د.طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المفاجأة كانت بعد انتهاء الصلاة . كان إنزعاج الوفد الزائر ملحوظاً جراء همس وهمهمة ضجت وسط المصلين وهم يقلبون أيديهم كفا على كف و يرددون “مسكين….مسكين” . فقلت لأبي الخير، و الحصل شنو؟ قال: ” القفة طلعت بندورة، ها ها ، جلجلت ضحكته المخنوقة فكسرت صمت الليل الذي بدأ يتهاوى فيه حتى نباح الكلاب وصياح الثعالب ..فهمت خلاصة القصة الواقعية “فاللبيب بالإشارة يفهم و أبو الخير لا يكذب”. لا عجب ونحن في آخر الزمن الذي صارت فيه المناصب والشهادات بجميع أنواعها ودرجاتها توزع هكذا حسب الانتمائات السياسية أو الوجاهة والحسب والنسب. لذلك اكتظت الأسواق بألقاب الأساتذة والمفكرين والعلماء وشيوخ الإفتاء. قام أبو الخير وذهب يتحسس ما قد أنجزته إبنته من مهام لوازم الضيافة التي تأخرت ثم عاد .
في تلك اللحظة العابرة كنت سرحت و خطرت على بالي قصة طريفة للعم حاج محمد عثمان رحمة الله عليه، الذي كان يجاورنا في نفس المربع في الخرطوم. كان رجلا فَكِهَاً في الثمانين من عمره ، أمياً غير القليل من الحروف التي تعلمها في الخلوة. كان يحتفظ بلهجة أهله الشايقية ” . (عشان كدا إسمه محمد عثمان، نسبة لعقيدتهم في الطريقة الختمية ) . كان ظريفاً حكاءاً وله ذاكرة فوتوغرافية. كان يحب الإنجليز بدون مجاملة يجاهر بذلك، ويتمنى عودتهم لحكم البلاد، وكان يكره كل الأحزاب. الكلام دا قاله ، ما هماه، على الهواء “يا حليل زمن الإنجليز ويا ريت يرجعوا تاني” ، قالها في مقابلة تليفونية والنميري كان يسمع!. كان كثيراً ما يؤنس الناس بالطرائف التي كانت تواجهه في رحلاته للحج أثناء عمله سائقاً لوزارة الصحة. حكى لنا كيف جاء به القدر من حيث لا يدري إلى الخرطوم. قال كان شاباً تربالاً يسكن مع والديه ولا يملك سوى ريالات قليلة كان يحتفظ بها “مصرورة” في قطعة قماش. أثناء ونسة شاي المغرب قال لوالدته، والله أريد اتزوج. اندهشت والفرحة التي بانت على وجهها غطت عليها الشفقة عليه والخوف من الفشل. قالت له الله يبارك لك إن كان فيه خير لكن يا ولدي انت عارف نحن معلمين الله. ” هذا تعبير سوداني بلدي يعني من ضيق ذات اليد لا يملكون أي شئ سوى إيمانهم بالله “. قال: قلت لها عندي التلاتة ريال وبسافر إلي بلاد الصعيد وهناك ربنا بيفرجها، ناس كثيرة ربنا فتحها عليهم بعد ما وصلوا الخرطوم وأمدرمان وكوستي و القضارف وبلاد كردفان وحتى في الشرق مشوا لغاية تسني. قال أقتنعت والدتي فتوكلت على الله وأتممت الزواج وودعت القرية إلى يومنا هذا، واضاف: والله ودعت منذ تلك السفرة “الفقر” وطلقته طلاق تلاتة. ويا ولادي زي ما انتو شايفين اليوم كيف الحمدلله والشكر ربنا فتحها علينا حتى على أولادي والأحفاد، عليكم بالتوكل على الله وتزوجوا حلالاً يغنيكم الله وإن كنتم فقراء ، لكن أصدقوا نياتكم. من طرائف أسفاره الكثيرة عندما كان يصحب بعثة الحج الطبية سائقاً في كل عام. قال في مرة من المرات وفي سفره هناك دخل أحد المساجد ليؤدي صلاة المغرب، فوجد أن الناس قد سبقوه و انتهوا من الصلاة فقام يصلي منفردا. بعد السلام إلتفت ليجد صفاً طويلا كان يصلي خلفه. وبعد أن سلموا هاج بعضهم واحتجوا “إيش هذه من صلاة؟” قوموا يا جماعة وعيدوا صلاتكم. قال: ” خرجت مسرعا وخشيت من عقاب الأيدي . قال: والله أنا ما غلطت في شيء بس قريت بعد الفاتحة “غل هو الله أحد وفي التانية غل أعوز برب الفلغ”…
عدت إلى انتباهي بعد أن سرحت هكذا وشغلتني قصة المرحوم حاج محمد عثمان عن حكاوي وونسة أبو الخير وقصة الشيخ المسكين، رحمه الله، و حسيت كأن لمركوب أبوالخير عيون كانت لا تنفك تتابع حذائي بنظراتها المستنكرة وحذرة . كادت نظراتها تشغلني عن التركيز في ما يقوله مضيفي. فتيقنت بعد زوال موجة الصمت القصيرة التي احتوتنا أن الليل قد إمتد لأن حركة الحي قد سكنت غير أصوات أزيز الشبابيك العتيقة. فالهواء الذي يخترق فرجاتها كان يحدث موسيقي حزينة ، ما هي إلا معزوفة تاريخ حياة وذاكرة زمن كم وكم كان جميلاً في زمن كانت الدنيا بخير والقروش حنينة. فالبيوت و أبوابها وشبابيكها لا تنسى صحبة الإنسان وإن كانت الحياة كلها في عمر الزمن لحظات عابرة. خطر على ذهني لحظتها عميد الفن أحمد المصطفى وهو يغني ” أيام بتمر ووراها ليالي سقتني المر….وأبت تصفى لي……لا حظ بسام ولا عطفك دام … وتمر أيام وليالي، و الفنان عثمان حسين من هناك يغني أنا والنجم والمساء ضمنا الوجد والحنين….جف في كأسي الرجاء وبكت فرحة السنين . رحمة الله عليهما في عليين.
وسط هذا الصمت القصير العابر وشرود الذهن تذكرت السخينة ” المنتظرة ” . بعدها لم تأت. لم تنضج حتى تفوح نكهتها في الأرجاء ” فالكانون” لا نار تشاهد فيه ، فوقودها هو مجرد أمنية لم تتحقق . هممت بالوداع لكن حالة أبو الخير العامة و هيئة مركوبه كانت تسيطر على كل مشاعري . فتخيلت أن ذلك المركوب الصامت كان مشغولا طيلة وجودي هناك بمظهر حذائي الإيطالي اللامع. تخيلته تارة محدقا ينظر إلي حذائي وتارة إلى عيوني. لعلها دبلوماسية العتاب الصامت وحوار كان بيننا يدور، وقديما قالوا: “إن في بعض الصمت كلام”. أحسست باللوم على نفسي الأمارة بالسوء المقصرة في حق الآخرين، الوطن، الأقارب، الجيران، الصحاب رفقة العمر، حتي التقصير في حق البيوت التي ولدت فيها “حيطانها، أبوابها وشبابيكها” فكلها تشتكي من الهجران وعدم الصيانة فتهالكت.
٬
أغنية عميد الفن التي خطرت بذهني “ايام بتمر” و جهاز الراديو العتيق الذي أشاهده من بعد في ركن دار أبوالخير صارا يشكلان لي لوحة كأنها تنطق، تحدثني عن الحالة المحزنة لصديقي وغيره مثله كثيرين. فسرحت مرة أخرى أعالج أحزاناً مُرَّة احتوتني. رفعت رأسي وتفحصت مرة اخري باهتمام وجه صديقي النحيل . تحت ضوء الفانوس الخافت قرأت على تجاعيده سطور قصص أيام مرت ووراها ليالي ، وفصول تاريخ ليالي وسنين العمر التي كلها عاشها بحلوها ومرها . وأبو الخير الذي كان في شبابه روعة البهجة والجمال وحده أخاله بل اجزم أنه كان في كل يوم يمر عليه يعاني وحشة الليالي و مرارات سقيا الأيام العكرة التي كانت تمر بدون جدوى ولا انيس وداعم سوى ابنته التي لا حول لها ولا قوة. فقط هو و”النجم والمساء” تجمعهما محطة وقوف عندها يفكران في مخرج مجدي، لكن الهدف حقيقة هو الصعب المستحيل وصولا وتحقيقاً وراء نقطة التلاشي . لا أشك في أن صديقي أبو الخير ظل يصلي لياليه كلها قابضاً على جمر بطنه الخاوية وهو يدعو جاهداً متوسلاً “الفرج يا رب الفرج”
أدخلت يدي في جيبي فحمدت الله من وفرة ما يحويه من نقود، وخجلت في نفس الوقت على عدم قيمتها الفعلية في الأسواق . قمت و أفرغتها كلها في جيب مضيفي الذي همهم بالدعاء وعيناه شاحبتان شاخصتان تحدقان في سقف الدار الهرم المعروش بجريد النخيل ” الله يبارك فيكم لا تتعبوا أنفسكم ، ظروفكم معلومة لدى الجميع وانتم تعانون في بلاد الغربة التي لا ترحم، والله يشهد ما بننساكم من الدعاء في كل الأوقات”
قلت لصديقي لا تحزن على ماض تولى، دعنا نبتهل ونصلي، نتوسم الخير و لعل الغد يكون أحلى. أعدك سوف لن أنساك و إن باعدتنا المسافات ، عندي أشقاء أكارم في “الخرتوم ” سأبعث لك عن طريقهم مركوباً جديداً “فاشري الصنع، نخب أول”، و سأبحث في الأسواق إن وجدت قماش السكروتة وبالعدم القطن يكون افضل خيار فهو أبرد من السكروتة. سأفصل لك جلابيتين و ياريت كمان أحصل على طاقية يكون لونها أحمرا تسر الناظرين. أبشر إنني أعدك وهاك أرقام هواتف أشقائي لتتواصل معهم. يا أخي لا تنسى إن الدنيا بخير، ونحن إخوة. فقط ارجوك لا تنسى الإحتفاظ بصديق العمر المخلص هذا الذي الآن يصحبنا ويسمعنا “المركوب”!. فضحكنا. تبادلنا عبارات الحمد والشكر والدعوات بطول العمر وأن يكتب الله لنا تجدد اللقاء.
وما أحرها لحظات الوداع التي دائماً كنت أخشاها ولا أحبها لأنني لا أتحمل لحظاتها!. شددت على يد أبوالخير مودعاً والدموع في عيني كانت حرَّى، تدفقت زمازم لانني كنت على يقين أن تلك الليلة ستكون آخر لحظة اللقاء به . وقد كانت. لم أصدق أن في السودان بلد الخيرات وسلة غذاء العالم ناس يعيشون في حالة من الفقر اسوأ من حال أهل الصُفَّةِ. كنت أظن أنني مسكين عندما أقارن نفسي باصحاب الجاه والمال من رجال الأعمال وحكام البلاد، لكنني تيقنت أن المساكين الحقيقيين غيري كثر. حتى مركوب أبو الخير فهو بدون منازع مسكين عصره، بل رب المساكين كلهم لأنه ظل سجين الفقر والبطش ولم تشفع له شكواه ولا أنسجته التي كلما تداعت تحت الضغط الشديد وجد نفسه غصباً عنه في العناية المركزة تحت رعاية البصير القدير الراحل”ود أمونة” . لعنة الله على الفقر والعياذ بالله من البخل والعجز والفقر وغلبة الدين وقهر الرجال. يقال قد ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قولته المشهورة “والله لو عثرت بغلة في العراق لخفت أن يسألني الله عنها: لِمَ لَمْ تُصْلِحْ لها الطريق يا عمر “. أين من هو مثلك اليوم الذي يخاف الله فيوفي ويعدل يا إبن الخطاب؟
