فيلم 4 اشهر 3 اسابيع ويومان
واقعية اللمسات الخافتة
لفتت السينما الرومانية الجديدة الانظار بعد فوز فيلم قصير في مهرجان كان السينمائي 2004 ثم توالت افلام شكلت موجة جديدة لسينما ما بعد سقوط نظام تشاو سيكو الديكتاتوري افلام شرق بوخارست وموت السيد لازرايسكو و4 اشهر و3 اسابيع ويومان وفيلم الخريج وفيلم الورقة الزرقاء وبرزت اسماء رادو مونتين مخرج فيلم الورقة الزرقاء وكريستيان مونجيو مخرج الخريج و4 اشهر 3 اسابيع ويومان وكريستيان بيبو مخرج فيلم موت السيد لاازارسكو القاسم المشترك لهذه الافلام ان احداثها تدور في 24 ساعة وتعتمد واقعية اجتماعية تصور الاحداث في بيئتها الطبيعية وسط حوارات تشابه الاحداث اليومية كما فى مسرحيات تشيكوف وتقترب من القضايا السياسية برفق وبطريقة غير مباشرة بالرغم من مواقف المخرجين السياسية المناهضة للنظام الشيوعي وببصمة خاصة لأسلوب العمل القنى نجد حركة الكاميرا بطيئة مرتكزة على اللقطات المتوسطة وهى محمولة وسط كادرات طبيعية وديكورات واقعية نادرا ما تلجا لبناء مواقع تصوير اصطناعية ضخمة
فيلم 4 اشهر 3 اسابيع ويومان للمخرج كريستيان مونجيو ومن بطولة نا ماريا مارينكا ولورا فاسيلو حاز علي جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان 2007 وعلي جائزة الفيلم الاوربي وعلي جائزة النقاد الأمريكيين كأفضل فيلم اجنبي وصنفه بعض النقاد من ضمن افضل 10 افلام في عام 2007
تدور احداث الفيلم في عام 1987 اى قبل عامين فقط من سقوط النظام الشيوعي
حكاية بسيطة يتناولها الفيلم عن فتاة جامعية تبحث عن الاجهاض الممنوع قانونيا..تقف معها صديقتها في غرفة السكن الجامعي…تبدا مشاهد الفيلم بغابيتا وهى تقوم بتحضير حقيبتها تساعدها صديقتها اوتيليا وفي انتقالات قصيرة يرسل المخرج اشارته عن حياة المجمع السكني الطلابي ازدحام غرفة السكن تحول بعض الغرف الى متاجر لبضائع مستورة من البيرة للسجاير لمستحضرات التجميل من المنتجات الغربية. ومن ثم تبدا رحلة اوتيليا المبادرة والقائدة لعملية التخلص من الجنين بالذهاب الى الفندق لتفاجأ بعد وجود حجز لغرفة تضطر للذهاب الى فندق اخر وتقدم رشوة علبة من سجاير اجنبية للحصول على غرفة بمبلغ اكبر تلتقي صديقها ادى وتأخذ منه مبلغ اجراء العملية لصديقتها تعرج على من سيقوم بعملية الاجهاض ومنذ البداية تجده شخصية عدوانية تعامل معها بجفاء ووبخها على تغير الفندق وعلى حضورها بديلا عن صديقتها…ينتقل معها الى غرفة الفندق وفى حضور غابيتا تبدا حوارات طويلة بعد ان يكتشف ان حمل الفتاة في الشهر الرابع يبدا المساومة برفع سعر المبلغ…بإيقاع بطئ وبعقلية السمسار يمارس حوار التوبيخ والسخرية والاهانة للفتاتين ثم يطلق صرخات عالية مهددا …يستغل نقص اموالهما وفي لحظة فارقة وحاسمة تقرر اوتيليا ان تمنحه جسدها مقابلا في مشهد صور بحساسية عالية بعد المساومة تبدا في خلع حذائها وهو كذلك ثم تلجا غابيتا الى الحمام لتحبس نفسها حتى انتهاء الممارسة. ثم لحظات صمت قاسية تقضيها اوتيليا معبرة عن اشمئزازها لما حدث
يقوم بأجراء العملية ثم يخرج. تخرج اوتيليا لحضور عيد ميلاد والدة حبيبها ادى ونشهد جلسة مجموعة من اصدقاء والد ادى وزوجاتهم يتفاخرون بوضعهم الاجتماعي ووظائفهم كأطباء حوار يمتد الى اكثر من 5 دقائق يتحدثون عن معاناة فى صفوف اللحم ومعاناة الابناء في التجنيد الإجباري ويسخرون من الفتاة عندما تحدث عن والداها الجندي بالمعاش ووالداتها ربة المنزل لم تشارك ولم يشارك صديقها في الحوار واكتفيا بالصمت الاحتجاجي
تعود الى الفندق لتجد صديقتها قد تخلصت من الجنين تأخذه منها وتخرج لترميه في مكب نفايات عمارة…وعند سؤال الصديقة اين القيتي الجنين تقول لها من الافضل ان لا نتحدث عن هذا
موضوع الفيلم وان كان عن عملية الاجهاض الا ان بؤرة الاحداث انتقلت الى تماس خفيف مع نقد الاوضاع السياسية ولم يعبر المخرج عن اراء سياسية مباشرة عن النظام الشيوعي لم يذكره ولم يذكر اسم الديكتاتور تشاو سيسكو ولم يذكر اسم جهاز السيكورتاتى الرهيب ولكنه همس بمشكلات المجتمع في التجارة غير المشروعة للبضائع الغربية في سطوة الشرطة عند تواجدهم في مدخل الفندق في احاديث اصدقاء والد ادى عن الغلاء والصفوف وقسوة فترة التجنيد الإجباري
اوتيليا كانت بطلة الفيلم بشخصيتها القوية المبادرة حملت على كاهلها عبء نجدة صديقتها وضحت بجسدها ودفعت المال الذى استدانته. في سلوكها استقامة اخلاقية صارمة…غضبت من صديقتها لكذبها وقالت ان كنت ستكذبين احذرينى…واجهت صديقها عندما فزع من فكرة وقفها مع صديقتها في محنة الاجهاض وذكرته بانها يمكن ان تتعرض لما تعرضت له صديقتها لأنها تقيم معه علاقة جنسية ويمكن ان يتخلى عنها اذا ما حملت بمولود كما احتجت على حديث اصدقاء والده وسخريتهم من وضعها الاجتماعي
في المقابل تبدو شخصه الرجل الذى قام بعملية الاجهاض نموذجا للشخص الانتهازي الاناني..وشخصه غابيتا فتاة مسكينة غير قادرة على التصرف لذا تلجا للكذب للخروج من محنتها
الاسلوب القنى للمخرج اعتمد البساطة فالديكور هو المكان الطبيعي واغلب مشاهد الفيلم جاءت في غرف مغلقة داخل السكن او في داخل غرفة الفندق حيث اجريت العملية وفي منزل ادى لم تخرج الكاميرا كثيرا على الشارع ولم تستعرض معالم المدينة التى شهدت الاحداث بحركة كاميرا ثابتة وصلت الى 7 دقائق كاملة في مشهد حوار الرجل الطبي مع الفتاتين بدأت بعض المشاهد اقرب الى الكادر المسرحي الثابت الكاميرا ثابتة والشخصيات تتحرك في مشهد العشاء ظلت الكاميرا ثابتة على صمت اوتيليا وصديقها والحوارات مستمرة من اصدقاء والد ادى..وفى مشهد المساومة بين الرجل الطبي ظهرت صورته وصورة اوتيليا مع غياب صورة غابيتا مع ان مضمون الحوار كان ينصب علي محنة اجهاضها…
الاحداث التي دارات في 24 ساعة فرضت البقاء بأزياء واحدة لكل الشخصيات طوال الفيلم اوتيليا بقيت بالقميص الاخضر وبنطلون الجينز…اختفت الزخارف من مشاهد الفيلم فلا مكياج على اوجه الممثلات ولا ازياء ولا ديكورات اصطناعية بل ان المؤثرات الصوتية اعتمدت على الاصوات الطبيعية مثل مشهد اوتيليا في الليل وهى تحاول التخلص من لفافة الجنين وحولها اصوات سيارات وكلاب تنبح الاضاءة ظهرت بدورها الاستخدامي فقط ولم تظهر كمحسنات جمالية…الاداء جاء هادئا وطبيعيا وبعيدا عن الانفعال وتفوقت الممثلة انا ماريا مارينكا فى دور اوتيليا بجمالها الهادي وانفعالها المتزن ولحظات صمتها العميق المعبر في مشهد ما بعد خروج الرجل الطبي وفي مشهد الحوار مع صديقتها بعد التخلص من الجنين
يبدو السؤال وجيها اذا ما قلنا كيف لفيلم ابتعد عن الزخارف وابتعد عن استخدام تكنولوجيا اضافية واعتمد الاداء الطبيعي الواقعي وارتكز على حوارات بكلمات في غاية البساطة والتلقائية؟
كيف لفيلم كهذا ان يقدم متعة فنية وجمالية باذجة تشد المشاهد طوال ساعتا العرض
انها شاعرية وسحر الفن ورؤية الفنان وموهبته في صياغة جمالية فكرية عميقة بمساعدة اداء مدهش لممثلين بارعين
هذا الفيلم يمكن وصفه بفيلم اللمسات الخافتة في الطرح السياسي وتناول القضايا الاجتماعية برفق وفي شاعرية وواقعية البساطة وفي جماليات المؤثرات الطبيعية الصوتية والضوئية وعبقرية الاداء المبسط المقارب لايقاع وحركة الحياة اليومية للشخصيات وفي اقتصاد وتقشف حركة الكاميرا وكف يد المونتاج عن التقطيع وحركة الانتقالات العشوائية
محمد سيد احمد مصطفي
ناقد مسرحي
محمد سيد أحمد
منشط مسرحي – إدارة المسرح
Mohammed Sayed Ahmed
Theatre instructor – Theater Directorate
+97165020000
+97165223317
msayed@sdc.gov.ae
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم