الصحة شأن سياسي (2) .. بقلم: بروفيسور حسن بلّه محمد الأمين*
23 يونيو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
87 زيارة
ذكرنا في مقالنا السابق (١) أن الصحة قضية سياسية اجتماعية تحتاج لحلول سياسية اجتماعية وليس لحلول تقنية. وأن القاعدة يجب أن تكون “إهتم بالناس وسيهتم الناس بصحتهم.” وأن على حكومة الثورة تبني هذا المفهوم الشامل والعميق للصحة ومن ثم الوفاء بإنفاذ ما ورد في المقال الاول من متطلبات الصحة الأساسية والتي لخصناها في توفير: المسكن، الغذاء، التعليم، الأمن والسلام، الدخل الشهري الكافي، الموارد المستدامة، النظام البيئ المستقر وتحقيق العدل الاجتماعي.
في هذا المقال والمقالات التي تليه نبدأ سلسلة نأمل أن تكون خارطة طريق للصحة في سودان الثورة وستحمل هذه السلسلة عنوان:”الصحة شأن سياسي.” ولا أعتقد أن هناك خلافاً حول أن صحة الإنسان في السودان وفي أي مكان أولوية. وكما يقول الدكتور ماهلر المدير الأسبق لمنظمة الصحة العالمية “الصحة ليست كل شئ ولكن كل شئ بدون الصحة لايساوي شيئاً.” وقبله بأكثر من ألف عام ثمن رسولنا الصحة فقال:” لم يؤت أحد بعد اليقين خيراً من العافية.” بل جعلها من الاولويات حين قال في حديث صحيح: “من بات آمناً في سربه معافيً بدنه، يملك قوت يوميه فكأنما حيزت له الدنيا.” والاستثمار في صحة الإنسان استثمار في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لقد غابت هذه المعاني عن ساسة النظام البائد فكانت ميزانية الصحة الفتات. ولم توجه الميزانيات لمتطلبات الصحة فكان الفقر والجوع وكلاهما عدوً للصحة وكان المسكن عسيراً والتعليم مستعصياً على عامة الناس وتدهورت صحة البيئة مما زاد الأمراض والأوبئة وغاب الأمن والسلام فكانت الحروب والقتل الجماعي والنزوح والتهجير وغاب العدل الاجتماعي فكان التهميش وإهمال الريف.
غابت السياسات الصحية الرشيدة فتدهورت المؤسسات الصحية والخدمات فهجرها الناس إلى الطب الخاص فأقيمت المستشفيات خمسة نجوم والتي يستثمر مالكوها (ولا نقول كلهم) في أوجاع الناس وأمراضهم. وشاع إعتقاد خاطئ أن الصحة ترتبط بوجود المستشفيات المجهزة بالتقنيات المعقدة الباهظة التكاليف. الواقع والحقيقة أن هذه المستشفيات مرتبطة بالمرض وليس بالصحة وصدق من سماها “قصور المرض” (Disease Palaces). انتشرت هذه المستشفيات خصماً على المستشفيات الحكومية وخصماً على حق المواطن البسيط في العلاج.
لقد صارت تكلفة العلاج أمراً غير مقدور عليه بسبب الفقر مما دفع بالكثير من المرضى إلى المداواة الذاتية وما تجلبه من مخاطر ومضاعفات وإليك مثال الفشل الكلوي؛ فقد أثبتت نتائج الأبحاث أن خمس من يرتادون مراكز غسيل الكلى كان سبب الفشل الكلوي لديهم التعاطي الذاتي للأدوية المسكنة للألم كا لبروفين والفولتارين.
وإذا وضعنا في الإعتبار تكدس الخدمات الصحية في العاصمة والمدن الكبيرة وتراجع مستويات الخدمة في الأقاليم وغياب الأطباء والكوادر الصحية المؤهلة هناك فإن الأمر يزداد تعقيداً.
من مظاهر عدم الرضا عن القطاع الصحي عموماً والقطاع الصحي بالتحديد في بلدنا تحول المهنة النبيلة إلى ما يشبه التجارة والماكينة التي تضخ المال وقد وصف ذلك أحد العلماء بأنه تحويل الطب إلى تجارة (Commercialzation of medicine) ووصفه آخر بأنه تحويل الحياة إلى طب وتطبيب (Medicalization of Life) إن هدف الطب والأطباء يجب أن يكون الحفاظ على صحة الناس والتلطف بهم لا سلبهم قواتهم وأقواتهم وهذا هو المقصود بنبل المهنة التي قال عنها الإمام الشافعي: “لا أعلم بعد الحلال والحرام علماً أنبل من الطب.” اتفق الأقدمون والمحدثون أن هدف الطب “حفظ الصحة إذا كانت موجودة وردها إذا كانت مفقودة”
كنت قد ألقيت محاضرة بعنوان “صحة الإنسان في السودان: اين كنا وأين نحن الآن وإلى أين نتجه؟” وذلك بمركز عبد الكريم ميرغني بأم درمان في يوم ٢٩ مارس ٢٠٠٥ ولنرى ماذا حدث بعد ذلك في مقالنا القادم إن شاء الله.
ب حسن بله، مستشار مجلس التخصصات الطبية، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة سابقا والجامعات السعودية ومدير الاتحاد العالمي للمحررين الطبيين سابقا
hassanbella@yahoo.com