رحمة الله عليك يا أبا الخير، و رحمة الله نرجوها تعمنا كلنا في الدنيا والآخرة ويا وطن الخير والبركات وسلة غذاء العالم “التي كانت الأمنية الكبرى “، الله يرفع قدرك شامخاً ويعيد لك العافية .بعد هذا الهوان، لكيلا تكون مسكينا بين الأمم من بعد اليوم. فالمجد لك يا سودان بفضل العلم والعلماء والمعرفة التقنية الحديثة والزراعية ونزاهة كل مواطن وحاكم راشد، يخشون الله في الصدق والعلن
د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
هامش توضيح :
هذه القصة الحقيقية بتفاصيلها وشخوصها ، كتبتها قبل أكثر من خمسة عشر عاماً ، وهي جزء من محتوى كتابي “رحلة طبيب في زمن لم يولد” ، لم يجد طريقه للطباعة بعد. أسماء الأشخاص و الأمكنة هنا تختلف عن الأصل لخصوصيتها. رحم الله ابو الخير الذي توفي لاحقا بعد أشهر من لقائي به بسبب السرطان القاتل. كم وكم إنني قد تأثرت عندما بلغني خبر وفاته. اليوم بعد مرور خمسة عشر عاماً على احداث هذه القصة السؤال: هل تغيرنا سلباً أم العكس؟
شرح المفردات الدارجة :
الحراز : من الأشجار الضخمة و عالية
الدلاليك : جمع دَلّوُكَة. ألة إيقاع سودانية أسطوانية من الفخار المحروق مجلدة بالجلد
تهبك: وصف إيقاع الدلوكة القوي المؤثر
الدارة: حلبة الغناء والرقص
البقس: نوع خشب متميز وغالي تصنع منه المسابح
بهانا: من البهاء
العجاج: غبار التراب الذي يحدث في اثناء سباق الخيل أو السيارات أو نتيجة الهبوب
قلَّانا: قلل من شأننا
العبادي شايل: تجمع السحب الثقيلة من جهة موطن قبيلة العبابدة بشمال السودان
مُرَاحْ: قطيع الماشية “الغنم أو الشياه…إلخ”
البرنجي: ماركة سيجائر سودانية كانت مشهورة في السودان
العنقريب، وهو سرير سهل التنقل، أعمدته من الخشب ويجلد بالحبال يوجد كذلك في الهند وباكستان
شال الصعيد: سافر جنوبا
مطاميس: كلمة عربية تعني الإندثار من الطمس، لكن معناها هنا شقاء صبية لا يفقهون أو مستهبلين
السكروتة: قماش حريري تخاط منه الجلاليب الرجالية
ملافح: جمع ملحفة أو ملفحة، قطعة من القماش الناعم وفاخر ، “شال” ، يلف حول العنق و الكتفين من فوق الجلباب
التمباك: مادة مخدرة ، تعرف بالنشوق في بلاد آسوية والسويد
الكانون : موقد النار
عميد الفن هو أحمد المصطفي، وعثمان حسين وأحمد الجابري وبابكر ود السافل وود العطية وعبدالصادق كلهم من فناني السودان الذين تركوا بصمات خالدة، رحمهم الله
الخرتوم: الخرطوم، هكذا تنطق دارجيا في كثير من أقاليم السودان
مركوب فاشري : حذاء رجالي من الجلد إشتهرت مدينة الفاشر السودانية بصناعة الموديلات خاصة الفاخرة منه
عشوش: والدة عبدالغفار
عبدالمنعم
drabdelmoneim@yahoo.com
Alarabi AA © August 2026
