أخبار عاجلة

النقد.. تسليع الخدمات الأساسية

ناجي شريف بابكر
العاشر من أبريل 2026
.
المقدمة:
يهدف هذا المنشور لإلقاء الضوء على المعارك التي تخوضها الرأسمالية والشركات الكبرى في مواجهة مجتمعاتها بهدف الإستيلاء على الموارد والثروات من خلال السيطرة على موارد الشعوب. وكيف أنها أي الشركات، من أجل تحقيق ذلك الهدف، قد ظلت تدفع بالمجتمعات الريفية في اتجاه التسليع أو المونيتايزيشن، عبر تسلل النقود للتحكم في كافة الإنشطة الحيوية لتلك المجتمعات.

يبدأ المنشور بشرح وتعريف النقد وطبيعته ودوره الكلاسيكي في إدارة التبادل الإقتصادي في المجتمعات الحديثة.. كما يدلف المنشور لتوضيح التطور الذي شاب وظيفة النقود، وكيف أنها، أي النقود، قد تورطت بصورة تدريجية في قلب الصراع الإجتماعي والسياسي للمجتمعات، لتلعب دورا في فرض السيطرة والوصاية وفي تعميق الفوارق الإجتماعية والطبقية وإفساد مساعِ تلك المجتمعات الهادفة للتقاسم العادل للموارد والدخول، حدا فاقم من الفجوة وحدة الإستقطاب ما بين المجاميع الجماهيرية الواسعة، ومابين حفنة من الشركات الكبيرة التي تحتكر الموارد من خلال التحكم في العملية السياسية.

أولا:
تعريف النقود:
النقود عبارة عن صكوك معدنية، ميتال كوينز، أو ورقية البانكنوتس، أو مؤخرا رقمية تعرف بالعملات الرقمية المشفرة أو الكريبتوز. كانت مهمة النقود الكلاسيكية تنحصر في تسييل الحركة التجارية وإنقاذها من التعقيدات التي كانت تعوّق عمليات المبادلة في المجتمعات البدائية، أيام التجارة البكماء أو البارتر تريدينغ.

ربما يلزمنا بدءا ان ندلف على التعريف الأكاديمي للنقود لإلقاء الضوء على دورها الكلاسيكي الذي عرفته المراجع الأكاديمية، قبل ان يتعقد دورها ليتقاطع مع العوامل السياسية والإجتماعية التي تؤثر بصورة غير إيجابية في التقاسم العادل للدخول والثروات وفي مفاقمة التدافع الطبقي وأحلام الوصاية والسيطرة. يُعرّف الإقتصاديون النقود على أنها ثلاثة طبقات تشمل كافة انواع الوسائط والأوراق ذات الطبيعة المالية والقابلة للتداول من الشيكات المصرفية والكمبيالات، وحتى الودائع المصرفية والسندات ذات الأجل، لكننا سنقتصر هنا على الطيف الأول منها، الذي يشمل العملات المعدنية والورقية او البانكنوت بالإضافة للعملات الرقمية المشفّرة.
أما التسليع أو مايعرف في الإنجليزية بالمونيتايزيشن، فهو تحويل الأنشطة الإنسانية الريفية المختلفة من كونها مساهمات ودّية، كمبادرات تتبادلها المجتمعات كالتداوي، والمراحمة وخدمات الموتى والمراسم الجنائزية، والفزع والتضامن .. وكانت من قبل تشتمل على التطبيب والعلاج والخدمات التعليمية، من أنشطة تبادلية فطرية، رسملتها وتحويلها إلى أقتصاد السوق والندرة، لتحكمها النقود، ولتخضع كغيرها من السلع لمنطق المقايضة والبيع والشراء، بحيث تنغلق في وجه طائفة واسعة من الناس من محدودي الدخل ومن أولئك الذين لا يجدون ما ينفقون.

النقود في العادة مزدوجة القيمة.. إذ تنطوي على قيمتين متمايزتين:
أولاهما القيمة الطبيعية أو الفطرية (إنترينسيك فاليو) وهي قيمة المادة المضروبة منها النقود المعدنية، أو تلك المطبوعة عليها في حالة البانكنوت أو النقود الورقية.
ثنتاهما القيمة الإفتراضية وهي القيمة المرسومة على وجه النقود سواء كانت عملات معدنية أو ورقية وهذه الأخيرة قد لا تطابق بالضرورة القيمة الطبيعية أو قيمة المادة المضروبة منها النقود أو العملات الورقية.. هذا فيما يتعلق بطبيعة النقود..

ثانيا:
وظائف النقود:
أما وظائف النقود فقد عرّفها الإقتصاديون في أربعة وظائف هي:
١.٢/ الوسيط التبادلي:
هذه الوظيفة تتتمثل في أن النقود كونها مقبولة لدى الجميع فإنها تشكل وسيطا للتبادل السلعي ما بين المتعاملين، مما يمكن حامليها من تبادل السلع والخدمات وتجزئتها وفق الحاجة والرغبة.. وهذه الوظيفة تستوجب أن تتمتع النقود بالقبول الواسع بين جمهور المتعاملين. وفي العادة فإن النقود الورقية بالتحديد تستمد تلك الصفة بقوة القانون (ليقال تندر).. إذ كثيرا ما تجد مكتوبا على النقود الورقية جملة متكررة تفيد بالزامية القبول “أتعهد بأن أدفع عند الطلب، لحامل هذا الصك مبلغ”
٢.٢/ الوسيط المعياري:
كما توفر االنقود خدمة تقييم للسلع والخدمات بإعتبارها مرجعا لحساب القيمة، ويصبح بالإمكان بواسطتها تنسيب السلع لبعضها البعض كمؤشرات للتبادل السلعي والمقايضة، بالإضافة لأهمية تلك النسب في التنبؤ بسلوك متغيرات الأسعار، بالأخص فيما بين السلع البديلة والتكميلية.
٣.٢/ مستودع للقيمة:
وهذه الخاصية تتمثل في أن النقود صالحة كمخزن للقيمة بحيث بإمكان المتعاملين تقاضي مرتباتهم بما يقابلها من النقد أو بيع ما لديهم من السلع والخدمات ثم الإحتفاظ بقيمتها كنقود حتى يأتي يوم إنفاقها، أو إدخارها لحين الرجوع إليها عند الحاجة.
٤.٢/ وسيلة لقضاء الدين والإلتزامات:
أن تكون النقود قادرة على الوفاء بالإلتزامات المادية المؤجلة والديون ومبرئة للذمة تجاه الآخرين.. يجدر بنا هنا أن نعود بالذكر لرواية تاجر البندقية لويليام شكسبير، حينما وقف تاجر يهودي يدعى شيلوك أمام المحكمة يطالبها أن تقضي له برطل لحم آدمي على حساب غريمه الضابط، كإخلاء لذمته مقابل دين نقدي انقضى أجله. فقد كان شيلوك كمن لا يعترف أن النقود، بالقوّة، مبرئة للذمة..

٥.٢/ تحديثات في وظائف النقود
في العهود المتأخرة بالتحديد في العقود الثلاث الأولى من الألفية الثالثة مع بروز ظاهرة العملات الرقمية المشفرة، كوجه حديث من أوجه النقود، وهي عملات يجري تعدينها وفق عمليات وخوارزميات معقدة، بحيث يصبح بإمكان من يتحصلون على تلك العملات بالإتجار أو بالتعدين، إنجاز مبادلات تجارية وخدمات مماثلة لتلك التي تنجزها النقود الكلاسيكية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن تلك العملات من خلال تداولها في منصات إفتراضية تدر على أصحابها أرباح أو خسائر بنسب تتجاوز الهوامش التجارية المعتادة، وذلك من خلال ما تتميز به تلك العملات من المرونة التي تتأرجح بها قيمتها التبادلية صعودا وهبوطا، وهو ما جعلها هدفا للمضاربين والباحثين عن الثراء السريع والمقامرين.

فعلى الرغم من أن العملات المشفرة لا تستجيب لواحدة من الوظائف الأساسية للنقود، وهي كونها مستودع للقيمة بسبب التأرجح الشديد لقيمتها التبادلية ما بين ليلة وضحاها، مقابل السلع والخدمات ومقابل ما يوازيها من العملات التقليدية، أو حتى مقابل مثيلاتها من العملات المشفّرة.. لكن ذلك لم يقف مانعا من قبولها والإقبال عليها من جمهور المستثمرين.
فالعملات المشفرة كنقود تعتبر فاقدة لوظيفتها كمستودع للقيمة، لكنها بتأرجحها واسع النطاق، قد أضافت للنقود وظيفة جديدة لم تكن في الحسبان من قبل، وهي مقدرتها على مراكمة الدخل، ذلك بتميزها كوسيلة للإحتيال على الثروات، بحيث يتمكن مضاربون قابعون أمام شاشاتهم، في مكان ما من العالم بتحويل مجاميع كبيرة من الثروة إلى حساباتهم والإستئثار بها، دون أن يصحب ذلك أي نشاط تجاري أو إنتاجي يبرره. كونها صكوك للمضاربة شديدة التأرجح، وغير مقيدة بقيمة مرجعية أو حدود دنيا وعليا شأن غيرها من بورصات التداول. بإمكانها توليد الدخول والأرباح لمن يقامرون بها (إن ون كليك)، وبنفس القدر بإمكانها التسبب لمجاميع واسعة ممن يقتنونها في منصات المحاكاة وصغار المستثمرين، بخسائر فادحة ليست فقط وفقا لتقلبات السوق والعرض والطلب، وإنما بتحركات محسوبة ومتعمدة تتحكم في العرض والطلب، من قبل كبار المضاربين فيها.

٦.٢/ البعد الأخلاقي للنقود
بالإضافة لدور النقد كوسيلة لمكافأة مقبولة تدفع لمن ينجزون لنا ما نحتاجه من الخدمات كالعمالة والإستشارات، أو السلع والبضائع والمنقولات التي نحتاجها كمواد إستهلاكية كالأغذية والأدوية والأجهزة الكهربائية، أو كماكينات وآليات أو صكوك ووسائط مالية، نرغبها لغرض إستثمارها، ننفق عليها اليوم إنتظارا لما ترفدنا به من إيرادات مستقبلية. بالإضافة لأنه يمكننا إنفاق النقود على الآخرين، كبسط للتراحم والإحسان، لأعانتهم على الحياة أو لإنجاز ما عليهم من الديون والإلتزامات إن كانوا غارمين.
.
لكن القانون يلزمنا أن ننفق ما بحوزتنا من النقود مقابل إنجاز مهام ومعاملات يقرّها وتندرج في إطار الأنشطة التي لا يجرمها. وبالتالي فإن إنفاق النقود مقابل الحصول على سلع وخدمات يحظرها القانون يعدّ سلوكا إجراميا في حد ذاته يعرض مرتكبيه للمساءلة، بخلاف جريمة تداول المواد أو الخدمات المقابلة والتي بدورها تندرج كمخالفات تجرمها القوانين السائدة، .
من ضمن أصناف الإنفاق التي يجرمها القانون هو إنفاق النقود لغرض الترويج للمخدرات والأسلحة العابرة للحدود، أو بغرض الرِشى وشراء الولاء السياسي والمداهنة. أو إنفاقها كمكافئات مقابل معاملات أو تسهيلات غير مستحقة، هي الأخرى يجرمها القانون. فتقديم النقود مقابل الحصول على خدمات غير مستحقة، أو الحصول على امتيازات غير متاحة للعامة، يجعل المنفق أو المتلقي أو كلاهما تحت طائلة القانون.. في بعض الأحيان فإن القانون لإعتبارات إجتماعية يختار أن يلقِ العبء على المُنفق دون المتلقي، ففي فرنسا مثلا فإن القانون لا يسائل فتيات الليل، لكنه يجرّم إنفاق النقود مقابل المتعة.

في بعض الدول تندرج المقامرة من ضمن الإنشطة التي يحظرها القانون.. وبالتالي فإن إستخدام النقد في الترويج لعمليات المقامرة والميسر أو شراء خدمات تتعلق بهما من أجل الحصول على المكاسب المادية والثروات هو الآخر يمكن تصنيفه من ضمن الخروقات الأخلاقية التي يمكن أن تطّلع بها النقود، والتي يتوجب على الحكومات والمجتمعات المتأثرة السعي للسيطرة عليها ومجابهتها. لقد تعرضنا فيما تقدم هنا لدور النقود في ترويج المقامرة وسرقة الثروات، من خلال دراسة طبيعة التجارة والمضاربات التي تنتظم منصات العملات الإلكترونية المشفرة..

لكنما شيئا فشيئا بدأ النقد ينفلت عن أدواره النمطية كوسيلة فنية لتيسير عملية التبادل الإقتصادي.. ليطَّلع بأدوار سياسية إجتماعية في طبيعتها فاقمت من تعميق الفوارق الطبقية واستفحال الشقة والصراع فيما بينها.. وأدوار أخرى لعبت فيها النقود كغطاء لعمليات قرصنة أدت لتهجير للثروات بصورة غير مشروعة، وتراكم الأرباح الطفيلية والمضاربات، واتساع الشُقّة في عدالة توزيع الثروات والدخول.. بل أكثر من ذلك تورطت النقود في ترويج المخدرات والفساد والجريمة العابرة للحدود.

ثالثا:
كيف افسد التسليع العملية السياسية
ديمقراطية الشعوب أم ديمقراطية الشركات !!
تطمح الشعوب الحرة في حكم نفسها بنفسها، والعمل من خلال الممارسة الديمقراطية الرشيدة لتحسين فرص التعايش السلمي، وإزالة المممارسات السالبة والفساد، لتقليل تراكم المظالم والإحتقانات الإجتماعية.. لكن النقود تسللت لتفسد كل ذلك.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، فقد تسللت النقود على العملية السياسية لتفرض فيها مزيدا من الإنتهاكات البيئية ومزيدا من الفوارق والمظالم الإجتماعية.
ثمة تشريع تم إجازته في العقدين المتأخرين، يسمح للشركات الكبيرة بتقديم مساهمات للأحزاب السياسية ومرشحيها.. كجزء من المسئولية الإجتماعية تنال بموجبه تلك الشركات خصما على الأرباح الخاضعة للضريبة، أو تاكس بريكس..
تسبب هذا التشريع في إفراغ العملية الديمقراطية من محتواها، إذ أن تلك الشركات أصبحت هي من تتحكم في انتخاب النواب في الكونغريس ومجلس الشيوخ.. كما أصبحت هي من بإستطاعتها تمويل الحملات الإنتخابيةلرئاسة الولايات المتحدة، تدعم من تشاء وتدفع من تشاء إلى خارج منوال السباق إلى البيت الأبيض.
الديمقراطية التي تعني نظريا حكم الشعوب لنفسها أصبحت في حقيقتها حكم الشركات العملاقة للجماهير الغفيرة، حكم القلة واسعة الثراء لمئات الملايين الطامعين في العدالة والمساواة، في حماية البيئة والغابات والحياة البرية، والتوزيع العادل للثروات.

بالرغم من أن مستوى التعليم والليتراسي تعتبران من مؤشرات النمو الإقتصادي كغيرها من المؤشرات الأخرى كالبيئة والبنية التحتية ، وبالتالي فإن العملية التعليمية والتربوية تعتبر من صميم مهام الدول في تحقيق التقدم والنماء والنهضة للمجتمعات، وأنه ينبغي على الدول أن تطلع بما يتوجب عليها من الإنفاق على العملية التعليمة وفق ما تخطط له وتعمل عليه من أهداف التنمية، وألا تترك ذلك للصدفة بحيث يكون على المواطنين كأسر وأفراد القرار في أن يلتحق أبناؤهم بالعملية التعليمة من عدمه. ففي هذه الحالة فإن المسألة قد تكون خاضعة لتقديرات الأسر في أولويات إنفاقها ومقدار دخلها كل على حدة. قرارات تنبني على تقديرات فردية لكنها تتكامل لتنعكس في مجموعها على عملية النهضة الجمعية للشعوب..

رابعا:
كيف أفسد التسليع العملية التعليمية
١.٤/ في السودان على سبيل المثال لا الحصر، بالتحديد خلال العقد الأخير من الألفية الثانية تخلت الحكومة لأول مرة في تاريخ البلاد عن الإنفاق على العملية التعليمة بصورة تدريجية. إذ بدأت بتقليص الميزانيات المرصودة للمدارس الحكومية في كافة المراحل بما فيها التعليم الإبتدائي فأصبح بإمكان مرتبات المعلمين والعاملين في المكاتب التعليمية أن تتأخر لستة أشهر متتابعات.. ثم بدأت تدريجيا في تقليص إعتمادات الدعم للجامعات الحكومية .. كخطوة تدهور في أعقابها مستوى الأداء في المدارس الحكومية في كافة المراحل، وفتح الباب واسعا في التصديق وتخصيص الأراضي للمدارس الخاصة لتحل تدريجيا مكان التعليم الحكومي الذي أصبح طاردا لطلابه وقد تضاءل دوره. فقد توقفت الصيانة عن المنشآت التعليمية والمدارس فانهارت المراحيض بطارقيها، وتم تغيير الغرض لكثير من الأراضي والأصول التي كانت يوما تخص مؤسسات التعليم الحكومي، ومنح بعضها الآخر لمطوري المدارس الخاصة.

بالنظر لما تقدم من تقليص الإنفاق على العملية التعليمية والتضييق على المدارس الحكومية، أصبحت العلمية التعليمية في السودان تعتمد بصفة أساسية على الأسر ومدى توفر تلك الأسر على الدخول الكافية لمقابلة نفقات التعليم اللائق بأبنائها.

المراقب لأحصائيات النمو السلبي للدخل القومي، ولتراجع النشاط الإقتصادي بعد إنفصال الجنوب، وتنامي الفوارق في تقاسم الدخل والثروات فيما بين الفئات الإجتماعية كحقائق تدعمها إحصائيات المنظمات الدولية (راجع تقرير منظمة الأغذية والزراعة الفاو عن السودان الصادر في مارس 2021) إحصائيات دالة على تضاعف حدة الفقر وعلى تضاعف أعداد المواطنين الذين بينت التقارير أنهم قد عادوا في حاجة ماسة للغذاء في كل عام جديد. فإن كل تلك المؤشرات مقرونة بتراجع الإعتمادات الحكومية للعملية التعليمية فاقمت من حالات الفاقد التربوي وزادت من معدلات الأمية في البلاد، بالذات في أوساط الإناث والمجتمعات الريفية ومجتمعات الهامش.

إن تحويل العملية التعليمية من خدمة تبذلها الدولة كواحد من واجباتها الرئيسية إلى سلعة تعتمد على فوائض الأسر ونفقاتها وعلى سلم أولوياتها في المفاضلة في وقت عناصرها ما بين الحاجة لتحسين مداخيلها وبين العملية التعليمية ، بحيث أصبح الطلب على التعليم يعتمد بصفة أساسية على مقدار الفوائض التي يإمكان تلك الأسر تحقيقها بعد مقابلة الحاجات الأساسية من المسكن والملبس والغذاء والدواء.. كأولويات وضرورات تستوجب الكفاح من أجل تأمينها لدى معظم الأسر السودانية بالأخص تلك التي تتوزع في البوادي والأرياف القاصية.

مما لا شك فيه أن تراجع العملية التعليمية سيعود سلبا على مستقبل تلك الأسر ومضاعفة بؤسها، لكنه في مجموعه سيلقي بإنعكاساته الحتمية على معدل تنامي القدرات التطويرية والتنموية للمجتمعات السودانية، بالأخص في العقود الثلاث القادمة.

٢.٤/ في الأكاديميا والجامعات والبحوث
إن العملية التعليمية كما قدمنا هي واحدة من اولويات التخطيط التنموي التي لا يجب تركها للصدف، بحسبانها واحدة من الأعمدة الأساسية التي ينبني عليها مستقبل الشعوب وتطورها ونمائها ولعل ذلك معلوم بالضرورة في الدول التي لا زالت تتمسك بمسئولياتها الإجتماعية تجاه شعوبها يشمل ذلك الكثير من الدول العربية والأفريقية، يشمل روسيا وكافة الدول الأوروبية وكندا’ إذ تتكفل الحكومات هناك بنفقات التعليم حتى المستوى ما قبل الجامعي على الأقل.. إذ أنه بدا مؤخرا أن معظم الدول تشترك في أنها قد أخرجت التعليم الجامعي وفوق الجامعي من مظلة الإنفاق الحكومي.

إن النتائج السلبية لتسليع التعليم العالي يمكن تلخيصها في مساقين.. هما
١.٢.٤/ إعتماد الجامعات على الرسوم الدراسية في نفقاتها، أثر سلبا على المعايير الأكاديمية في عملية القبول، بحيث صارت الجامعات مضطرة للمواءمة ما بين حاجتها للعدد الكافي من المتقدمين لبلوغ نقطة التعادل في نفقاتها وما بين تمسكها بالمعايير الكفاءة الأكاديمية للطلاب المتقدمين لشغل مقاعتدها، كعاملين يدفعان في إتجاهات متشاكسة تعرض الرسالة الأكاديمية لمخاطر هائلة. ونتيجة لذلك فإن أعدادا كبيرة من الطلاب الذين يستوفون شروط الكفاءة الاكاديمية المطلوبة للقبول ربما لن يحظوا بالقبول لعجز أسرهم عن تدبير النفقات التي تقابل فواتير القبول، بينما في الجانب الآخر نجد أن الكثير من المتقدمين من الطلاب الذين تمتلك أسرهم المقدرة المادية لمقابلة منصرفات الجامعة، ربما لا يتمتعون بالحد الأدني من شروط الكفاءة المطلوبة.

٢.٢.٤/ /في مساق الدراسات فوق الجامعية فإن الوضع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، بحيث نجد إن الغالبية العظمي للباحثين الذين يحظون بفرص التحضير للدرجات فوق الجامعية، يتبين لهم في وقت لاحق أن الجامعات قد وفرت تلك المنح عبر عطايا من قبل مؤسسات خاصة ترغب في تمويل الجامعات للنهوض بأبحاث في مجالات تخدم مصالح تلك الشركات، وبالطبع فإن الأمر لا يخلو من تأثير تلك الشركات الراعية بحيث يلقي ذلك بظلاله على الحياد الأكاديمي المطلوب.. ولقد إنتشرت مؤخرا مناشير وتقارير صحفية في هذا السياق تناول فيها محللون مستقلون أبحاثا منشورة في أمراض الكانسر ناتجة عن بحوث مولتها شركات التبغ والكيماويات وشركات الأدوية وشركات تعمل في مجال هوائيات الإتصالات، ألقوا فيها بظلال الشك على حيادية ونزاهة النتائج والخلاصات التي طرحتها تلك الأوراق الأكاديمية و الأبحاث

خامسا:
كيف أفسد التسليع الخدمات الصحية والعلاجية
في السودان أيضا على سبيل المثال لا الحصر، فقد لاقت المؤسسات الصحية والمستشفيات الحكومية نفس الأقدار التي واجهتها العملية التعليمية. فقد إنخفضت إعتمادات الصحة في الموازنات الحكومية العامة خلال العقود المتأخرة، لأقل من إثنين بالمائة من إحمالي النفقات الحكومية، بحيث فاقتها المخصصات السيادية بثلاثة أضعاف وفاقتها مخصصات الأمن والدفاع يأربعين ضعفا.. فحتى منتصف التسعينات من الألفية الثانية، كانت كافة الخدمات الصحية والعلاجية مبذولة للعامة من الناس في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، ثم بدأت الحكومة في مشاريع الخصخصة التي اتبعتها في التخلص من المؤسسات الحكومية، في السعي تدريجيا في تقليص المستشفيات الحكومية، أغلقت بعضها وسلّعت الخدمات في بعضها الآخر. كما أنها فتحت في نفس الوقت الطريق واسعا للقطاع الخاص للإستثمار في المرافق الصحية، بإنشاء المشافي والمراكز العلاجية.. رافق ذلك بصورة متراجعة ترويج لخدمات إنتقائية للتأمين العلاجي، كان المتاح منها للبسطاء لا يغطي الكثير من الخدمات العلاجية التي كانت من قبل تتكفل بها الدولة، فكثير من الفواتير يستثنيها التأمين الصحي ويلقي بعبء مقدر على متلقي الخدمات الصحية نفسه.. بل حتى ما تموله مؤسسات التأمين الصحي عجزت مؤخرا في سداد فواتيره للمؤسسات الصحية مما أثر سلبا في مصداقية قسائم التأمين التي يحملها المرضي ويتوسلون بها من مشفى لآخر..
دفع هذا التطور بمجاميع كبيرة من ذوي الدخل المحدود خارج مظلة الخدمات الصحية الشئ الذي سيؤثر بدورة بصورة سلبية على المؤشرات التراكمية للإنتاجية والنمو الإقتصادي، ولمؤشرات متوسط الأعمار في البلاد.

إن التسليع الذي يضفي منطق السوق الهادف للمقايضة ولمضاعفة المصلحة المادية، حدا يملي فيه منطقه على خدمات إنسانية كالتطبيب والتعليم والبحوث الأكاديمية، فيفسد مخرجاتها ويهزم الأهداف التنويرية النبيلة التي من أجلها نشأت، يفرغها من محتواها ثم يستبدلها بنماذج صورية استعراضية هشة، تتقاصر بها عن أهدافها وغاياتها المنتظرة.

عليه فإن تخلي الحكومات عن الإطلاع بواجباتها في توفير الحاجات الأساسية لمواطنيها من الخدمات الصحية والتعليم وإضفاء معايير الجودة عليها يبدو كجريمة كبيرة في حق المجتمعات، كما أن التسليع المتصاعد لكافة الخدمات والعلاقات الإنسانية والمعرفة، بخلاف أنه مظلمة في حق الشعوب التي يتوجب ان تنال نصيبها الفطري في الموارد والثروات القومية، التي تقوم الحكومات بإستغلالها وتخصيصها، فإنه يزعزع السلام الإجتماعي ويستدعي صراعات لا حدود لها، تهدد مستقبل تلك الشعوب وتعايشها، وتسلبها طموحاتها المشروعة في التنمية والرفاه والعدالة، لها ولمستقبل أجيالها القادمة.

nagibabiker@gmail.com

عن ناجي شريف بابكر

ناجي شريف بابكر

شاهد أيضاً

عودة ديجانغو .. الحرب كملهاةٍ إنسانية!!

ناجي شريف بابكر، الخميس ٢٨ أغسطس ٢٠٢٥ في كتابه “مائة عام من العزلة” حدثنا غارسيا …