🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ثمة في ثنايا تجربة الإسلام السياسي وخطابه مفارقة لا تخطئها عين المتأمل، ولا تسترها بلاغة الشعارات أو صخب المنابر، مفارقة تكشف الهوة بين ما يقال للجمهور وما يختار لأبناء القيادات. فما إن يتجه السؤال إلى أبناء الصفوة حتى تنكشف صورة أخرى، مدارس أجنبية، ولغات عالمية، ومناهج حديثة، ومسارات تهيئهم منذ بواكير العمر لولوج جامعات أوروبا وأمريكا وماليزيا، حيث يكتسبون أدوات العصر وتفتح أمامهم أبواب المستقبل ومواقع النفوذ. وليس في ذلك، من حيث الأصل، ما يستنكر فطلب أفضل تعليم للأبناء حق مشروع وطموح إنساني مفهوم. غير أن موطن المفارقة يبدأ حين يصبح ما يعد فضيلة لأبناء الصفوة امتيازاً بعيد المنال عن أبناء الغالبية، وحين تتحول المعرفة الحديثة المنفتحة على العالم إلى ميراث تحتكره قلة، بينما يترك الآخرون لمدارس حكومية أنهكها الإهمال والتهميش، أو لأنماط تعليمية تقليدية تضيق آفاقها عن مقتضيات عصر لا يرحم من يفتقر إلى أدواته. عندئذ لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الخيارات التعليمية، بل يصبح آلية لإعادة إنتاج الامتياز وتوريث النفوذ، إذ تتحول المعرفة إلى سلطة، واللغة إلى مفتاح للفرص، فتظل مفاتيح الاقتصاد والسياسة والثقافة في أيدي قلة أُعدت للعالم، فيما يدفع جمهور واسع إلى هوامش التاريخ، محرومًا من التعليم الذي يمنحه القدرة على المنافسة والصعود. فالمعضلة في جوهرها ليست أن أبناء النخبة يتعلمون في مدارس العالم، بل أن أبناء الآخرين يتركون خارج العالم نفسه، وليس العيب في أن تفتح أبواب المستقبل أمام القلة، وإنما في أن تغلق، عمداً أو إهمالاً، في وجه الأغلبية.
ولعل من أفدح مفارقات هذا المشهد أن أولئك الذين وعوا، في وقت مبكر، ما للغات الأجنبية والعلوم الحديثة من منزلة في صناعة مستقبل أبنائهم، كانوا هم أنفسهم، في ممارستهم السياسية، جزءاً من منظومة أنهكت التعليم العام وأثقلت الجامعات الحكومية بأزماتها المتناسلة، فيما أفسحت المجال، على الضفة الأخرى، لاتساع تعليم خاص لا يفتح أبوابه إلا لمن امتلك وفرة المال. فالمنهج حين ينزع من سياقه الحضاري ويفرض بديلاً عن الانفتاح على لغات العلم وآفاق المعرفة، لا يعود بالضرورة مشروعاً لتحرير العقل، بل قد يتحول إلى قطيعة معرفية صامتة تجرد فيها الفئات الأقل حظاً من الأدوات التي يصوغ بها العالم تقدمه ومستقبله. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها، فأبناء النخبة يهيأ لهم تعليم يمد جسورهم إلى الثقافة الإنسانية الواسعة، بينما يراد للآخرين أن يكتفوا بفتات المعرفة، ثم يدفع بهم إلى ميدان المنافسة العالمية بأدوات ناقصة وأجنحة مثقلة. ومن ثم، فإن القضية تتجاوز في جوهرها حدود الخصومة حول كيفية التعليم، إنها في حقيقتها الأعمق، معركة حول عدالة توزيع المعرفة، وحول تحديد من يمنح مفاتيح المستقبل ومن يترك واقفاً على عتبته، ينظر إليه من الخارج.
وفي السياق ذاته، تغدو تلك الحماسة المستنفرة للدفاع عن الخلاوي، كلما انكشفت بين جدرانها وقائع تعذيب أو انتهاك لحرمة الطفولة وكرامتها، موضع تأمل لا ينبغي أن تعطل أمامه ملكة النقد. فاستدعاء قداسة القرآن على جلال منزلته، لا يجوز أن يتحول إلى ستار كثيف يحجب السؤال الأعمق أي إنسان نريد أن نصوغ، وأي عقل نريد أن ننشئ، حين نضع التعليم في خدمة غاية واحدة ونغفل سائر غاياته ؟ إن حفظ القرآن منزلة دينية رفيعة لمن اختاره وسلك سبيله، غير أن اختزال التجربة التعليمية برمتها في الحفظ، وإقصاء الطفل، في سبيل ذلك، عن العلوم الطبيعية والتقنية والإنسانية، ليس إلا اختزالاً فادحاً لمعنى التعليم وإهداراً لما أودع في العقل الإنساني من طاقات وملكات وآفاق. فالقرآن ذاته لم ينزل ليختزن في الذاكرة ألفاظاً مجردة، وإنما ليوقظ البصيرة، ويستنهض الفكر، ويدعو إلى التدبر والتأمل وإعمال العقل والتخلق بأسمى القيم. ومن ثم، لا يستقيم بحال أن تتخذ القداسة ذريعة لتسويغ العنف التربوي أو الضرب والإذلال، أو لحرمان الطفل من حقه في تعليم حديث متكامل يفتح له أبواب العلم والحياة. وإذا كان بعض الخطاب السياسي يلوذ بالدفاع عن الخلاوي بوصفها حصناً للهوية وملاذاً للقيم، فإن السؤال الذي ينبغي ألا يرهب أحداً أو يصادر هو : أليس بالإمكان أن نصون الدين والهوية داخل منظومة تعليمية حديثة تحفظ للطفل إنسانيته وكرامته وتمنحه، في الآن ذاته، مفاتيح المعرفة وأدوات العصر وحقه الكامل في مستقبل لا يبنى على الحفظ وحده، بل على العقل والوعي والحرية.
غير أن إغلاق الخلاوي وحده، من دون بناء البديل، لن يكون حلاً عادلاً، فالخلوة في كثير من المناطق ليست مجرد مؤسسة دينية، بل هي أحياناً آخر باب متاح أمام طفل فقير في بيئة حرمت من المدرسة النظامية والبنية التعليمية الحديثة. ولذلك فإن تجاوز هذه المنظومة لا يكون بالشعارات ولا بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما بمشروع وطني طويل النفس يجعل التعليم العام المجاني والإلزامي حقاً فعلياً، لا نصاً دستورياً معلقاً، ويعيد بناء المدارس وتأهيل المعلمين وتوسيع فرص التعليم في الأرياف والمناطق المهمشة، ويدمج التعليم الديني الرشيد داخل منظومة تربوية تحترم الطفل والعقل ومتطلبات العصر. وإلى أن يتحقق ذلك، فإن الأولوية الأخلاقية العاجلة يجب أن تكون حماية الأطفال الموجودين في الخلاوي، وتجريم كل أشكال التعذيب والإهانة والاستغلال والانتهاك، وإخضاع هذه المؤسسات للرقابة والمساءلة. فالمعركة الحقيقية ليست بين القرآن والتعليم الحديث، ولا بين الدين والعلم، وإنما بين تعليم يفتح للإنسان أبواب المستقبل، وتعليم يبقيه أسيراً للفقر والجهل والتبعية، وبين دولة تجعل المعرفة حقاً عاماً، ومنظومة سياسية لا ترى في الإنسان إلا رقماً في معادلة النفوذ والهيمنة.
