقش النقاط والقضايا التي ركز عليها الزميل في مقاله الأول وأيضا في رده.
النقطة المحورية في طرح الزميل أمير، التي اؤمن بأهميتها، هي:
” ليس فقط من يستطيع إيقاف الحرب، وإنما من سيملك القرار في السلام الذي يليها، ولصالح من ستُعاد صياغة الدولة السودانية؟”
نعم، شكل الدولة التي تعقب وقف اطلاق النار، نقطة هامة ومحورية، وتمثل التحدي امامنا، كشعب، وكقوى مدنية، وكقوى ديمقراطية تسعي لبناء ديمقراطية مستدامة وسلام وطيد.
أؤمن بأن تحقيق، ما نصبو، له، من نظام حكم مدني، وابعاد طرفي الحرب من السلطة والاقتصاد، وحل المليشيات، والعمل الجماعي الجاد، لإعادة اعمار ما دمرته الحرب المجرمة، وقفل الطريق امام من أشعلوا الحرب، للعودة للسلطة، وهزيمة ثورة ديسمبر المجيدة. هو تحدي حقيقي وهام ومصيري. لكن من الخطورة استسهاله بشعارات معممة، بعيدة عن الواقع المعاش، وعن توازن القوى الحقيقي.
السؤال هو كيف نحقق ذلك، في ظروف بلادنا الراهنة؟
الخطوة الأولى والأساسية، هي توحيد الصف المدني، ليلعب دوره، في قفل الطريق امام تسوية بين طرفي الحرب أو تصور يفرضه الخارج. توحيد الصف المدني، لا يأتي في شكل احادي. بل يمكن ان يكون في شكل تحالف، تنسيق الجهود، أو التشبيك مع استقلالية كل طرف، أو الخطاب الموحد، أمام شعبنا، وامام المجتمع الدولي.
ما أهمية ذلك الصوت المدني الموحد؟
• اتفاقنا على مستقبل بلادنا، وتمسكنا بالدولة المدنية، يضع المجتمع الدولي، بوضوح تام، امام الرغبة الحقيقية للشعب السوداني، في حكم بلاده.
• تطوير وتفعيل حوار جاد حول العملية السياسية، من موقع لا يعاد احد، ما عدا مشعلي الحرب، واطرافها.
• الصوت المدني الموحد، يعيد الثقة، لجماهير شعبنا، بعد الاحباطات المدمرة التي فجرتها الحرب، وان روح ومبادئ ثورة ديسمبر لن تنهار.
• انه يهزم حجة انصار البرهان من الشموليين بأن القوى المدنية لن تتوحد.
• يهزم محاولات بعض اطراف المجتمع الدولي لفرض البرهان، باعتباره ضمانة، لاستقرار السودان، في ظل، ما يضخمونه، حول الخلافات الحادة، غير القابلة للتوفيق، بين اطراف القوى المدنية.
• يوحد الجهود لهزيمة خطاب الكراهية، ومحاولات تهيئة الأرض، لتقسيم السودان، على أسس جهوية وعرقية.
أعلاه هو ضرورة وأهمية، أن تعمل القوى المدنية، معا، بالشكل الذي تراه مناسبا، حسب الحوار بين أطرافها.
لجعل الحوار، بيني وبين الزميل أمير، اكثر تحديدا، وملامسة للقضايا التي تهم شعبنا. اختار له، مقتطفات، مختصرة، من ميثاق اعلان المبادي، الذي تم توقيعه في نيروبي في مايو الماضي:
” ظل السودان في حالة حروب متواصلة من فجر استقلاله عام 1956. تتابعت الأنظمة على سدة الحكم فأخفقت واحدة تلو أخرى في تحقيق السلام وبناء مشروع وطني متوافق عليه، حتى باتت الحروب وعدم الاستقرار سمه ملازمة تلقي بظلالها على البنية العميقة للبلاد”
” هذه الحرب اللعينة هي في حقيقتها مؤامرة على ثورة ديسمبر وعلى مستقبل السودان “
” نؤمن ببناء دولة سودانية موحدة ديمقراطية لا مركزية فيدرالية. دولة المؤسسات وحكم القانون، التي يكون فيها الجيش مؤسسة مهنية وطنية بعقيدة جديدة تعكس تعدد السودان وتنوعه، تصون كرامة الانسان وحقوقه دون تمييز وتحمي أرض السودان.”
” اطلاق عملية شاملة للعدالة الانتقالية والمحاسبة التاريخية، تضمن المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق الوطن والمواطن، بما في ذلك قبض وتسليم المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية”
” اتباع منهج تنموي متوازن وعادل ومستدام ينحاز للفقراء والمهمشين، ويحقق ولاية وزارة المالية على المال العام ويحارب الفساد بكل اشكاله، ويزيد الإنتاج، ويكافح الطفيلية والاقتصاد الريعي، ويوفي الخدمات الأساسية لكل أقاليم البلاد دون تمييز”
” بناء الجبهة المدنية لمناهضة الحرب لتجمع كل القوى الوطنية السياسية والمدنية والاجتماعية الديمقراطية لإيقاف الحرب ومعالجة أسبابها وآثارها واستعادة مسار الديمقراطية، اذ لا سلام بلا وحدة، ولا وحدة بلا إرادة جماعية”
واقتطف من الخاتمة:
” هذا الميثاق لأبناء السودان في كل مكان – في مخيمات النزوح وفي شوارع المدن وفي المهاجر البعيدة، هو ليس مقترحات على ورق. بل صرخة أمل في وجه اليأس، وتأكيد على ان هذه الحرب لن تكون الكلمة الأخيرة في سجل السودان.”
هذا الميثاق طرح للنقاش والحوار حوله، وتطويره، ليكون أداة في تنظيم جماهير شعبنا في الداخل والخارج، في جبهة مدنية واسعة”
بعد هذا العرض السريع والمختصر لميثاق قوى اعلان المبادئ، ادعو الصديق أمير للنظر، بعمق، في بنوده، ويحدد هل هو، بداية لحوار جاد، بين كل أطراف المجتمع السوداني، بكافة قوله الحية. مع التأكيد انه قابل للتطوير والتعديل، حتى يكون معبرا عن الجميع.
