د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
تمهيد “ملخص الدراسة” : تهدف الدراسة أولا الى إقرار علاقتى الإنتماء العربية ” اللغوية – المشتركة”، و الإسلامية” الدينية- الحضارية “، للشخصية الحضارية النوبية” التاريخية – الشعوبية”. وذلك إستنادًا إلى مذهب التحديد والتكامل “الوحدة والتعدد”، الذي يؤكد علاقة إنتمائها الأخيرة، دون إلغاء علاقات إنتمائها الأخرى . وذلك من خلال تقرير أن الشخصية النوبية شخصية حضارية خاصة، تحدها- ولا تلغيها- شخصيات حضارية عامة (وطنية “سودانية..”، قومية “عربية”، دينية “إسلامية”، أفريقية” جغرافية- قارية”…).
كما تهدف الدراسة ثانيًا إلى الرد على مذهب إنكار علاقة الإنتماء العربية- الإسلامية للشخصية الحضارية النوبية، والذي يستند إلى مذهب الإطلاق ” التعدد المطلق” ، الذي يتطرف في تأكيد علاقة الانتماء النوبية إلى درجة إلغاء علاقات الانتماء الأخرى.
كرد فعل على مذاهب الإلغاء “الوحدة المطلقة”، التي تفترض- خطأً- أن تقرير الوجود الحضاري العام ، يترتب عليه إلغاء الوجود الحضارى النوبى الخاص.
وأخيرًا تهدف الدراسة إلى الرد على الدعوى التى تختزل اسباب القضية النوبية، فى بناء الزعيم الراحل جمال عبد الناصر للسد العالى، وما ترتب عليه من اغراق لمناطق نوبية فى مصر والسودان.وتقديم تقييم موضوعي لأسبابها وحلولها المقترحة ، قائم على الحقائق التاريخية، بعيدا عن الإنفعال العاطفى ” الذاتى”.
أولًا: إقرار علاقة الإنتماء العربية الإسلامية للشخصية الحضارية النوبية :
مذهب التحديد والتكامل “الوحدة والتعدد” :
ينطلق هذا المذهب من أن الوجود الحضاري العام، لا يلغي الوجود الحضاري الخاص ، بل يحده – كما يحد الكل الجزء- فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغية.
فالعلاقة بين علاقات الإنتماء المتعددة للشخصية النوبيه هي علاقة تكامل، وليس تناقضً.
طبيعة الحضارة النوبية:
و الحضارة النوبية القديمة كانت حضارة شعوبية- وليست قبلية أو قومية –
أي أن النوبيين كانوا شعبًا تجاوز الأطوار القبلية- القائمة على التجول،- وإستقر على ضفاف ،منذ مراحل تاريخية قديمة، لكن حالت عوامل تاريخية متفاعله “داخلية وخارجية”، دون يبلغ طور الأمة – اى الطور القومى. ولا يعنى هذا ان الوجود الحضاري النوبي انتهى ، بل تحول من كل حضارى قائم بذاتة، الى جزء من كل حضارى “وطني، قومى، دينى…”، يحده فيكمله ولكن لا يلغية.
لكن هذا الوجود الحضاري الخاص، اصابه التعطيل- وليس الإلغاء- نتيجة متفاعلة: داخلية “كالجمود” وخارجية “كالاستعمار”، شانه فى ذلك شأن الوجود الحضاري العام ، الذى أصبح جزء منه.
طبيعة اللغه النوبية:
اولا : هى ليست لهجه، لان هناك لمصطلح “لهجه” دلالتان:
الاولى : لغه قبلية، والشعب النوبى تجاوز الأطوار القبلية منذ مراحل تاريخية قديمة كما اشرنا .
ثانيا: أسلوب تخاطب مختلف لذات اللغة الواحدة ” مثلا اللهجات المصريه و المغربية والسودانية… فى اللغة العربية. واللغه النوبيه ليست أسلوب تخاطب للغة أخرى.
ثالثا: أنها ليست لغه قومية مشتركه لأمه معينة. لأن الجماعات الشعوبية النوبية دخلت الطور الشعوبى، لكنها لم تتحول إلى أمة، بل أصبحت جزء من امة، كما اشرنا.
علاقات الإنتماء المتعددة للشخصية النوبية:
أ/ علاقة الإنتماء الإسلامية:
اعتناق النوبيين للإسلام
تم دون إكراه، ويتضح ذلك من اتفاقية البقط (651م)، وهي هدنة بين النوبة و العرب ، استمرت قرابة ثمانية قرون.
للمزيد انظر:
- د. محمد سعيد القدال، الإسلام والسياسة في السودان.
هذه الاتفاقيه تضمنت: - الإعتراف المتبادل بالسيادة.
- تعهد بعدم إعتداء اى طرف على الاخر .
- حرية التنقل والتجارة.
- عدم فرض الدين.
نتيجة ذلك إعتنق النوبيون الإسلام – عن قناعة-بشكل تدريجى.
الرد على دعوى الاستعلاء العرقي: وهنا نشير الى دعوى أن الإتفافية تتضمن إستعلاء عرقى عربى على النوبه، لأنها تتضمن شرط تقديمهم رقيق للدولة العربية – الإسلامية فى مصر . لكن النص يحدد هذا الشرط، بالرقيق الموجود بالفعل في المجتمع النوبي، وهذا يعنى انه لم يعتبر النوبة رقيق، وان النوبه أنفسهم مارسوا الرق – كغيرهم من الشعوب- فظاهرة الرق – رغم كونها لا إنسانية- سادت فى مراحل تاريخية سابقه ،فى كل الشعوب منذ الأطوار القبلية، كحل – لا انسانى- لمشكله أسرى الحروب القبلية، إلى أن تجاوزت البشرية، فى المرحلة المعاصره.
الأثر الإسلامى على الوجود الحضاى النوبى تحديدى وليس إلغائي : فالإسلام لم يلغِ الوجود الحضار النوبي، بل حدده كما يحدد الكل الجزء ، فيكمله ولكن لا يلغية، وذلك بإبقاء ما لا يتناقض مع ثوابته، وإلغاء ما تناقض معها.
للمزيد انظر :
- عبد الهادي تميم، ص93 / هدى كمبارك، ص77)
ب/ علاقة الإنتماء العربية: مضمونها أن اللغة العربية هى اللغة القومية المشتركة، للجماعات الشعوبية النوبية، وغيرها من جماعات قبلية سودانية، بصرف النظر عن أصولها العرقية، ولهجاتها القبلية أو لغاتها الشعوبية القديمه الخاصه.
هذا يعنى أنها ذات مضمون لغوى – مشترك غير عرقى.
وان خصوصية اللغه النوبية كلغة شعوبية خاصة، تتفرع إلى لهجات قبلية نوبية لا يلغى إشتراكها مع غيرها، من جماعات قبلية سودانية ، فى استخدام اللغة العربية، كغة تخطاب قومى مشترك.
ولا نعنى باللغه العربية هنا شكلها القياسى” المعجمى”، بل اللهجة السودانيه بماهى محصله تفاعل اللغه العربيه مع اللهجات القبلية واللغات الشعوبيه القديمة، السابقه على دخول الإسلام السودان، ومنها اللغه النوبية.
وهنا نشير إلى ما قرره العديد من الباحثين ،أن اللغة العربية فى السودان، تحتوي على نسبة كبيرة من المفردات النوبية، كاسماء الأماكن الجغرافية، وأدوات الزراعه وطقوس الزواج…
للمزيد انظر :
- عبد الهادي تميم، مرجع سابق، ص91–93.
ج/ علاقة الإنتماء الوطنيه: علاقة الانتماء الوطنية ” ذات المضمون الجغرافى- الإقليمى” تحدد علاقة الإنتماء النوبية ” ذات المضمون التاريخى – الشعوبى كما اشرنا”، فتكملها و لا تلغيها.
د/ علاقة الإنتماء الإفريقية: ذات مضمونين:
المضمون الاول: رئيسى: جغرافى قارى، تشمل كل الأمم والشعوب والقبائل، التى تقطن فى قارة افريقيا. المضمون الثانى : ثانوى: إجتماعى حضارى، غير أن ما هو مشترك بين هذه الأمم والشعوب والقبائل، لا يرقى إلى درجة تكوينها لوحدة إجتماعية حضارية ، اى ان افريقيا ليست أمة واحدة.
هـ/ علاقات الإنتماء العرقي: اختلف الباحثون فى الأصل العرقى للجماعات الشعوبية النوبية:
الرأى الاول: أنها ذات أصل سامى” قوقازى ، نوبادى، شمال افريقى، مصرى…”.
الرأى الثانى: أنها ذات أصل حامى.
الرأى الذى نرجحه: أنها محصلة اختلاط كل هذه الأصول العرقيه المتعدده ، منذ مراحل تاريخية قديمة، فهى ليست سامية خالصه أو حامية خالصة، بل هى سامية- حامية، أو متجاوزة للتقسيم ” سامى أو حامى”.
ثانيًا: الرد على مذهب الإنكار
مذهب الإطلاق “التعدد المطلق” (الشعوبية):
يرتب على الإقرار بعلاقه الإنتماء النوبية للشخصية النوبية ،إلغاء علاقات إنتمائها الاخرى.
فهو يتجاهل- المستوى الوطنى- حقيقة أن الجماعات الشعوبية النوبية، اكثر تمثيلا لعلاقه الإنتماء النوبية من غيرها من جماعات قبلية سودانية، لكن دون أن تنفرد بها، فهى تمتد فتشمل- بالأثر الحضارى- كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية ، وبالمصاهره كثير من الجماعات القبلية السودانيه فى شمال ووسط السودان، وبالهجرة جماعات قبلية فى غرب السودان ” كردفان و دارفور “.
كما أن هذا المذهب يتجاهل- على المستوى الاسلامى حقائق تاريخيه مثل:
- أن الشعب النوبى مسلم بنسبه ١٠٠%.
- دور العلماء النوبيين الذين درسوا فى مصر” الازهر”، وبلاد اخرى.. فى نشر الإسلام فى السودان وافريقيا. فاغلب الجماعات القبليه العربيه، التى وفدت إلى السودان، لم تكن حين وفودها، ذات إهتمام كبير بالتعليم العام والدينى.
(الطيب محمد الطيب/ حسن مكى/فضل الله أحمد عبد الله).
ثالثًا: مذهب الإلغاء “الوحدة المطلقة”:
يقوم على إلغاء علاقه الإنتماء النوبية الخاصة، بعلاقات الإنتماء العامة.
مثال: مذهب العصبية القبلية العربيه، احتجاجا بالإتى:
اولا: ان الشعب النوبى ليس سلالة عرقية لعرب الجاهلية، فهو يستند إلى معيار عرقى ، موروث من الأطوار القبلية، ويتجاهل أن الإسلام ارتقى بالعرب إلى طور أمه- القومى- والذى معيار الإنتماء إليه لغوى غير عرقى( فمن تكلم العربية فهو عربى).
ثانيا: احتفاظ الجماعات النوبيه باللغه النوبية بلهجاتها المتعددة، كلغة تخاطب خاصة، في حين أن ذلك لا يلغى إشتراكهم فى استخدام العربيه كلمه تخاطب قومية مشتركه .
(علي عبد الرحمن/ محجوب الباشا).
رابعًا: الرد على دعوى إختزال أسباب القضية النوبية فى اغراق السد العالى لمناطق نوبية :
أولًا: التقييم السليم:
التقييم السليم يقوم على:
تجاوز التقييم العاطفي،
والاعتماد على الوقائع التاريخية.
حقائق أساسية:
القضية النوبية سابقة على ثورة 1952.
فكرة السد العالي سابقة على عبد الناصر .
تهجير النوبيين بدأ منذ 1902 (خزان أسوان).
موقف عبد الناصر من القضية النوبية:
أولًا: المستوى النظري:
من خلال خطابه في النوبة (11/1/1960)، يتضح:
- إقرار مبدأ المواطنة الكاملة
- مساواة النوبيين بغيرهم في الحقوق والواجبات.
- الإقرار بوجود آثار سلبية للسد العالي:
- الاعتراف بأن المشروع له تكلفة اجتماعية.
- الإقرار بوجود القضية النوبية أصلًا:ومنها:
العزلة،تشتت الأسر،ضعف التنمية. - الإقرار بالشخصية الحضارية النوبية: الاعتراف بتاريخها وخصوصيتها.
- الإقرار بحق إعادة التوطين وعدم التشتيتت.
- التأكيد على تجميع النوبيين.
- الإقرار بضرورة المعالجة المؤسسية:
عبر أجهزة الدولة “الاتحاد القومي” حينها.
ثانيًا: المستوى التطبيقي
قام عبد الناصر بعدة إجراءات، منها:
- إعادة توطين النوبيين في مناطق اخرى (1963)
- إنشاء قرى جديدة.
- محاولة توفير مساكن بديلة.
- تقديم تعويضات مادية.
- إنشاء بنية خدمية أولية:
مدارس،خدمات صحية، مرافق أساسية.
لكن إعادة التوطين تمت بشكل إداري سريع نسبيًا،
دون مراعاة كافية للبعد الثقافي والاجتماعي.
المشكلات التي ظهرت:
اختلاف البيئة (نهرية → صحراوية). وما إلى إلى آثار سالبة تمثل فى: - فقدان نمط الحياة التقليدي.
- ضعف التعويضات مقارنة بالخسائر.
- مشكلات في ملكية الأراضي.
- صعوبة التكيف الاقتصادي.
أسباب عدم اكتمال معالجة القضيه النوبيه فى مصر :
- الحروب:1967 “النكسة”. وحرب الاستنزاف.
- وتوجيه الموارد للدفاع.
- البيروقراطية: وما يلازمها من ضعف التنفيذ وتأخر الإجراءات.
ضعف التنفيذ..
القضية النوبية بعد عبد الناصر:لم تُحل القضية، بل تفاقمت بسبب:
- التحولات الإقتصادية، التحول إلى تطبيق النظام الاقتثادى الرايمال ، تحت شعار” الانفتاح الاقتصادى” ، وما ترتب عليه من:
١. إعطاء الأولوية للقطاع الخاص.
٢. أولوية الاستثمار على خدمه المناطق المختلفه بمافة ذلك التوطين.
٣.تراجع دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية.
٤.التخلى عن التخطيط الاقتصادى الشامل، الذى يتضمن تنميه المناطق المختلفه…
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم