الطريق إلى هارلي ستريت: سيرة ذاتية، لويليام بايام، ترجمة طارق عبد الكريم الهد  .. بقلم: الدكتور عبد الله الفكي البشير


تقديم
هذا الكتاب: الطريق إلى هارلي ستريت: سيرة ذاتية، هو ترجمة لكتاب The Road To Harley Street الذي وضعه الطبيب البريطاني الدكتور ويليام بايام (1882- 1963)، وهو من الرعيل الأول من البريطانيين الذين خدموا في السودان إبان الحقبة الاستعمارية. مثَّل الكتاب الجزء الثاني من السيرة الذاتية للدكتور بايام الذي عمل في الجيش البريطاني بعد تخرجه في كلية طب سانت جورج في لندن، والتحاقه بالسلاح الطبي الملكي البريطاني عام 1905. ضمَّن كتابه هذا، وصفاً موسعاً ومفصلاً ودقيقاً وفي غاية الأهمية والمتعة لفترة عمله في مصر والسودان التي انتهت أثناء الحرب العالمية الأولى (1914- 1918). لقد عبَّر بايام عن شعوره تجاه السودان ومصر، عند انتهاء فترة عمله ومغادرته، قائلاً: “في صيف عام 1916 سافرت وزوجتي من ميناء بورسعيد على متن سفينة ناقلة للجنود، وعلى الرغم من ظروف الحرب، … على الرغم من أنني كنت حزيناً لفقد ابنتي الوليدة، لكن أيضاً حزنت لفراق مصر والسودان، ذينك البلدين اللذين أعطيتهما عشرة أعوام حسوماً من أجمل سنين عمري. كنت لا أزال في سن الرابعة والثلاثين”. صدر الكتاب باللغة الإنجليزية في طبعته الأولى في لندن عام 1963 قبل تسعة أشهر من وفاة مؤلفه في نفس العام. ليبعثه لنا الآن معرباً، وبعد ستين عاماً، الطبيب الاستشاري السوداني الدكتور طارق عبد الكريم الهد، ضمن مشروع بحثي مفتوح ومستمر، يقوم على ثلاثة محاور، وكان المحور الثالث منها، هوـ: سلسلة الطب والصحة في السودان. ويمثّل كتاب الدكتور ويليام الكتاب الرابع من هذه السلسلة التي آثر الهد أن يخدم بها السودان، ويسهم بها في الإرث البشري، حيث كتب، قائلاً: “يسعدني أن أضع بين يدي القارئ، النسخة الرابعة من )سلسلة الطب والصحة في السودان(، والتي آليت علي نفسي أن أرفد بها المكتبة التوثيقية في بلدي السودان، وكمساهمة أيضاً في الإرث البشري…”.
يقوم المشروع البحثي للدكتور الهد في مجال تاريخ الصحة والطب في السودان، كما أخبر القراء في مقدمته، وقد ظللت من المتابعين لتطورات مشروعه، على ثلاثة محاور تجيء باللغتين العربية والإنجليزية، وتجمع بين البحث والترجمة. اشتمل المحور الأول علي سلسلة مقالات عن تاريخ الطب، وتراجم لسير بعض أساطين وأقطاب الطب في السودان. وتمحور المحور الثاني حول إعداد مرجع جامع عن تاريخ الطب والصحة في السودان باللغة الإنجليزية، وقد فرغ الدكتور الهد من كتابته في جزئيين، صدر الجزء الأول منهما بعنوان: Colonialism & Medical Experiences in the Sudan 1504-1956، )2020(، وبالطبع سيلحقه الجزء الثاني. ولديه كذلك تحت الإعداد، باللغة الإنجليزية، بحث عن دور الجمعيات التبشيرية المسيحية في الطب والخدمات الصحية في السودان (1843-1964)، مع ملحق مختصر عن دورها في التعليم، ولديه أيضاً كتاب بعنوان: Kitchener School of Medicine, A History of An Era 1924-1956 مدرسة كتشنر الطبية: تاريخ حقبة 1924-1956. أما المحور الثالث من المشروع البحثي فهو سلسلة: الطب والصحة في السودان، وهي تُعني، كما بيَّن الهد، بترجمة العديد من الكتب والإصدارات التي تحتوي على معلومات أو تجارب ذات صلة بتاريخ الطب في السودان. وقد نشر الهد ثلاثة أعمال تحت مظلة هذه السلسلة، أورد تفاصيلها في مقدمته لهذا الكتاب.
القادمون من مجال العلوم الطبية وسد الفراغ في الدراسات التاريخية السودانية
في تقديري أن هذا المشروع البحثي الذي يقوم به الدكتور الهد، الطبيب والأستاذ في الطب، مشروع كبير ونبيل، وقد ظل يعمل فيه بمجهود فردي، وبتمويل فردي كذلك، مع التزام صارم بالجد والإتقان والاستمرار، وهو لا يرجو سوى خدمة السودان والإنسان. لقد جاء الهد من مجال العلوم الطبية، للإسهام في مجال التاريخ، باحثاً ومترجماً، بعد أن تبدى له قصور الدراسات التاريخية في السودان. ففي العام 2003، احتاج الهد، كما أوضح لي، بعض المعلومات التاريخية عن تاريخ الصحة والطب في السودان، فبحث، ولكنه لم يجد ما يصبو إليه، بل لاحظ أن هناك غياباً شبه تام لتاريخ الصحة والطب في السودان. فما كان من الهد إلا وأن قرر على الفور وبهمة المثقف المهموم بالواجب الثقافي والوطني والأخلاقي، والمعني بتنمية الوعي وخدمة التنوير، الإسهام في سد الفراغ الذي وقف عليه. وقد بيَّن الهد ذلك، قائلاً: “هذه السلسلة تأتي ضمن ما أحببت أن أُسهم به في سد الفراغ في تاريخ الطب والصحة في السودان…”. وهنا ملاحظة مهمة وجديرة بالذكر، وهي تتصل بالإسهامات الكبيرة والنوعية التي قدمها القادمون من مجال العلوم الطبية لخدمة الدراسات التاريخية في السودان. وتسوقنا هذه الملاحظة إلى ضرورة الاحتفاء بأعمالهم ومشاريعهم، وأهمية تأملها وتفحصها.
يصعب رصد كل الذين أسهموا في مجال الدراسات التاريخية في السودان، من القادمين من العلوم الطبية، سواء بالبحث والكتابة في تاريخ الصحة والطب والتوثيق الطبي في السودان، أو بالترجمة أو بكليهما، في هذا التقديم. ولكن يمكننا، إلى جانب مشروع الدكتور الهد، الإشارة إلى بعض الأسماء على سبيل المثال، لا الحصر، مثل: البروفيسور (طبيب) أحمد بيومي، الذي كتب عن تاريخ الصحة والخدمات الطبية في السودان، ومن كتبه: (1979) The History of Sudan Health Services؛ والخدمات الطبية 1820-1970: تاريخ المرض، (2002)؛ والخدمات الطبية 1820-1970: المنظومة الصحية للرعاية، (2002)؛ وغيرها. كذلك يعمل البروفيسور (طبيب) أحمد الصافي في مشروع بحثي يتمحور حول الطب الشعبي وتوثيق التراث الطبي في السودان، وقد استهله بكتاب صدر عام 1970 بعنوان: Native Medicine in the Sudan: Sources, Concepts, and Methods  ، وكذلك أصدر كتاب بعنوان: Traditional Sudanese Medicine (2007)، ولديه سلسلة تاريخ الطب وسيرة الرواد في السودان، وهي سلسلة من الكتب التي توثق لحياة وعطاء العلماء الذين أسهموا في إرساء الخدمات الطبية السودانية، وترصد كذلك معالم تطور الخدمات والتخصصات الطبية خلال القرن العشرين. ولديه دراسات أخرى لا يسع المجال لرصدها. كما نهض البروفيسور بدرالدين الهاشمي، أستاذ علوم الأدوية، بمشروع يصب في خدمة تاريخ السودان وأفريقيا، من خلال الترجمة لكتابات الغربيين عن السودان. جاء المشروع تحت مظلة سلسلة: السودان بعيون غربية، وقد بلغ عدد الكتب التي صدرت تحت هذه السلسلة (13) كتاباً، تعرَّضت لثلاثمائة وخمسين كاتباً غربياً. تناول هؤلاء الكُتاب نحو ثلاثمائة وثلاثين موضوعاً، يتصل جُلها بالحقبة الاستعمارية في السودان، وعبَّر بعضها عن المناخ الاستعماري أيام التكالب الأوروبي على أفريقيا، ودار بعضها الآخر حول دراسات الاستعمار، وقد تشرفت بإعداد تقديم للكتاب الثاني عشر من هذه السلسلة. استهل الهاشمي مشروعه في بداية تسعينات القرن الماضي، وانجز إلى جانب هذه السلسلة عدداً من الكتب والمقالات. ولدينا أيضاً الدكتور (طبيب) حسن بلة الأمين الذي وثق لمدرسة القابلات التي نشأت في أم درمان عام 1920، ودرس طبيعة وظائفها، ووقف قبل ذلك عند مؤسسة قابلات القرية ودورها في الرعاية الصحية للأمهات والأطفال، وذلك ضمن كتابه: أطباء السودان الحفاة: قصة نجاح بهرت العالم (2012). وهناك إسهامات البروفيسور (طبيب) أحمد عوض عديل، ومنها: “When history was made in Khartoum Civil Hospital: First introduction of chemotherapy for schistosomiasis” (1976);  “A relic of the Wellcome Tropical Research Laboratories in Khartoum (1903-34), (2016).
إن أهمية إسهامات الدكتور الهد وكذلك القادمين من مجال العلوم الطبية، وقيمتها في مجال حقل الدراسات التاريخية، لا تقف في حدود الخدمة العلمية الجليلة، إذ سدت فراغاً كبيراً في مجال التاريخ، وإنما تزداد الأهمية من كونها كشفت عن قصور الدراسات التاريخية السودانية في الكثير من مجالات التاريخ.  لقد تمحور الاهتمام في دراسة تاريخ السودان، إلى حد كبير، في مجالي التاريخ السياسي والعسكري، مع إهمال كبير لمجالات عديدة، منها على سبيل المثال، لا الحصر، تاريخ الطب، وتاريخ الصحة، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الاقتصادي، وتاريخ الأفكار، والتاريخ الفكري، وتفكيك الذاكرة الاستعمارية، مع غياب لدراسات ما بعد الاستعمار. ويكاد الباحث لا يجد أثراً، سوى نزر يسير جداً، لعلم التاريخ الجديد  الذي أدخل مفاهيم جديدة في الدراسات التاريخية، مثل: التاريخ والأمد الطويل، وتاريخ البنى، والأنثروبولوجيا التاريخية، وتاريخ الثقافة المادية، والتاريخ الآني، وتاريخ الجسد، والجنس، وتاريخ الذهنيات، وتاريخ الهامشيين، والمهمشين والمنبوذين والصامتين في التاريخ التقليدي، والشرائح الاجتماعية الغائبة في سجلات السلطة، وتاريخ المتخيل، وغيرها. بالطبع هناك استثناءات وإشراقات، ولكن، لا جدال في أن هناك الكثير مما يجب القيام به.
وفي واقع الأمر أن قصور الدراسات التاريخية في السودان يذهب لأبعد مما أشرنا إليه، فقد لاحظت أن بعض أساتذة التاريخ في السودان اتخذوا موقفاً مقاطعاً لبعض مجالات التاريخ، وتبنوا منع الحوار عن تلك المجالات في تجمعاتهم. أذكر أنني دفعت بدراسة تتصل بتاريخ الأفكار والتاريخ الفكري، وهي عن المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه في مجموعة الجمعية التاريخية السودانية على الواتساب، وهي مجموعة تضم في عضويتها نحو (150) من الأستاذات والأساتذة السودانيين الذين يعملون في مجال التدريس الجامعي. وفوجئت، وأنا عضو في الجمعية، بأن إحدى الاستاذات أفادت بأن قراراً اتخذ من قبل بأغلبية الأعضاء بأن هناك مواضيع لا تناقش في هذه المجموعة، وأوضحت بأن “أولهما؛ عن الإرث اليهودي في السودان وقصة الهيكل أو محراب سيدنا سليمان. وثانيهما؛ الكتابات الخاصة بالفكر الجمهوري”. وأضافت الدكتورة، قائلة، “ومن يومها والجميع ملتزم بذلك باتفاق جمعي”.
ومما يؤسف له أشد الأسف، أن هذه المواضيع المبعدة، وقد أبعدت حسب تقدير أعضاء الجمعية التاريخية، وكلهم من المتخصصين في التاريخ، هي من أهم مجالات التاريخ. لم يحتج أي من الأعضاء عن ما ورد بشأن تلك المقاطعة، بل دافع بعض الأساتذة عن القرار، وقال أحدهم إن الكل متفق على ذلك. إن مثل هذه المواقف تكشف عن حال ومستوى دراسة وتدريس التاريخ في السودان، فإذا كان أساتذة التاريخ يمنعون في مجالسهم مناقشة مجالات حيوية وحية في حقل التاريخ، فما بالك بواقع تدريس التاريخ للطلاب. بلا شك أن مواقف الأساتذة من تلك المجالات ستتنزل في واقع التدريس، ولهذا فإننا لا نتوقعهم أن يناقشوا طرفاً من تلك المجالات مع الطلاب، دعك من توجيه الطلاب لإجراء البحوث في تلك المجالات. وهنا تتجلى علل إضافية في الدراسات التاريخية في السودان، هذا البلد الذي يتميز بأصالة التعدد الثقافي وقدمه. يبدو أننا في حاجة لخدمات أوسع من قبل القادمين من مجال العلوم الطبية، كون الدراسات التاريخية في السودان تعاني مشاكل كثيرة في الدربة والدراية والأداء.
دكتور الهد واستعادة الذاكرة الاستعمارية والحاجة لاستكمال الاستقلال
يكتسب هذا الكتاب قيمته، إلى جانب إسهامه، ضمن المشروع البحثي للدكتور الهد، في سد الفراغ في مجال تاريخ الطب والصحة في السودان، من أنه يصب في جهود استعادة الذاكرة الاستعمارية، وهي جهود، لا تزال، متواضعة في السودان، ويسهم في فتح ملف الإرث الاستعماري للدراسة والتنقيب في سبيل التحرير واستكمال الاستقلال. فالمؤلف الدكتور بايام وصل مصر عام 1906 وعُين أخصائياً للعيون في جيش الاحتلال البريطاني. وما لبث أن جاء للسودان في مهمة إسعاف الحاكم البريطاني العسكري لكسلا بشرق السودان، ورجع بعدها إلى مصر. وقد قدم وصفاً دقيقاً لرحلته، اشتمل الوصف على الكثير من المعلومات المهمة. ومن ثم عاد مرة أخري للعمل ضمن طاقم الإدارة الاستعمارية في السودان، كمفتشٍ طبيٍ لكسلا، ثم أصبح المدير الطبي في الخرطوم. تميز الدكتور بايام بخصائص جعلت الدكتور الهد يصفه، قائلاً: “كان طبيباً مميزاً، نابهاً، حاذقاً، … ذو مواهب متعددة، إذ نبغ في علوم الطب منذ أيام دراسته في مدرسة “سانت جورج” الطبية، إحدى أعرق كليات الطب في بريطانيا. بايام سليل أسرة إنجليزية عريقة لها في العسكرية والطب والعمل الكنسي تاريخ مشهود”. لقد قام الدكتور بايام بأعمال إنسانية مقدرة سواء في مصر التي وصف أهلها بأنهم: “يعانون من أمراض العالم القديم”، أو في السودان حيث كان له دور عظيم في محاربة أمراض السل والبلهارسيا والملاريا وحمى التايفويد، كما يرجع له الفضل في تشييد أول مستعمرة لرعاية مرضي الجذام في حدود السودان الشرقية في مدينة القلابات. وكان تشييد المستعمرة من هبة مالية خيرية جمعتها والدته من صديقاتها في إنجلترا، بطلب منه، عندما رفض رؤسائه البريطانيون في الخرطوم الصرف على ذلك المشروع. كما قاد بايام مواجهات مع المسؤولين البريطانيين بشأن حماية السودانيين من الأمراض المعدية القادمة، سواء من مصر أو الحبشة، بضرورة إجراءات حجر صحي (كرنتين).
وعلى الرغم من كل هذه الخصائص التي تميز بها الدكتور بايام، والأعمال التي قام بها، إلا أنه لا يمكن النظر إليه سوى أنه عضو في طاقم إدارة استعمارية، سعت لخدمة بلادها، عبر الاستحواذ على خيرات السودان، ونهب ثرواته، واستغلال إنسانه. ولا يمكن فهم أعمال أي عضو من أعضاء الحكم الاستعماري، إلا في إطار السياسة الاستعمارية، فهو لا يخرج عنها، ولا يحيد عن خدمة بلاده الاستعمارية، وإن تبدت في بعض أعماله المسحة الإنسانية. والاستعمار في السودان، كما هو الحال في كل البلدان المستعمَرة، خلف إرثاً معرفياً وثقافياً وخلد ذاكرة استعمارية، ولا سبيل لاستكمال الاستقلال، إلا بنقد تلك الذاكرة، وتفكيك المعرفة الاستعمارية، وكنس ما ترتب عليها. فالإرث الاستعماري، في تقديري، هو أحد أهم أسباب القعود في السودان. فلقد تسربت المعرفة الاستعمارية إلى حياة وفكر وعقول الشعوب التي خضعت للاستعمار، كما أن خروج المستعمر من الأرض، لا يعني الاستقلال، فالاستعمار لايزال باقياً، وتتجلى معرفته وإرثه في صور عديدة.
فصَّل الدكتور بايام في تجربته، وفي قصص الأعمال التي قام بها في السودان، وكل تلك التفاصيل تعين كثيراً في فهم البدايات وتاريخ الأمراض في السودان، خاصة “أمراض العالم القديم”، كما وردت الإشارة. وفي تقديري، وفق الهد توفيقاً كبيراً في ترجمته بعد أن جعل النص سلساً وشيقاً وممتعاً للغاية. حكى بايام ما يُعين على فهم التأسيس الاستعماري لمدينة الخرطوم، عاصمة السودان. فقد كتب، قائلاً: “بنيت الخرطوم وفقاً لخارطة أعدّها اللورد كتشنر. الشوارع مستقيمة وخُطّطت بعناية، ويبدو أن تصميمها تم ليماثل علم الاتحاد البريطاني. من الواضح أن ذلك التخطيط قد تم ليتفق مع رؤية استراتيجية، حيث يمكن لقليل من المدافع أن تسيطر على أي تحرك حول المدينة لقوات متمردة”. وهذا ما يجعلنا ندعو لتحرير الخرطوم من الإرث الاستعماري، والعمل على سودنتها سواء بإعادة تخطيطها أو بتحريرها من الاستراتيجية الاستعمارية، وصفوية المزاج التي قامت عليه.  وهنا لابد من الإشارة إلى ما ظل يردده بعض المثقفين السودانيين بأن “الخرطوم تريفت”، ويذكرون بأن الساكن في أرقى أحياء الخرطوم عندما يفتح باب منزله أصبح يجد الحمير على مقربة من منزله. إن ما ذهب إليه هؤلاء المثقفون في قولهم إن “الخرطوم تريفت”، يجعلنا في حاجة لدراسة الإرث والأثر الاستعماري في بناء العاصمة الخرطوم. فهي قد بنيت برؤية الاستعمار لخدمة مصالحة، وعندما وصل أهل العاصمة الخرطوم، من أقاليم السودان المختلفة، بعد خروج المستعمر بعقود من عاصمة بلادهم، ولأنها لم تبن لهم أو لخدمتهم، عبَّر المثقف السوداني، قائلاً: “الخرطوم تريفت”. وهذا ما يدعونا لتجديد الدعوة بضرورة العمل على نقد المعرفة الاستعمارية وتفكيكها.
أودع بايام في كتابه معلومات مهمة للغاية كان قد حصل عليها من السردار، سير ريجنالد وينجت (1861- 1953)، الحاكم العام للسودان خلال الفترة (1899- 1916). فقد حدث أن مرض السردار، فطلب من الدكتور بايام أن يرافقه ويقيم معه في قصر الحاكم العام في الخرطوم للأشراف على العناية به. انتقل بايام للإقامة في القصر، وظل هناك حتى انتقل مع السردار إلى القاهرة للعلاج في مايو 1914. اتاحت هذه الرفقة الفرصة للدكتور بايام  بأن يكون لصيقاً مع السردار الذى حكى له الكثير من المعلومات عن أوضاع السودان، وعن السياسات البريطانية في السودان بشأن التعليم ووضع اللبنات الأولى للقانون، والخدمة المدنية، وغيرها. لقد تحدث السردار للدكتور بايام “عن الدور الذي قام به في إعادة بناء السودان”، ليعلق بايام تعليقاً يظهر شخصيته الاستعمارية، فقد كتب، قائلاً: “ولم يساورني أدنى شك أن ذلك الدور كان هو الرائد في كل ذلك الإنجاز، وأن بريطانيا لها أن تحس بالفخر من أعمال أبنائها”. كذلك بيَّن بايام، من خلال ما حكاه له السردار، عبارة كثيراً ما يرددها الناس وهي أن السودان لم يكن تابعاً لوزارة المستعمرات البريطانية، دون معرفة البعض لمعنى عدم تلك التبعية. كتب، بايام، قائلاً: “لم يكن السودان مستعمرة على حسب قانون الحكم الثنائي، إذ لم يكن مسموحاً للبريطانيين بالإقامة الدائمة، أو تملك الأراضي والعقارات، وكان واجبهم يتمثل في رفاهية وأمان السكان”. وأضاف بايام مدافعاً عن الرؤية الاستعمارية، قائلاً: “إن ما يقوم به البعض في بريطانيا بمحاولة بذل الاعتذار لما يسمونه (المستعمرات البريطانية). شيء يثير الغيظ، إذ إن أولئك أشخاص لهم قليل إدراك، أو جهلٍ عمّا تمّ إنجازه في تلك الدول. نحن أولئك الذين بذلنا سنين عدداً من زهرة شبابنا لمساعدة أولئك البشر تحت الوصاية. لا نحس بأي خجل عن النتائج التي أحرزناها، وفي نفس الوقت، لا نتقبل تلك الاتهامات غير المبررة. إن مستعمراتنا الآن، لا تعدو سوي أن تكون أراضي تحت حكمنا، تشعر بالفخر لارتباطها بالأرض الأم”. لا يمكننا أن نطالب بايام بأن ينسى كونه استعمارياً.
من هو العبقري؟
قرأت مرة مقالاً أعتقد للمفكر إدوارد سعيد (1935- 2003)، قال فيه حينما يكون الناس في الجامعات والمدارس فهناك معايير للتقييم يحدد من خلالها مستويات الأداء والذكاء… إلخ، ويمكن تحديد من هو العبقري. ولكن بعد اكمال فترة الدراسة ودخول سوق العمل، ولدينا المعلم والمهندس والطبيب… إلخ، وجميعهم في مجاله، فما هو المشترك بينهم الذي من خلاله يمكننا التقييم؟ وكيف نعرف من هو العبقري من بينهم وهم في تخصصات مختلفة؟ أجاب قائلاً: العبقري هو من يعمل.
التحية للدكتور الهد على هذا العطاء الإنساني المستمر والمتنوع، فقد ظل يعمل صباح مساء، يعالج الناس في عياداته، ويُدرس الطلاب علوم الطب وهو الباحث فيها ولديه منشورات ولا يزال ينشر، فضلاً عن مشروعه البحثي المفتوح والمستمر في مجال تاريخ الصحة والطب في السودان، وهو يقدم عبره البحوث والترجمة. وهذا عمل كبير وشاق، يتطلب عزيمة لا تعرف الفتور، وإصراراً لا يعرف الملل، ومثابرة لا تعرف الكلل. كما أن الترجمة ليست بالعمل السهل، بل أن مجرد اختيار الكتاب للترجمة يتطلب جهداً كبيراً في البحث والتنقيب. وهنا لابد من الإشارة إلى التوفيق الذي لازم الدكتور الهد في حسن اختياره لترجمة هذا الكتاب المهم، وكذلك حسن اختياره للكتب الثلاثة التي ترجمها ونشرها من قبل ضمن سلسلة: الطب والصحة في السودان.
ختاماً، أتقدم بخالص شكري وفائق تقديري للدكتور طارق عبد الكريم الهد، على تشريفه لي بطلبه مني كتابة هذا التقديم، فلقد تعلمت واستمتعت بالقراءة والتأمل والتفكر. كما أتاح لي التقديم الفرصة للتعبير عن احترامي لهذا المشروع البحثي واحتفائي به، فالتهنئة للدكتور الهد على هذا الإنجاز. والتهنئة له، كذلك، على هذا العمل الدؤوب الذي يليق بالمثقف تجاه الواجب الثقافي، ولقد ظل الهد يوظف وقته وعقله للبناء والتعمير وصحة الإنسان. وتوظيف العقل رحمة بالمجتمع والجسد، فمتى ما تكاسل العقل، تأخرت نهضة المجتمعات وتنمية الإنسان وانتشر مرض الجسد، فالعقل يفدي الجسد، يقول محمود محمد طه “كل مشوار لا يكمله العقل يتمه الجسد تعباً”.
عبد الله الفكي البشير
الدوحة- دولة قطر
الاثنين 7 مارس 2022
abdallaelbashir@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات