السودان والقيادة العاجزة

بقلم عمر العمر

الدولة وفق تعريفها الأبسط مؤسسة سياسية تكفل الأمن والنظام والعدالة داخل إطارها الجغرافي . التنميط يتحدث عن دولة في حالة ولادة إذ تتخلق ،دولة ناشئة ،تحقق نمواً سريعاً .هناك دولة نامية؛ ذات معدلات معيشية متدنية. دولة صاعدة وهي تكتسب وزنا سياسيًا وفق ثقلها الاقتصادي .السودان خارج التصنيف إذ هو دولة في حال الفشل إن لم يكن في حالة موات .هو ليس إمبراطورية كبيرة تتعرض للاضمحلال والتفتت من الداخل أو ضغوط من الخارج .بل يتعرض للموات بفعل عجز القيادات ؛ عاجزةٌ عن التخطيط والتنفيذ والالهام .من ثم يتعرض الشعور القومي للذبول و الموات . عبر الانجازات أو على الأقل بالممارسات توقظ القيادات الملهمة الشعور القومي لدى الشعب . هكذا يتصاعد هذا الإحساس الوطني في الهند على الايقاع الهندوسي .كذلك يتنامى الشعور نفسه على ايقاع الحضارة الفارسية ليزكي روح المقاومة لدى الإيرانيين إبان الحرب الراهنة.في الحالتين لا يشتعل العنصر الديني أو يتبدد بل يتموسق داخل الشعور القومي .

في السودان ارتهن حال الوطن غصبًا لقيادات تفتقر إلى معايير القيادات الملهمة لذلك يتدحرج الوطن على عجل لجهة الموات .فهذا الجنرال يجسّد أكبر عقد المحنة الوطنية الراهنة . فشخصيته تفتقد الحد الأدنى من مميزات القيادة العسكرية،مثلما تعوزه الشروط الدنيا للكاريزما السياسية . ليس لديه ما يرجح امتلاك رصيدٍ من الوعي الفكري .هو ابن الخرافة والأوهام . زاده روايات أجداده وتأويل الاحلام . خليط من نرجسية الغفلة وانفراط عقلية القرار . مكمن الخطر في هذا السفر الشخصي الضحل هو الانفصال عن الواقع . قوام سيرته في الحرب الأهلية استخدام العنف المفرط مع الاستثمار في الفسيفساء القبلية . وفق أفضل تقدير في العلوم العسكرية هذا ضرب من التكتيك يفتقد للرؤية الإستراتيجية . كلها صفات تؤشر إلى أن صاحبها ممن يتعلم ببطء إذا استوعب . لذلك يفضل دوما العيش داخل شبكة من التناقضات . فإن لم يجدها يصنعها . بما أنه محدود الثقافة فهو لا يدرك أن التاريخ نفسه عباره عن فوضى منظمة وأن خطأً عابرًا يمكن أن يحدث زلزالًا . هو نفسه لا يدرك أنه رئيس صدفة أفرزتها فوضى منظمة.

كما لم يكن جنرالًا محنّكاً فهو ليس رجل دولة ملهماً. رصيده العسكري العشوائي حمله إلى تدوير الجغرافيا السياسية بمنطق الاستثمار في الخلافات بين الفرقاء مثلما كان الحال في الفسيفساء القبلية. لذلك لم ير عيبًا في مقايضة المواقف الوطنية بالمكافآت . كعودة قاتل سفاح منشق مقابل سيارة . عينة من سوق الزبائنية السياسية حيث تباع القضايا الوطنية وتُشترى بالتجزئة بسعر المصالح الذاتية . في الحالتين يفتقد إلى الرؤية الإستراتيجية العابرة للزمان والمكان لأن الفوضى مناخه الأثير .قلة حيلة الفرقاء تعينه على نصب شباك الارتباك وممارسة النصب . هكذا يبدو متباهيا بانتصار باهت زائف بلا جذور . بما أنه هو غير قادر على البقاء دون إسناد ظهره إلى جدار فهو في حالة تنقلٍ متواصل من قاعدة اجتماعية إلى غيرها بلا استقرار أو اطمئنان . هو يعلم ضعف قدراته على بناء محيط شعبي يبث الأمان ويحرّضه على صناعة حاضر زاهٍ يفضي إلى مستقبل واعد . تحت ضغوط الشكوك والارتياب والعجز الداخلي لا يتردد في الهروب إلى الخارج بحثًا عن سند في الجوار .

سيرته العسكرية عارية من جسارة الصمود المشرّفة أو مغامرات الاقتحامات النافذة في حروبه الأهلية. على النقيض يعدد الراصدون غير قليل من مواقف الخذلان المنجية .من ذلك إفلاته من الرمي بالرصاص ضمن قائمة من الضباط النبلاء . لازال الحديث طازجاً مثل دماء ثلة اختارت الفداء ثباتا على الوفاء للرتب العليا . قارعو الطبول يشيدون بمهاراته المزعومة على استقطاب الخصوم قافزين فوق تحالفاته القديمة و الجديدة المغموسة في دماء الأبرياء . هم يحاولون عمداً طمس حساباته الخاطئة المفضية إلى الخطيئة الكبرى في حق الشعب والوطن . هم يحاولون تزيين هروبه حينما ترك رفاق السلاح تحت وابل النار و الجوع بزعم إنقاذ النظام . لذلك لا يصدق الشعب قارعي الطبول وحارقي البخور المتغنين بعبقريته المصنّعة وشجاعته الزائفة.

في ضحالة الفكر والوعي لم نسمع منه على كثرة كلامه أو نقرأ له اقتباسا في الأزمات المتلاحقة من مفكرٍ ،شاعر أو أديب قولا له دلالته . بل لم نشهد له بتسلسل في الأفكار والمواقف تتسق مع الأحداث .نقيضًا على ذلك يهزأ الجميع بتقلبه في المواقف وتناقضاته في الأحاديث حداً يبلغ الكذب الصراح .أكثر ما يميز خطبه الجوفاء الأسئلة البلهاء .من ذلك التساؤل عن وجود (الكيزان)داخل النظام .هو يطرح السؤال بينما كبير دعاتهم يقول أنهم موجودون داخل مكتبه. هكذا هو من فرط جهله يكون في لحظة واحدة عدوًا للجميع . بقاؤه في موقعه برهانٌ بيّنٌ على خلو الجيش من المنافسين الغيورين على مصير الدولة ومستقبل الشعب .تراكم الأزمات دليل واضح على العجز الفاضح ازاء تفكيك مشكلات الشعب وقضاياه الحياتية. المفارقة أنهم ظلوا يستخدمون لغة ثورية بينما ينحدر الوطن في الاتجاه المعاكس.

من حيل ارتباكه أنه كلما ضاق عليه الوطء لاذ إلى أحد أركان الجوار مستغيثاً . تلك ممارسة هروبية (مرضية)تفضح العوز إلى قاعدة تعزز لديه الشعور بالانتماء . انت لاتستطيع النجاة طويلًا بالهروب إلى الخارج .كما هوليس متاحًا في ماجل الأوقات . الآن صارت أبراج الصغط العالي أكثر عددا و تهديدا من جهات متباينة كان يحسبها آمنة . المشهد الإقليمي ملتهب بالنار والدخان ومرتبك بتقاطع المصالح . القيادات الناجحة هي القادرة على اتخاذ المبادرات في الاتجاه الصحيح في الوقت الملائم . لا وقت للتلكؤ لا وقت للمساومة. على قدر صناعة المواقف المشبعة بالشعور القومي يأتي الإنجاز .لدى السودانيين قناعة واسعة بأنهم على حافة الهاوية .الوطن أمام منعطفات حادة إما أن تذهب القيادات العاجزة أو تواجه الدولة الفشل حتى الموت قهرًا . الخيار الأفضل -وهو صعب الكنه ليس مستحيلًا -أن يتخذ الشعب زمام المبادرة فيتجاوز القيادة العاجزة .

نقلًا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

الجميع على حد سكاكين

بقلم عمر العمر حرب الخليج الثالثة دخلت شهرَها الثاني . الطرفان يتبادلا قصفَ الشروط تحت …