يبدو أن الشقاء هو حليف ابدي للشاب الأفريقي الفقير الذي يركب المخاطر و يقطع الفيافي و الأميال الطوال من اجل أن يظفر بفرصة العيش في تلك الديار الباردة البعيدة. يدفع ذلك الشاب المنكود “تحويشة عمره” كما جرت العبارة المصرية الشهيرة، ليصل إلي البلدان العربية المطلة علي البحر المقدس (البحر الأبيض المتوسط) حيث يقضي شهورا و هو يتحاشى أيادي و أعين السلطات وعسعسها الذين يعاملونه و كأنه وباء اسود ينبغي القضاء المبرم عليه، و يقضي أيامه متخفيا في المدينة يترقب إلي أن يجد “سمسارا” يدبر له طريقة ما لعبور ذلك البحر المقدس ، و ترسي به السفينة أو المركب علي شواطئ اسبانيا أو إيطاليا أو اليونان أو قبرص حيث تبدأ رحلة عذاب أخري من بين مطاردة الشرطة و قوات مكافحة الهجرة غير الشرعية، و قد يفشل في الوصول للبر و تطيح هوج الرياح بمركب جماعته من المهاجرين غير الشرعيين فيصبح هو من معه خبرا عابرا في أواخر نشرات الأخبار التي تنسي و لما لم يجف حبر من كتبها!
و من يفلح في الوصول إلي “بر الأمان” و يبتسم له الحظ (اخيرا جدا) تتلقفه الأيدي الرحيمة، فينتقل من حال إلي حال، و يدرج اسمه في سجل المهاجرين الشرعيين فيظفر بالغذاء و الكساء و العلاج و التعليم… كل ذلك بالمجان ( و الأخيرة كلمة لم يعهدها الرجل الأفريقي منذ أمد سحيق)، و يظن أنه بمفازة من ما تركه خلفه من الشقاء و المرض و النكد. و هذا في غالب الأحوال ما يبدو أنه الحال. غير أن هنالك جانبا للحقيقة لم يفت علي علمائهم (لله درهم) في أن بعض هؤلاء المهاجرين قد يتعرضون لأمراض مزمنة و اسقام متباينة قد لا تختلف في سؤها عن ما كان سيحيق بهم في مناطقهم الأصلية المتخلفة! فتأمل ذلك الحظ التعيس الذي يحيل الواحد منهم من حفرة إلي دحديرة (و الكلمة الأخيرة هذه حار في تفسيرها كاتب مجيد موصوم بأنه “وحشي اللغة”). بيد أن الأمر ليس بهذا اليسر و البساطة. فلقد وجدت في مرور عابر علي ما نشر من أبحاث حول الموضوع أن اوضاع المهاجرين الصحية في أوربا تختلف (ربما كثيرا) عن أوضاعهم في الولايات المتحدة، فهي في العالم الجديد أفضل كثيرا. بيد أني لست هنا في مقام من يستطيع تأكيد أو تفسير ذلك الاختلاف – إن صح- أو تحليله فأمر ذلك كله عند المختصين. و سأنقل هنا ملخص دراسات أجريت علي الأفارقة الذين هاجروا للأراضي الجديدة (ممثلة في الولايات المتحدة)، و في مقال قادم سأعرض للموضوع ذاته عند من ساقتهم الأقدار لأوروبا العجوز.
و قبل الخوض في أمر الأمراض التي عمل علي رصدها علماء و أطباء البلدان الغربية التي يؤي إليها الآف من المهاجرين الأفارقة و تهفو إليها قلوبهم، انقل هنا إحصائيات وردت في دراسة علمية رصينة لهومر فينترز و فرانسيسكا قاني اللذان يعملان في كلية الطب بجامعة نيويورك و قد قاما بنشر دراستهما في مجلة اسمها “مجلة صحة الأقليات المهاجرة” في عددها الصادر في ابريل من عام الناس هذا (2009). يقول الباحثان أن اعداد المهاجرين الأفارقة للولايات المتحدة قد زاد في الفترة ما بين 1990 و 2000 بنحو 166%، حيث توطنت مجموعات كبيرة منهم في مناطق واشنطن و نيويورك و مينابولس و اتلانتا، و هؤلاء الأفارقة هم بلا منازع أكبر مجموعة سكانية تحط رحالها في أمريكا علي مر السنين، فمن بين مليون مهاجر افريقي يعيش في الولايات المتحدة اليوم، تجد أن أكثر من نصفهم قد حلوا بتلك الديار في الفترة ما بين عامي 1990 و 2000. رغم كل ذلك فلم تجر دراسات علمية و طبية عن/علي تلك الفئة المهاجرة مثلما أجريت علي مهاجرين آخرين من أصقاع العالم الأخري. و تركز معظم ما أجري من أبحاث عليهم علي الأمراض المعدية مثل السيدا (الايدز) و السل. و لما كان أولئك المهاجرون سينعمون بحق الإقامة الدائمة و من بعدها التجنس بالجنسية الأميريكية ( و لن يستطيع أحد أن يتهمهم بأنهم مواطنين “نص كم” كما زعم أحد الصحفيين الألمعيين اللامعين!) فإنه من المنطقي أن تجري المزيد من الأبحاث عن هؤلاء الناس مما سيساعد علي الوصول لفهم أفضل لطبيعة الأمراض التي يتعرضون لها و عن مصدرها و مسبباتها و علاجها و الوقاية منها، و كل ذلك سيساعد ( كما يأملون) في تخفيض الكلفة الإجمالية لعلاجهم و علاج من سيخلفونهم… ففي نهاية المطاف يقاس كل شئ (تقريبا) بكلفته المادية، بالإضافة بالطبع إلي التكاليف الأخري المعروفة.
قورنت في عدد من الأبحاث نسبة الوفيات بين المهاجرين الذين يقيمون في الولايات المتحدة مقارنة مع نظرائهم ممن ولدوا في أراضيها و كانت النتيجة في صالح الفريق الأول، إذ أن المهاجر الإفريقي يعيش في المتوسط نحو إثنين إلي أربعة أعوام أكثر من “ولد البلد”! بل أن النسبة تزيد عند السود (الملونين/ الأمريكيين من أصل إفريقي) إذ أن اعمار المهاجرين السود تزيد بنحو سبعة إلي تسعة أعوام مقارنة بالسود المولودين في أمريكا. و ورد في بحث آخر أن إحتمال موت المهاجر الأسود في أمريكا بالسكتة القلبية و الأمراض التنفسية و السرطان يقل عن ما عند رصيفه المواطن الأبيض أو الأسود، و نصيبه من أمراض كإرتفاع ضغط الدم يقل عن زميله الأسود المولود في أمريكا، ووجد أن المهاجرات الإفريقيات في كاليفورنيا مثلا يعانين بصورة أقل وطأة من أمراض كالإكتئاب و الإدمان علي الكحول و المخدرات من بقية السكان من مهاجرين و مواطنين، و أرجع السبب في ذلك لسلوكيات و طرق حياة مختلفة عند الطرفين. بيد أن للمهاجر الأسود نصيب الأسد في الأمراض المعدية كالسل و البلهارسيا مما جلبه معه من مسقط رأسه.
و من الجدير بالذكر أن صحة المهاجرين الأفارقة – علي وجه العموم- تعد أفضل من صحة المواطنين و المقيمين من كل الأجناس و الألوان رغم عدم تمتع نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين الأفارقة بميزة التأمين الصحي و فرص العمل. أهي “بركة” ربانية لفقراء المهاجرين؟ أم أن للأمر اسبابا علمية و عملية تنتظر البحث و التدقيق. أمر ذلك عند ربي!
بيد أن تلك الصحة الجيدة نسبيا عند المهاجرين الأفارقة مقارنة بغيرهم قد تصبح في خبر كان بعد سنوات من إقامتهم في البلاد و تعودهم علي طعام الفقراء فيها، فهو في الغالب طعام شهي و رخيص الثمن بيد أنه عالي السعرات الحرارية غني بالدهون المضرة سيؤدي الإدمان عليه إلي البدانة مع ما تجره من نتائج وخيمة علي صحة القلب و الأوعية الدموية و الغدد الصماء وغير ذلك كثير..
من الطريف أن بعض هؤلاء المهاجرين الأفارقة ما زالوا “يحنون” إلي الطب التقليدي (العشبي /الشعبي) الذي تركوه إختيارا وراء ظهورهم، ففي دراسة اجريت علي 500 مهاجر غاني في كندا وجد أن اكثر من 75 % منهم ما زال إيمانهم بالطب التقليدي راسخا لم تزلزله عوادي الحضارة الغربية الحديثة، و لعلي اجزم بأن بعضا من الأسر السودانية في أمريكا ما تزال تستعمل ما يتيسر لها من الأدوية السودانية التقليدية مثل القرض و زيت السمسم و الشيح و الكركدي و غيرها لعلاج الأدواء الخفيفة. و هذا تاكيد (غير موثق علميا) لما ذكر في ذلك البحث الكندي.
تلك هي الصورة الزاهية – نسبيا – لصحة المهاجر الأفريقي في العالم الجديد. بيد أن الصورة في إيطاليا تختلف إختلافا شديدا، فالأبحاث التي اجريت هنالك تنبئنا عن صورة مزعجة لا تسر، و سنعرض لطرف من ذلك في مقال قادم. و لا شك أن من يشدون الرحال و يركبون الأهوال من أفريقيا كوجهين أنظارهم نحو ما وراء البحر المقدس غير معنيين بما يكتبه الباحثون و الأطباء في هذا الشأن، و قد يعتقدون – مخطئين أو محقين- أن اتيحت لهم فرصة قرأة هذه الأبحاث، أن ذلك باب في الخداع عظيم و محض إختلاق، القصد منه هو إفزاعهم و تخويفهم من عبور البحار و الهجرة و الإستقرار في ديارهم الجميلة الواعدة.
نقلا عن “الأحداث”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم